الجمعة 23 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • السلطة المأزومة وصناعة الوهم: الفجوة بين الخطاب والواقع

السلطة المأزومة وصناعة الوهم: الفجوة بين الخطاب والواقع

ثلاثة أشهر مضت منذ اندلاع المواجهات العسكرية، ورفع شعارات استعادة الجغرافيا وعودة صنعاء وحسم المواجهة، بينما الواقع الميداني يعيد إنتاج القسوة، ويشتد الخناق على تعز، وتتواصل التهديدات العسكرية، وتُترك المدينة وحيدة أمام مصير ميداني معتم. ثلاثة أشهر من الخطاب المتورم والوعود المتتابعة والبيانات اليومية، دون أن تتضح في الأفق نتائج توازي سقف التوقعات الزائف الذي صنعته السلطة الشرعية بنفسها.

منذ اللحظة الأولى، رُفعت المعركة إلى مستوى بدت معه لحظة الحسم أقرب مما هي عليه في الواقع بكثير. دعا فيها رئيس الجمهورية إلى النفير العام، وأُعلنت ساعة الصفر، وانطلقت عملية «فجر اليمن»، وتوالت البيانات التي تتابع سير العمليات ببلادة روتينية. كان الخطاب يوحي بأن الحوثيين يقتربون من مرحلة الانهيار، وأن استعادة الجغرافيا باتت مسألة وقت. لم يكن الأمر مجرد إعلان مواجهة عسكرية، بل كان أقرب إلى عملية ممنهجة لصناعة تصور زمني كاذب عن مآلات الصراع ونهاياته.

لكن الواقع، بعد ثلاثة أشهر، يعيد صفع الخطاب السياسي للسلطة ويطرح السؤال الذي حاولت السلطة تجاوزه: أين تقف المعركة فعلًا؟ وكيف يمكن التوفيق بين وعود الحسم والواقع المرير الذي تعيشه تعز، حيث يشتد الحصار وتتفاقم المخاطر أمام صمت سياسي مريب (مقزز في أحيان كثيرة، وفي أكثر لحظات الصراع عنفًا)؟

إن أكثر ما يثير الاشمئزاز قبل الغضب ليس فقط ما تتعرض له تعز من حرب وحصار وقتل وتدمير، ولا حجم الحشد العسكري الحوثي الموجّه نحوها، بل ذلك الصمت السياسي المخزي الذي يحيط بمأساتها، في مقابل استمرار الخطاب العسكري الرسمي ببلادته المعتادة. وقد أخذت بيانات الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة طابعًا روتينيًا فارغًا، تُعلن فيها الأرقام والتفاصيل يوميًا، دون أن يعني تدفق هذا الكم من المعلومات حدوث أي تحول فعلي في الميدان. المشكلة لم تكن يومًا في كثرة البيانات، بل في الفجوة الآخذة في الاتساع بين ما تقوله السلطة المأزومة وما يراه الناس وينزفون بسببه.

وبعيدًا عن لغة الأرقام والخطابات المستهلكة، وعن محاولات تجميل صورة السلطة الشرعية أو استثمار خطاب توحيد الجبهة الإعلامية ضد الحوثيين، تبرز مفارقة لاذعة تستحق التوقف: هل أصبحت عودة المعارك إلى الواجهة مجرد فرصة سياسية أو انتهازية للسلطة ومكوناتها كي تستعيد الثقة بذاتها أو تخفف الضغط عن نفسها وتتهرب من استحقاقاتها، أكثر من كونها مسارًا واضحًا ومعدًا لتحقيق أهداف المعركة؟

يبدو أن الحرب أعادت للسلطة قدرًا من الالتفاف الذي كانت قد فقدت كل مبررات وجوده سابقًا. لكن المعضلة أن هذا الالتفاف قد يُقرأ، داخل أروقة السلطة الغائبة عن واقع الناس والمهاجرة بعيدًا عن معاناتهم بعد سنوات طويلة من الغياب، بوصفه استعادة للثقة، بينما هو في جوهره ليس أكثر من تعبير عن حاجة الناس الوجودية للخلاص من خصم أكثر سوءًا وفاشية، لا اقتناعًا بجدارة أو أهلية من يتصدر مواجهته (شكليًا بطبيعة الحال)، ذلك أنها لم تحقق أي شرط من شروط المواجهة فعليًا.

