مشروع الحركة الحـ..وثية ونفي الفكرة الوطنية: كارثية انقلاب عبدالملك الحـ..وثي على اليمن
الفكرة الوطنية، ليست شعوراً بالانتماء إلى الأرض أو التاريخ فحسب، بل مبدأ تنظيمي للعلاقة بين الفرد والدولة والمجتمع، مبدأ قيمي يقوم على تحويل الانتماء من معطى طبيعي أولي إلى عقد سياسي إرادي؛ فهي انتقال مزدوج: من الولاءات الأولية — القبيلة والطائفة والمنطقة والسلالة — إلى ولاء وطني هوياتي جامع، ومن الشرعية التقليدية القائمة على النسب والتوريث والاصطفاء إلى شرعية عقلانية قانونية تقوم على مبدأ المواطنة والكفاءة والاختيار.
إذن؛ الفكرة الوطنية هي تجاوز ولاءات الدم والعصبية إلى ولاء وطني جامع قائم على المواطنة، والانتقال من شرعية النسب والاصطفاء إلى شرعية القانون والكفاءة والاختيار، في علاقة عقدية متبادلة بين الفرد والدولة تضمن الحقوق والمساواة والمساءلة، وتتجسد سياسياً في دولة تحكم بالقانون وتصون الحريات.
على هذا الأساس، ناضل اليمنيون من أجل الانتصار للفكرة الوطنية عبر مسار تاريخي طويل وشاق، لم يكن في كل الأحوال خطاً مستقيماً، بل متعرجاً ومتعباً، بدأ بتفجير ثورة سبتمبر ضد الإمامة الكهنوتية وسلطة اللاهوت السياسي، وامتد عبر ثورة أكتوبر في الجنوب، ثم تُوّج بالوحدة اليمنية والتعددية السياسية، وصولاً إلى مشروع الدولة الوطنية الاتحادية الذي طالب به الشباب في ثورة 2011م، وصاغته الأحزاب والمكونات السياسية في مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
كانت كل محطة من هذه المحطات اختباراً عملياً للمعيار الذي تُقاس به الوطنية اليمنية: هل يستطيع المواطن أن يخالف السلطة دون أن يفقد وطنه؟ أو حقه في الانتماء الوطني؟ هل يُطبَّق القانون على القوي قبل الضعيف؟ هل العلاقة بين المواطن والدولة علاقة عقدية متبادلة أم علاقة مِنّة وطاعة؟
وبرغم مشقة الرحلة وتعرج الخطوات إلا أن كل محطة من تلك المحطات كانت تنتج قيمة سياسية مضافة للفكرة الوطنية حتى مع نجاح السلطة في احتواء مشروع الدولة، أو الانقلاب عليه كما حدث في 1994م، غير أن انقلاب الحركة الحوثية هو الأخطر على الإطلاق من بين كل الانقلابات في اليمن، فقد غيّر مسار التوجه بشكل عكسي، أقل ما يقال فيه قطيعة جذرية مع مستقبل الشعب السياسي والدولة الديمقراطية.
انقلاب الحوثيين في 21 سبتمبر 2014 لم يكن مجرد انقلاب على سلطة سياسية، بل كان إعلان حرب ممنهج على مسار الفكرة الوطنية بذاتها.
فعلى المستوى السياسي، استبدلت الحركة مبدأ المواطنة المتساوية بمبدأ "الولاية" الإلهية، وهي تعني أن السلطة اختيار من الله في أسرة محددة، وأن الحكم استحقاق إلهي مُنح لعبد الملك الحوثي، وقد أكد عبد العظيم الحوثي، أحد أبرز علماء الحركة في صنعاء، هذا المبدأ صراحةً حين تحدث عن "الاستحقاق الإلهي" ورفض خروج الحكم من ذرية علي وفاطمة.
