الجامعة بوصفها مؤسسة تنموية وطنية: ضرورة تحييد العمل الأكاديمي والإداري عن الصراع السياسي والحزبي
مقدمة
لم تعد الجامعة في الدولة الحديثة مجرد مؤسسة لتلقين المعرفة ومنح الشهادات، بل أصبحت إحدى أهم المؤسسات التي يُعوَّل عليها في بناء رأس المال البشري، وإنتاج المعرفة، وتطوير الاقتصاد، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وإعداد القيادات، ودعم مؤسسات الدولة، والمساهمة في معالجة المشكلات الوطنية.
ومن هذا المنظور، فإن الجامعة تؤدي وظيفة تتجاوز حدود قاعات المحاضرات والمختبرات؛ فهي مؤسسة استراتيجية ذات أثر طويل الأمد في مستقبل المجتمع والدولة. ولذلك فإن سلامة البيئة الجامعية واستقلالها الأكاديمي والإداري ليستا قضية تخص الأساتذة والطلاب وحدهم، وإنما قضية تنموية ووطنية بامتياز.
وتزداد أهمية هذه المسألة في الدول النامية والدول التي تعاني من الصراعات السياسية والاجتماعية؛ إذ يمكن للجامعة أن تكون أداة لإعادة بناء الدولة والمجتمع، كما يمكن ـ إذا أُقحمت في الاستقطاب السياسي والحزبي ـ أن تتحول إلى إحدى ساحات الصراع، بما يضعف قدرتها على أداء رسالتها العلمية والتنموية.
وتؤكد الأدبيات والمعايير الدولية أهمية الحرية الأكاديمية والاستقلال المؤسسي بوصفهما من الشروط الأساسية لقيام التعليم العالي بوظائفه. وقد جعلت اليونسكو هذه المبادئ محورًا رئيسيًا في توصيتها بشأن أوضاع العاملين في التعليم العالي، كما يجري حاليًا تطوير الإطار الدولي لهذه المبادئ استجابة للتحديات الجديدة التي تواجه الجامعات.
أولًا: الجامعة مؤسسة لإنتاج المعرفة وليست ساحة لإدارة الصراع السياسي
تتميز الجامعة عن كثير من مؤسسات المجتمع بأنها تقوم على المعرفة والمنهج العلمي والنقد والحوار والتفكير المستقل. ولذلك فإن جوهر رسالتها يقتضي أن تكون قادرة على النظر إلى القضايا العامة من منظور علمي، بعيدًا عن الإملاءات الحزبية أو الأيديولوجية.
وهذا لا يعني أن الجامعة ينبغي أن تكون منفصلة عن المجتمع أو غير معنية بالشأن العام؛ على العكس، فالجامعة مطالبة بأن تدرس مشكلات المجتمع، وأن تقدم الرأي العلمي في قضاياه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن تنتقد السياسات العامة عندما تكشف الأدلة العلمية عن مواطن خلل فيها.
لكن هناك فرقًا جوهريًا بين:
أن تدرس الجامعة السياسة، وبين أن تتحول إلى مؤسسة سياسية؛
وبين:
أن يكون للأستاذ موقف سياسي بصفته مواطنًا، وبين أن يستخدم موقعه الأكاديمي أو الإداري لخدمة حزب أو جماعة سياسية؛
وبين:
أن تناقش الجامعة قضايا المجتمع، وبين أن تصبح بنيتها الأكاديمية والإدارية خاضعة لمنطق الاستقطاب السياسي.
وهذه التفرقة ضرورية للغاية.
فالجامعة لا ينبغي أن تكون "محايدة" تجاه الحقيقة العلمية أو حقوق الإنسان أو العدالة أو التنمية، لكنها في الوقت ذاته ينبغي أن تكون مستقلة عن الهيمنة الحزبية والاستقطاب السياسي في قراراتها الأكاديمية والإدارية.
