الخميس 22 أكتوبر 2026

الأطفال لا يبكون

في ظهيرةٍ خانقة، حيث الشمس لا تكتفي بإحراق الأرض بل تمتحن كرامة من يمشون عليها، توقّف المشهد عند رجلٍ بسيط، كأن الزمن اختار كتفيه ليعلّق عليهما ثقل العالم.

كان واقفاً أمام ثلاثة رجال، تتجلى في كلماتهم ونظراتهم تلك النبرة التي تجعل الآخرين يصغرون أمامها. أحدهم رفع يده بعد أن خلع ربطة عنقه، عائداً من الجامعة، لا ليحيّي، بل ليهدّد. صوته كان حاداً كحافة سكين، يقطع الهواء ويستقر في قلب رجل يحاول الانكماش على نفسه بجانب طفلتيه اللتين التصقتا بثوبه كغصنين يرتجفان في عاصفة، كأنه يتمنى لو أن الأرض تبتلعه مع خجله ووجعه.
قال له أحدهم ببرود:
"أعرف قدرك عندما تتكلم... أصلاً، أنت لا شيء".
انحنى الرجل قليلاً، وبلع صوته؛ الحياة نفسها ضغطت على رأسه. حاول أن يبتسم، لكن ابتسامته كانت مكسورة كمرآة قديمة، ثم قال، محاولاً إنقاذ ما تبقّى منه:
"أحذيتكم فوق رأسي…" قالها بصوت مكسور، ووضع يديه فوق رأسه.
قالها وهم لا يتحركون، لا يردون، ولا يشعرون. كانوا كالتماثيل.
سقطت الكلمات كصخرةٍ في مياهٍ راكدة، لكن لم يتحرك أحد. لم يقل أحدهم: "معذور يا عم"، لم يمد أحد يده ليمنعه. ظلوا واقفين يتفرجون، كأنهم يشاهدون مسرحية، أو كأنهم يعتقدون أن الرجل كان يقول الحقيقة، وهو يقدّم بناته قرباناً ليتجنب عقاب الأقوياء.
الطفلة الكبيرة ذات العشر سنوات رفعت رأسها ببطء، نظرت إلى أبيها وكأنها تسأله بصمت:
"لماذا أحذيتهم فوق رأسك يا أبي؟".
لكن الأب لم يجب، لم يكن يملك جواباً. ترك السؤال معلقاً في الهواء، يطوف فوق رؤوس الجميع دون أن يجرؤ أحد على التقاطه.
تبادل الرجال الثلاثة نظراتٍ قصيرة، مرّت بينهم ضحكة باهتة، ثم قال أحدهم:
"هذه المرة لك…".
لم تمتد يد لتُعيد للرجل اعتداله، وبقيت يداه فوق رأسه، لا يعرف كيف يُنزلهما. مرّت اللحظة كما تمرّ الأشياء التي يتظاهر الجميع بعدم رؤيتها.
عادت الطفلتان تمشيان خلف أبيهما المنكسر.
لم تبكيا. الأطفال لا يبكون دائماً؛ يخزّنون الألم في مكانٍ ما، ليخرج لاحقاً على هيئة صمتٍ طويل، أو غضبٍ عصيٍّ على الفهم.
دخل الأب غرفته، ظانّاً أن الصغيرتين قد نامتا بصمتٍ ثقيل.
جلس وحده في العتمة، وهمس بصوتٍ لا يكاد يُسمع:
"كنت فقط أريد أن أحميكم…"
لكن الجدران لم تُجب. ولم يكن يعلم أن الكبرى كانت تقف خلف الباب.
مرر أصابعه على وجهه ببطء، كمن يتحسس ملامحه بعد أن فقد يقينه بها، وسط أنفاسه المتقطعة وصوت بابٍ لم يُغلق جيداً.
وفي الصباح، سأل الكبرى:
"ماذا تريدين أن تصبحي حين تكبرين؟"
نظرت إليه طويلاً، ثم قالت بهدوء:
"لا شيء يا أبي... مثل ما قالوا."