وهنا ينبغي التمييز بصرامة بين «شرعية الإنجاز» الغائبة تمامًا والشرعية العرجاء التي تُستمد مؤقتًا وبشكل طفيلي من رداءة الخصم. فالناس الذين يلتفون حول السلطة الشرعية في لحظة المواجهة لا يمنحونها شهادة نجاح، ولا يبرئونها من خطايا إخفاقاتها الكارثية السابقة. بل إن هذا الالتفاف هو انعكاس لليأس من المشروع الحوثي، وللرغبة الجارفة في التخلص من كهنوتية سلطته، أكثر مما هو تعبير عن أي ثقة بقدرة هذه السلطة أو تركيبة شخوصها (معمر مثالًا) وقدرتها على إدارة معركة حقيقية.

أن تتحول المعركة إلى مجرد فرصة سياسية ومعنوية تحاول السلطة الاقتيات منها واستثمارها ليس أكثر، إنها فرصة لكنها فرصة مشروطة بالعجز. فالتعامل معها بوصفها رصيدًا مجانيًا للتملص من المساءلة والمحاسبة هو سوء تقدير وقح لطبيعة اللحظة وحدودها. فالالتفاف المرحلي حولها لا يعني بأي شكل استعادة الثقة بها، كما أن الرغبة في الخلاص من جائحة اجتماعية طارئة لا تعني التسليم بأي شكل بجدارة من يواجهها، بل هو اضطرار اللحظة التاريخية المأزومة بهم، أي السلطة بكل قياداتها.

منذ عام 2015، لم تتوقف هذه السلطة عن إعلان المعارك الوهمية، ورفع شعارات التحرير واستعادة الجغرافيا، وتقديم وعود متجددة بالحسم الحتمي. تعاقبت المحطات، وتبدلت التسميات، وتكررت الخطابات الممجوجة، وظلت الفجوة قائمة وعميقة بين ما تعلنه السلطة في خطابها السياسي والإعلامي وما يتحقق على الأرض. إن تكرار إعلان معارك الحسم، بذات الرداءة الإخراجية، حوّل الخطاب الرسمي من أداة للحشد إلى بيئة لإنتاج عدم اليقين. وتأتي معركة «فجر اليمن» ضمن هذا السياق المتراكم من الخيبات؛ فهي ليست معركة جديدة بقدر ما هي اختبار جديد لمصداقية خطاب استُهلك حتى الابتذال، حتى بات السؤال يتجاوز تقييم العملية العسكرية إلى التساؤل عن قدرة السلطة على إقناع الناس بأن إعلانها هذه المرة يختلف عن سابقاته.

إن السلطة التي تجرؤ على رفع سقف التوقعات إلى مستويات غير مسبوقة تتحمل مسؤولية مضاعفة تجاه شعب يواجه الموت. وكلما اتسعت الوعود الفارغة، ارتفعت كلفة الإخفاق. وحين تتكرر الإعلانات الاستعراضية دون نتائج تتناسب معها، لا يقتصر الضرر على تراجع الثقة في بيان بعينه، بل يمتد إلى تقويض الإيمان بإمكانية التغيير والخلاص نفسها. إنها حالة تعمل بوعي على تدمير الثقة المجتمعية بالذات وإمكانية الخلاص.

إن السلطة الشرعية، وبعماها السياسي، لا تدرك أنها بتكرار هذا النمط تصنع بيئة قاتلة من عدم اليقين والموات النفسي. فهي لا تستهلك مصداقيتها السياسية فحسب، بل تستنزف قدرة المجتمع على التصديق والتفاعل والاستعداد للتضحية، وتدمر تدريجيًا قدرته على الاستجابة حين تصبح المواجهة الحقيقية أكثر إلحاحًا. وقد تأتي اللحظة التي يصبح فيها الخطاب عاجزًا عن تحريك حجر، حتى لو حُمل بنية صادقة، ذلك أن التراكم التاريخي الأسود للرسائل السابقة كفيل بإجهاض صدقية السلطة السياسية. وهذه هي النتيجة الأكثر كارثية لتكرار الوهم: أن يفقد الناس القدرة على التمييز بين الوعد الحقيقي والوعد التعبوي والتوظيف السياسي للخطاب، وأن تتحول المعركة في الوعي المجتمعي المقاوم من مشروع تحرير وطني إلى مجرد إعلان مضاف إلى سابقيه، ينتظرون انقضاءه ليعيد إنتاج خيباتهم.