ثانيًا: الدور التنموي للجامعة
يمكن النظر إلى الدور التنموي للجامعة من خلال خمسة أبعاد رئيسية:
1. بناء رأس المال البشري
تعد الجامعة المصنع الأساسي للكوادر التي تحتاج إليها الدولة والمجتمع في الاقتصاد والإدارة والصحة والهندسة والقانون والعلوم الإنسانية والاجتماعية وغيرها.
ولا يمكن لأية دولة أن تحقق تحولًا اقتصاديًا مستدامًا دون نظام تعليم عالٍ قادر على إنتاج الإنسان المؤهل علميًا ومهنيًا.
2. إنتاج المعرفة والابتكار
لم تعد التنمية الاقتصادية الحديثة قائمة فقط على الموارد الطبيعية أو رأس المال المالي، وإنما بصورة متزايدة على المعرفة والابتكار والبحث العلمي.
ومن هنا تصبح الجامعة شريكًا أساسيًا في تطوير الإنتاج، وتحسين الإدارة، وحل المشكلات التقنية، وتطوير السياسات العامة، ونقل التكنولوجيا.
3. بناء السياسات العامة الرشيدة
يمكن للجامعات أن تقدم للدولة دراسات مستقلة حول:
* الاقتصاد والتنمية؛
* الفقر والبطالة؛
* التعليم والصحة؛
* الإدارة العامة؛
* الإصلاح المؤسسي؛
* الموارد الطبيعية؛
* الصراع والسلام؛
* البيئة والمناخ؛
* التحول الرقمي؛
* التخطيط الإقليمي والمحلي.
وهنا تظهر أهمية استقلال الجامعة؛ لأن السياسة العامة تحتاج إلى معرفة مستقلة، وليس إلى معرفة مصممة مسبقًا لخدمة موقف سياسي.
4. تعزيز التماسك الاجتماعي
الجامعة تجمع طلابًا وأساتذة من مناطق وبيئات واتجاهات اجتماعية مختلفة، ولذلك يمكن أن تكون فضاءً مهمًا للتعايش والحوار.
وفي المجتمعات المنقسمة، تستطيع الجامعة أن تؤدي وظيفة شديدة الأهمية تتمثل في إعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع من خلال المعرفة والحوار العلمي والتفاعل الثقافي.
5. المساهمة في التنمية المستدامة
أكدت اليونسكو في توصيتها بشأن التعليم من أجل السلام وحقوق الإنسان والمواطنة العالمية والتنمية المستدامة أن مؤسسات التعليم العالي ينبغي أن تساعد في إيجاد حلول مبتكرة للتحديات المحلية والعالمية، وأن تنتج وتنشر المعرفة العلمية والتكنولوجية، وأن تعزز الحوار والتعاون.
وهذا يعني أن الجامعة ليست عبئًا ماليًا على الدولة، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا في المستقبل.
ثالثًا: لماذا يمثل تسييس الجامعة خطرًا على التنمية؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للجامعة هو أن تتحول المنافسة السياسية من خارجها إلى نظام يحكم العلاقات الأكاديمية والإدارية داخلها.
فعندما يصبح الانتماء السياسي أو الحزبي عاملًا مؤثرًا في التعيين والترقية والإدارة والابتعاث والإشراف الأكاديمي وتوزيع الموارد، فإن المؤسسة تبدأ تدريجيًا في فقدان أحد أهم أصولها: المعايير المهنية.
وهنا تظهر مجموعة من الآثار الخطيرة.
1. تراجع معيار الكفاءة
إذا أصبح الولاء السياسي أكثر أهمية من الكفاءة، فإن المؤسسة قد تنتقل تدريجيًا من:
نظام يقوم على الجدارة
إلى:
نظام يقوم على الولاء.
وهذا يؤدي في المدى الطويل إلى إضعاف جودة التعليم والبحث العلمي.
2. إضعاف الثقة المؤسسية
عندما يشعر الأستاذ أو الطالب بأن الفرص الأكاديمية والإدارية لا تعتمد على الكفاءة والإنجاز، وإنما على الانتماء أو القرب من مراكز النفوذ، تتراجع الثقة في المؤسسة.