بهذا التوجه تُلغي الحركة الحوثية فكرة السياسة — التقييد والتمثيل والمساءلة والتداول السلمي الديمقراطي — وتستبدلها بمنطق يجعل المحاسبة والمعارضة مستحيلة، لأن الحاكم ليس مسؤولاً أمام الشعب، بل أمام الله الذي اختاره.
وإذا كان في هذا إهدار لكل نضال اليمنيين منذ سبتمبر إلى ثورة 2011. غير أن أخطر ما في تصريح أو فتوى عبد العظيم الحوثي ليس ما يقوله عن الحاكم، بل ما يقوله عن المواطنين اليمنيين؛ فحين تُصنَّف السلطة بكونها أصلاً من أصول الدين، ينتقل الخلاف حول الحكم من دائرة الاجتهاد السياسي إلى دائرة الإيمان والكفر، ويصبح من لا يؤمن بهذا الأصل خارجاً عن الدين لا مخالفاً في الرأي أو السياسة.
نعم يحدث هذا في اليمن بعد أربعة وستين سنة من ثورة الجمهورية!.
وعلى المستوى الاجتماعي، يعمل المشروع الحوثي على تفكيك النسيج الوطني وإحياء التمييز السلالي، فالحركة تقسم المجتمع إلى "هاشميين" حكام و"آخرين" محكومين، وتحتكر المناصب القيادية والعسكرية والأمنية على أساس النسب، وتُحيي ثقافة الفوارق الاجتماعية التي كانت ثورة سبتمبر تهدف إلى محوها، وهذا التقسيم ليس عرضياً، بل هو أساس يُبنى عليه احتكار السلطة والثروة، حيث أقرّت الحركة الحوثية "قانون الخمس" الذي يخصص نسبة 20% من الثروة الوطنية لصالح "آل البيت"، الأمر الذي يحول المال العام إلى امتياز عرقي، وتُقوّض معه مبدأ العدالة الاجتماعية الذي كان أحد أعمدة المشروع الوطني.
أما على المستوى الثقافي، فتعمل الحركة على "أدلجة الوعي والمعرفة على كل المستويات" عبر إحياء ثقافة الاحتفالات بالمناسبات المذهبية، وإحياء ثقافة الصراع الطائفي والمذهبي، وتضخيم مظلومية آل البيت، وإعادة إنتاج الصراع القديم بين علي ومعاوية في اليمن بعد أكثر من ألف وأربعمائة عام من حدوثه في الشام، بهدف خلق مشروعية سياسية لسلطة عبدالملك الحوثي في صنعاء مصدرها المظلومية التاريخية التي حدثت في ظل سلطة واستبداد قريش.
كل هذا الارتداد يتم في اليمن من خلال السيطرة على التعليم واستبدال المناهج الوطنية بـ"ملازم" الجماعة و"دوراتها الثقافية" التي تُكرّس فكر التفرّد السلالي على حساب فكرة المواطنة.
فالصراع في اليمن اليوم صراع على هوية الدولة والمجتمع في آن واحد: هل تكون الدولة دولة وطنية ديمقراطية اتحادية، أم دولة الاصطفاء الإلهي في الحكم وولاية علي؟ وهل يكون المجتمع اليمني مجتمعاً وطنياً ديمقراطياً جامعاً يقوم على المواطنة والقانون والاختلاف، أم مجتمعاً طائفياً مذهبياً يُعاد تشكيله على أساس سلالي طائفي ومذهبي؟
مشروع الحركة الحوثية لا يكتفي بتغيير شكل الدولة، بل يعمل على إعادة تشكيل المجتمع من داخله، بحيث تصبح بنيته قائمة على التراتب السلالي لا على المواطنة المتساوية، والدولة والمجتمع في هذا المشروع وجهان لعملة واحدة: فدولة الحق الإلهي لا تقوم إلا على مجتمع الطاعة والولاء والبراء، ومجتمع المواطنة أو الشعب السياسي لا يقوم إلا في ظل دولة تحمي المساواة والقانون، وهنا يصبح التعارض بين مشروع الحركة الحوثية والفكرة الوطنية قائماً على نفي الآخر لا على توطينه.