وفي مواجهة مشروع فاشي كالمشروع الحوثي، يصبح استنزاف المعنويات أخطر من الشعارات ذاتها، فالمعنويات لا تمثل عنصرًا هامشيًا يمكن استهلاكه في المزايدات السياسية بلا حساب، بل هي النواة الصلبة والقدرة الحقيقية التي يحتاجها المجتمع في مواجهة تاريخية معقدة. ذلك أن الحفاظ على الرصيد المعنوي، بل وتوجيهه في معركة كهذه، لا يقل أهمية عن الحفاظ على مخازن الذخيرة والعتاد. وحين تستدعي السلطة هذا الرصيد المعنوي مع كل إعلان استعراضي لمعركة جديدة، ثم تترك الوعود معلقة دون نتائج، فإنها لا تبدد لحظة حماسة عابرة، بل تهدر جزءًا من الاستعداد النفسي والاجتماعي للمواجهة المصيرية المقبلة.

ليس المطلوب أن تتوقف السلطة عن التعبئة أو تتخلى عن حشد الناس لمواجهة الحوثيين، وإنما المطلوب أن تدرك أن التعبئة مسؤولية أخلاقية وعسكرية، وأن المعنويات ليست موردًا يمكن إهداره أو بئرًا لا ينضب. فالمجتمع الذي يُجر مرارًا وتكرارًا إلى «ساعات الصفر» الزائفة، ثم يُعاد في كل مرة إلى مربع الانتظار والخيبة، سيصل حتمًا إلى مرحلة الرفض التام والاستجابة الصفرية، والميل إلى الشك والريبة في كل إعلان جديد، مهما ارتفعت نبرته لاحقًا.

وهنا يصبح الاستهلاك الشعبوي الرخيص للمعنويات خطرًا وجوديًا يتجاوز أثره السياسي المباشر، فهو يحوّل الأمل إلى عبء، ويحرم المقاومة الحقيقية من قوتها المدخرة. فالمعركة الفعلية تحتاج إلى ثقة قابلة للتجدد واستعداد يستند إلى رؤية عسكرية حقيقية وإمكانات ملموسة. أما استنزاف الناس في معارك لا تتضح مقوماتها ولا خططها، فهو إضعاف للمجتمع الذي يُفترض أن يكون سند المواجهة، وتبديد لما يحتاج إليه من طاقة معنوية حين تحين لحظة الفعل الحاسم.

فالمعركة ليست مجرد تسميات براقة، وساعة الصفر ليست إنجازًا بذاتها ولا لحظة مصطنعة بشكل متخيل، وإعلان استعادة الجغرافيا خطابيًا لا يعادل استعادتها بالفعل. إن أي خطاب عسكري جاد يفترض أن يستند إلى قراءة واقعية وإعداد مسبق وتجهيز مناسب وخطة واضحة وأهداف قابلة للتقييم وإطار زمني منطقي. ودون ذلك، تصبح الشعارات بديلًا بائسًا عن الاستعداد، ويصبح الإعلام بديلًا رخيصًا عن الإنجاز.

الخطر لا يكمن في إخفاق عملية عسكرية بعينها، بل في أن يتحول الإخفاق المتكرر إلى عقيدة ونمط في إدارة العلاقة بين السلطة والمجتمع؛ نمط تُطلب فيه الثقة قبل تقديم ما يبررها، وتُستهلك فيه المعنويات قبل أن تتحول إلى قوة، ويُعاد فيه تدوير الأمل بالشعارات بدلًا من بنائه على الوقائع.