وفقدان الثقة أخطر من ضعف الموارد؛ لأن الموارد يمكن زيادتها، بينما إعادة بناء الثقة المؤسسية تحتاج إلى سنوات.
3. هجرة الكفاءات
الكفاءات العلمية تبحث بطبيعتها عن بيئة تتيح لها العمل والتطور وفقًا للجدارة.
وعندما تصبح البيئة الجامعية شديدة التسييس، قد يؤدي ذلك إلى:
- عزوف الباحثين عن العمل الأكاديمي؛
- هجرة الكفاءات؛
- ضعف الإنتاج العلمي؛
- تراجع القدرة على استقطاب العلماء؛
- انخفاض جودة البرامج الأكاديمية.
4. تراجع الحرية الأكاديمية
تؤكد اليونسكو أن الحرية الأكاديمية تشمل حرية التدريس والمناقشة والبحث ونشر نتائجه والتعبير عن الرأي المهني، كما ترتبط بالاستقلال المؤسسي باعتباره شرطًا لقيام مؤسسات التعليم العالي بوظائفها.
ومن ثم فإن الخوف من التعبير عن رأي علمي مخالف للسائد سياسيًا يمكن أن يؤدي إلى أخطر أنواع الفساد الجامعي: الرقابة الذاتية.
فالجامعة التي يخاف فيها الباحث من نتائج بحثه ليست جامعة منتجة للمعرفة بالمعنى الحقيقي.
رابعًا: تحييد الجامعة لا يعني إلغاء السياسة من حياة الأكاديميين
هذه نقطة جوهرية ينبغي التأكيد عليها.
ليس المطلوب أن يكون الأستاذ الجامعي بلا موقف سياسي.
فالأستاذ مواطن له كامل الحق في التفكير والتعبير والمشاركة العامة وفق القانون.
كما أن الجامعة لا ينبغي أن تمنع دراسة النظريات السياسية أو الأيديولوجيات أو الأحزاب أو الصراعات الاجتماعية، بل ينبغي أن تكون المكان الذي يمكن فيه دراسة كل هذه الظواهر بصورة أكثر عمقًا وموضوعية.
المطلوب هو الفصل بين مستويين:
أ- المستوى الشخصي:
حق الأستاذ والطالب في امتلاك آرائهما ومواقفهما السياسية.
ب- المستوى المؤسسي:
ضرورة ألا تُدار الجامعة وفق الانتماء السياسي أو الحزبي، وألا تتحول الموارد والوظائف والقرارات الأكاديمية إلى أدوات للمكافأة السياسية أو العقاب السياسي.
وبعبارة أكثر وضوحًا:
* نريد أستاذًا جامعيًا حرًا في تفكيره السياسي، ولكننا لا نريد جامعةً حزبية في قراراتها الأكاديمية والإدارية.
وهذا التمييز هو الذي يحمي في الوقت ذاته الحرية الأكاديمية والاستقلال المؤسسي.
خامسًا: الجامعة في المجتمعات المتأثرة بالصراع
تكتسب القضية أهمية مضاعفة في الدول التي تعاني من الحروب والانقسامات السياسية.
فالدراسات المتعلقة بالتعليم العالي في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراع تشير إلى وجود علاقة معقدة بين الجامعة والسلام والتنمية؛ إذ يمكن للجامعات أن تسهم في تحقيق السلام والعدالة وبناء المؤسسات، لكنها قد تتعرض أيضًا للتسييس والضغط الأمني والاستقطاب، بما يحد من قدرتها على أداء دورها التنموي.
وفي مثل هذه البيئات، ينبغي أن تتحول الجامعة إلى مساحة وطنية مشتركة.
أية مساحة يستطيع فيها:
- المختلف سياسيًا أن يتعلم مع خصمه؛
- الباحث أن يناقش فكرة دون خوف؛
- الطالب أن يختلف مع أستاذه علميًا؛
- الأستاذ أن ينتقد سياسة عامة دون أن يتحول النقد إلى خصومة شخصية؛
- مختلف المناطق والمكونات الاجتماعية أن تلتقي في إطار مؤسسي واحد.
