دولة البيانات وحكومة بنظام"إلغاء وإرسال"!
يا للمشهد اليمني الكوميدي المبكي! تحذيرٌ عسكري يثير الجدل بشأن التجمعات القبلية، ثم اعتذار رسمي من وزير الدفاع طاهر العقيلي، وتحقيقٌ يُعلَن بعد وقوع الخطأ! وكأننا أمام حكومة تدير الحرب بخاصية "إرسال" ، ثم تكتشف العواقب فتبحث عن زر "حذف للجميع"!
تزامن الاعتذار مع تصريح يحيى سريع بشأن عدم استهداف صنعاء، لكن التزامن وحده لا يثبت أن أحد التصريحين تسبب في الآخر. أما المؤكد سياسيًا، فهو أن الرسائل العسكرية المرتبكة تمنح الخصوم مادة مجانية للدعاية، وتضعف ثقة الناس بالمؤسسات.
المفارقة أن القبائل، بحسب بيان الوزير، هي الحامل الرئيسي لمشروع استعادة الدولة، ومع ذلك وجدت نفسها أمام تحذير اضطرت وزارة الدفاع إلى وصفه بالخطأ وغير المقبول. فكيف تُستعاد دولةٌ برسائل تحتاج مؤسساتها إلى الاعتذار عنها قبل أن تستعيد ثقة مواطنيها؟
هل تحولت وزارة الدفاع إلى غرفة لإطفاء حرائق البيانات بدلًا من منع اندلاعها؟
الاعتذار مطلوب، لكنه ليس صك براءة إداريًا؛ المطلوب كشف ملابسات الخطأ، وتحديد المسؤولية، ومحاسبة المقصر وفق القانون، وضمان عدم تكرار الأمر. أما تعليق كل شيء على شماعة استغلال الحوثيين للواقعة، فلا يلغي السؤال الأساسي: من أصدر التحذير، وعلى أي أساس، ولماذا لم يُراجع قبل نشره؟
والقبيلة اليمنية ليست بندًا في بيان، ولا خزانًا بشريًا يُستدعى عند المعارك ويُسترضى عند الأزمات. إنها جزء من المجتمع، وكرامتها وأرواح أبنائها ليستا مادة للمناورات الإعلامية.
أما حكومة الشرعية، فمشكلتها ليست نقص البيانات، بل الفجوة بين خطاب استعادة الدولة ومقتضيات إدارتها. فالدولة لا تُبنى بعبارات السيادة، ولا تُستعاد ببيانات الاعتذار، وإنما بمؤسسات منضبطة، وقرار مسؤول، وشفافية ومحاسبة.
الخلاصة الساخرة: في اليمن، قد يصدر التحذير صباحًا، والاعتذار مساءً، والتحقيق في اليوم التالي؛ أما المواطن فيبقى طوال الوقت يسأل: هل لدينا دولة تدير الأحداث، أم أحداثٌ تدير بيانات الدولة؟
اليمن لا يحتاج إلى حكومة تتقن فن التراجع بعد الخطأ، بل إلى مؤسسات تفكر قبل القرار، وتحترم المواطن قبل البيان، وتتحمل المسؤولية بدلًا من توزيع الاتهامات.
فالدولة التي تريد استعادة سلطتها، عليها أولًا أن تستعيد هيبة مؤسساتها؛ وإلا تحولت معركة استعادة الدولة إلى مسلسل طويل، كل حلقة فيه بيان، وكل نهاية فيه اعتذار، والشعب وحده يدفع الفاتورة!