والمرارات المتراكمة تثبت أن هذه السلطة لا تشبه صورة المنتصر في شيء، فقرارها مرتبك، وكفاءتها موضع شك، ومسؤوليتها غائبة خلف دوامة الوعود والإخفاقات. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بجدوى خطابها العسكري والإعلامي وحده، بل بأهليتها السياسية والعملية لقيادة المواجهة وتحمل استحقاقاتها.

لكن رداءة الخصم لا تصنع جدارة السلطة. وقد يبدو التمسك بالسلطة الشرعية، في لحظة المواجهة، خيارًا مفهومًا لدى البعض بدافع الاضطرار والضرورة، لا لأن سجلها في الإدارة والقيادة يبرر ذلك، ولا لأنها تستحق، بل لأن البديل الحوثي يمثل مشروعًا كهنوتيًا يريد الناس الخلاص من سلطته وممارساته. لكن الرغبة في الخلاص من خصم سيئ لا تعني أن الطرف المقابل أصبح جديرًا تلقائيًا بالثقة أو الأهلية. كما أن رداءة الحوثي وإجرامه لا يمنحان السلطة صك براءة أبديًا، ولا يحولان إخفاقاتها المخزية إلى إنجازات، ولا يعفيانها من المراجعة والمحاسبة.

يجد اليمنيون أنفسهم اليوم أمام معادلة قاسية ومهينة: خصم فاشي يرفضون مشروعه، وسلطة رخوة يأملون أن تقود الخلاص منه، رغم أن ممارساتها السابقة لا توحي بأي قدر من الاطمئنان أو تشير إلى قدرتها على ذلك. وفي مثل هذه اللحظة، قد تنجح السلطة في استغلال الالتفاف حولها، لكنها ترتكب خطيئة كبرى بتعاملها مع هذا الالتفاف بجهل باعتباره دليلًا على جدارتها، بدلًا من كونه فرصة أخيرة لإثبات كينونتها.

إن محاولة استثمار اللحظة لتكميم الأفواه أو تخفيف الضغط السياسي والإعلامي وتحصين الفساد والفشل البنيوي للسلطة ومكوناتها تحت لافتة «أولوية المعركة» هي خلط متعمد وتدليس يجمع بين ضرورة مواجهة الحوثيين وضرورة تقييم أداء من يتولى هذه المواجهة ومن يتحمل ثقل المسؤولية تجاه مجتمع كامل يبحث عن الخلاص ويدفع مع كل لحظة دمًا ونارًا ثمنًا لذلك. فالأمران لا يتناقضان، بل إن نجاح المعركة نفسه يتطلب سلطة متماسكة قادرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار وتوحيده، بل امتلاكه قبل أي شيء آخر، لا انتظار تحالفات الإقليم وتوازناته لتقرير مصيرها، واجترار مصير المجتمع والدولة كاملًا تبعًا لارتباطاتها الإقليمية وانتظاراتها المتلبدة للآخر الإقليمي ومستوى حركته، ومن ثم تحويل الإمكانات المادية إلى واقع على الأرض.

إن النقد الصارم للسلطة لا يعني بأي شكل الوقوف على مسافة واحدة بين السلطة والحوثيين، ولا يعني التقليل من خطورة المشروع الحوثي. بل إن خطورة هذا المشروع وجرائمه هي تحديدًا ما يجعل مساءلة السلطة ومحاكمتها نقديًا ضرورة قصوى لا ترفًا سياسيًا. فالمواجهة مع خصم عقائدي بهذه الخطورة لا تحتمل أن تتحول إلى وسيلة وذريعة لتأجيل الأسئلة المصيرية المتعلقة بالقيادة والكفاءة والقرار المخطوف.

إن الإيمان بضرورة مقاومة المشروع الحوثي لا يستلزم منح السلطة القائمة تفويضًا مفتوحًا، كما أن رفض إخفاقاتها لا يعني التراجع عن المقاومة. بل إن الفصل بين الأمرين شرط لحماية المقاومة نفسها من أن تصبح رهينة لتركيبة سياسية لا تقدم ما يكفي لإثبات أهليتها لقيادتها.