وهذا الدور قد يكون أكثر أهمية من أي دور آخر للجامعة في مراحل إعادة بناء الدولة.
سادسًا: مخاطر تسييس الإدارة الجامعية
ربما يكون تسييس الإدارة أكثر خطورة من مجرد وجود نشاط سياسي داخل الجامعة.
ذلك أن الإدارة تتحكم في:
* التعيين؛
* الترقية؛
* الابتعاث؛
* المنح؛
* الإشراف؛
* تشكيل اللجان؛
* الموارد المالية؛
* المشاريع البحثية؛
* المناصب القيادية؛
* تقييم الأداء.
وعندما تدخل الاعتبارات الحزبية في هذه المجالات، يصبح الخطر مؤسسيًا وليس فرديًا.
لذلك ينبغي أن تكون الإدارة الجامعية محكومة بمبادئ واضحة:
الكفاءة + الشفافية + العدالة + المساءلة + الاستقلال الأكاديمي + تكافؤ الفرص.
ولا ينبغي أن يكون الانتماء السياسي معيارًا للثقة الإدارية.
سابعًا: كيف نحمي الجامعة من الاستقطاب؟
يمكن بناء منظومة متكاملة من الإجراءات، أهمها:
1. وضع ميثاق للاستقلال الأكاديمي
ينبغي لكل جامعة أن تمتلك إطارًا واضحًا يحمي:
- حرية البحث؛
- حرية التدريس؛
- حرية التعبير الأكاديمي؛
- حق الاختلاف العلمي؛
- استقلال المجالس الأكاديمية.
2. اعتماد الجدارة معيارًا للتعيين والترقية
ينبغي أن تقوم القرارات الأكاديمية على معايير قابلة للقياس مثل:
- المؤهلات؛
- الإنتاج العلمي؛
- جودة التدريس؛
- الخبرة؛
- الإشراف؛
- خدمة المجتمع؛
- الإنجازات المهنية.
3. الفصل بين الانتماء السياسي والوظيفة الأكاديمية
لا ينبغي معاقبة الشخص بسبب آرائه السياسية، كما لا ينبغي مكافأته بسببها.
وهذا يحقق مبدأ مهمًا:
* لا عقوبة سياسية ولا مكافأة سياسية داخل المؤسسة الأكاديمية.
4. تعزيز الحوكمة الجامعية
كلما زادت شفافية القرارات وتعددت مستويات الرقابة والمشاركة الأكاديمية، انخفضت احتمالات السيطرة الفردية أو الحزبية.
وتشير النقاشات الدولية المعاصرة حول الجامعات إلى أهمية الحوكمة الديمقراطية في التوفيق بين المسؤولية المجتمعية للجامعة والحرية الأكاديمية.
5. حماية التنوع الفكري
ينبغي ألا تتحول الجامعة إلى مؤسسة ذات صوت فكري واحد.
فالجامعة القوية ليست التي يتفق أفرادها جميعًا، وإنما التي يستطيعون الاختلاف دون خوف.
6. منع استخدام مرافق الجامعة في الصراع الحزبي
ينبغي التمييز بين النشاط الطلابي والثقافي المشروع وبين تحويل الجامعة إلى منصة للتعبئة الحزبية أو الاستقطاب أو التحريض.
ثامنًا: ماذا ينبغي أن تفعل الجامعة تجاه السياسة؟
بدلًا من إبعاد السياسة تمامًا عن الجامعة، ينبغي رفع مستوى التعامل معها من النشاط الحزبي إلى الدراسة العلمية.
فالجامعة يمكنها إنشاء:
- مراكز للدراسات السياسية؛
- مراكز للسلام وحل النزاعات؛
- مراكز لدراسات التنمية؛
- منتديات للحوار الوطني؛
- برامج للسياسات العامة؛
- وحدات لدراسة الرأي العام؛
- برامج للتربية المدنية.
وبذلك تتحول الجامعة من ساحة للصراع السياسي إلى مختبر علمي لفهم الصراع ومعالجته.
وهذه نقلة نوعية مهمة.
