الثلاثاء 20 أكتوبر 2026

جهابذة الفراغ

دخل نادر ديوان عبدالجبار، أحد أشهر مجالس المثقفين في المدينة، وجلس في صدر المجلس أمام عبدالجبار الذي كان يرتدي نظارةً سميكةً، ينزعها حيناً ويعيدها حيناً آخر، ثم يرفع سبابته ويقذف الحضور بمقولة كانت قد ماتت قبل أن تولد أمه.

وأضاف بعد أن أخرج من جيبه هاتفه:
— كما قال ابن خلدون في مقدمته....
لم يُكمل عبارته، بل رفع عينيه يترقب أثرها في الوجوه وسط كثافة دخان السجائر.
ساد الحضور صمتٌ مفعم بالإعجاب، فابتسم عبدالجبار، وفتح شاشة الهاتف، فتدفقت ثلاثة اقتباسات متتالية، ثم أسماء فلاسفة، وعنوان كتابٍ لم يُطبع بعد… لكنه مهم جداً.
حاول نادر أن يسأله عن أزمة الكهرباء في المدينة، لكنه صده بيده كأنه يطرد ذبابة:
— دعنا نناقش الجوهر قبل أن نغرق في التفاصيل التافهة. هل تعلم ماذا قال ابن القيم عن...؟
سأل نادر:
— في أي كتاب؟
لكن أحدهم همس له: «دعنا نسمع، لا تقاطع. يوشك أن يصل إلى ابن تيمية».
توقف الجهاز لحظة. أضاءت عيناه كلمبةٍ ضعيفة، ثم أصدر صوت تنبيه خافت: "خطأ في النظام".
سارع عبدالجبار إلى إعادة التشغيل، فسعل قليلًا، ثم قال بثقةٍ:
— القضية أعقد مما نتصور…
ثم راح يقارن بين أبي العتاهية وابن تيمية، كأنهما من تلاميذ الفصل نفسه.
تظاهر نادر بالإعجاب، بينما كانت الأسئلة تكبر في رأسه. انتفخ عبدالجبار كالطاووس. أداؤه الليلة كان استثنائياً لدرجة أنه استشهد بكتابين باللاتينية لم يسمع بهما أحد، واستعرض حياة مفكر يوناني، بما في ذلك وجع ضرسه وعلاقته الغامضة بالحداثة، ولم ينس «ميشيل فوكو في حفريات المعرفة... » و «هيغل في ظاهريات الروح».
كلما نفدت بطاريته، شحن نفسه بإعجاب الحاضرين.
بعد نصف ساعة، أدرك نادر أنه لم يحضر نقاشاً، بل عرضاً حياً لتطبيق "اقتباساتي".
لم يعد يفغر فاه إعجاباً، بل اتسعت عيناه حيرةً، وهو يتأمل صور بعض الفلاسفة والأدباء المعلقة في الديوان.
وقبل أن يغادر، حاول أن يسأل، لكن الحضور صدوه، حتى لا ينقطع حبل أفكار الجهبذ عبدالجبار، ولا يغادرون متعة الاستماع.

في تلك الليلة، نام عبدالجبار مطمئناً على رائحة العطور الباريسية، يحلم بجمهورٍ لا يسأله عن رأيه… واستيقظ ليجده كما هو.