مع مشروع الحركة الحوثية الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، لأن منطق استحقاق السلطة بالاختبار الإلهي لا يترك مجالاً للتداول السلمي للسلطة، ولا للتعددية السياسية، ولا للديمقراطية فحسب، بل ينفي مفهوم المواطنة ويُعدم فكرة الشعب السياسي، وحين تختفي هذه جميعاً، لا يبقى أمام المجتمع إلا الصراع المفتوح على السلطة وتأسيس سلطة الغالب والمغلوب، وسلطة الغالب تمثل دائماً قطيعة حقيقية مع فكرة الدولة.
المشكلة أن الحركة الحوثية لا تخوض صراعاً طائفياً في مجتمع متعايش مذهبياً بطبعه، بل تعمل على تصنيع الطائفية الصراعية الاقتتالية وإحيائها وتضخيمها، وهذا بحدّ ذاته يضعنا أمام السؤال المخيف والمتعلق بمستقبل الشعب اليمني في ظل سلطة الحركة الحوثية.
فالأجيال التي تنشأ اليوم في ظل سلطة الحركة الحوثية ومشروعها الطائفي تُحرم من مفهوم المواطنة، وتُربّى على أن الحقوق تُكتسب بالنسب لا بالقانون، وأن السلطة تُطاع مطلقاً لأنها "مختارة من الله" لا لأنها منتخبة من الشعب، وأن الثروة تُوزع على أساس سلالي لا على أساس العدالة الاجتماعية، وأن التاريخ يُقرأ من زاوية العداء والصراع لا من زاوية العيش المشترك.
هذه التربية، إذا استمرت، ستُنتج مجتمعاً منقسمًا على نفسه، غير تواق للحرية ولا يعرف معنى الدولة الوطنية الجامعة، ولا يقدر على بناء مؤسسات ديمقراطية، ولا يستطيع أن يعيش مع المختلف عنه بسلام، لأن التسامح قيمة مهدرة في ثقافته.
بدون شك الحركة الحوثية، بمشروعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، تقف في الضفة المقابلة للفكرة الوطنية التي ناضل من أجلها اليمنيون خلال ستة عقود، ولهذا فإن مواجهة هذا المشروع ليست مسألة سياسية تكتيكية، بل مسألة وجودية تتعلق بمستقبل اليمن وأبنائه.
فإذا انتصر مشروع الحركة، عاد اليمن إلى ما قبل سبتمبر، إلى زمن الإمامة والاستعباد والتمييز، مع الاحتفاظ باسم الجمهورية اليمنية، وإذا انتصرت الفكرة الوطنية، سيبقى اليمن على مساره سائراً نحو الدولة الوطنية المدنية الاتحادية التي طالب بها شبابه في 2011م. والرهان اليوم ليس على سلطة تُنتزع أو تُمنح، بل على وعي جيل كامل يجب أن يُحمى من الأدلجة والخرافة، وعلى مؤسسات يجب أن تُبنى لتحمي المواطنة، وعلى ثقافة يجب أن تُنتج لتحصين المجتمع ضد الاستقطاب المذهبي والتمييز السلالي والمشروع الطائفي.
ختاماً: كارثية الانقلاب لا تُقاس بالرواتب المقطوعة، ولا حتى بسجن من يرفع صوته في صنعاء ويقول أنا جائع، كما أن بسط الأمن وضبط الأسعار في مناطق سيطرة الحركة الحوثية يفقد قيمته حين يُعاد تشكيل المجتمع من داخله على نحو يقوّض حرية الكلمة ومبدأ العدالة والمساواة وإمكانية قيام دولة المواطنة والتداول السلمي للسلطة.
كارثة الانقلاب الحقيقية: أن يُستنزف حاضر اليمنيين في أعراض الانقلاب، بينما يُصادر مستقبلهم ووجودهم السياسي والاجتماعي والحضاري وفق مشروع الحركة الحوثية.