تاسعًا: الجامعة والتنمية في اليمن نموذجًا
في الحالة اليمنية، تكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية بسبب طول أمد الصراع والانقسام المؤسسي والمجتمعي.
فالجامعة اليمنية تحتاج اليوم إلى أن تكون واحدة من المؤسسات التي تتجاوز الانقسام ولا تعكسه داخل بنيتها الأكاديمية.
ومن المهم النظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة وطنية مشتركة يمكن أن تسهم في:
1. إعادة بناء رأس المال البشري اليمني.
2. إنتاج الدراسات المتعلقة بإعادة الإعمار.
3. تطوير السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
4. تأهيل الكوادر الحكومية.
5. دراسة جذور الصراع.
6. تطوير آليات المصالحة وبناء السلام.
7. دعم التنمية المحلية.
8. إعادة بناء مؤسسات الدولة.
9. تطوير التعليم والتدريب المهني.
10. وقف نزيف الكفاءات العلمية.
والجامعة اليمنية، في هذه المرحلة، لا تحتاج فقط إلى تمويل أكبر، بل تحتاج أيضًا إلى مساحة أكبر من الاستقلال والاحتراف المؤسسي.
فإعادة بناء الدولة تبدأ، في جانب مهم منها، بإعادة بناء المؤسسات التي تنتج المعرفة والكوادر والقيم المؤسسية.
عاشرًا: نحو عقد وطني جديد لدور الجامعة
أعتقد أن الدول التي تمر بظروف الصراع تحتاج إلى ما يمكن تسميته "عقدًا وطنيًا لاستقلال الجامعة"، يقوم على مجموعة من المبادئ:
أولًا: الجامعة مؤسسة وطنية وليست ملكًا لحزب أو جماعة.
ثانيًا: الأستاذ الجامعي مواطن حر، ولكن الوظيفة الأكاديمية لا ينبغي أن تتحول إلى وظيفة حزبية.
ثالثًا: الطالب حقه في التعليم لا ينبغي أن يرتبط بانتمائه السياسي.
رابعًا: التعيين والترقية والإدارة تقوم على الكفاءة والجدارة.
خامسًا: البحث العلمي مستقل عن الضغوط السياسية.
سادسًا: الجامعة تناقش القضايا السياسية، ولكن بمنهج علمي وليس بمنطق التعبئة الحزبية.
سابعًا: اختلاف الآراء داخل الجامعة مصدر قوة وليس تهديدًا.
ثامنًا: لا يجوز استخدام الجامعة لتصفية الحسابات السياسية.
تاسعًا: الدولة مطالبة بحماية استقلال الجامعات وتمويلها بصورة عادلة.
عاشرًا: الجامعة مطالبة في المقابل بالمساءلة والجودة والنزاهة وخدمة المجتمع.
خاتمة:
إن الجامعة ليست مؤسسة منعزلة عن المجتمع، ولا ينبغي أن تكون كذلك؛ فهي جزء أساسي من عملية بناء الدولة والتنمية والسلام. لكن نجاحها في أداء هذه الوظيفة يتوقف بدرجة كبيرة على قدرتها على حماية المعرفة من التسييس، والكفاءة من المحسوبية، والإدارة من الحزبية، والبحث العلمي من الضغوط، والطالب من الاستقطاب.
ولا يعني استقلال الجامعة أن تكون فوق المجتمع أو الدولة أو القانون، كما لا يعني منع الأكاديميين من المشاركة السياسية أو التعبير عن آرائهم. إنما يعني أن المؤسسة الجامعية نفسها لا ينبغي أن تتحول إلى أداة في الصراع السياسي والحزبي.
فالجامعة التي تستسلم للاستقطاب السياسي قد تكسب نفوذًا قصير الأجل، لكنها تخسر شيئًا أكبر بكثير: ثقة المجتمع ومستقبل أجياله.
أما الجامعة التي تحافظ على استقلالها الأكاديمي، وتضع الكفاءة فوق الولاء، والحوار فوق الاستقطاب، والبحث العلمي فوق الدعاية، فإنها تستطيع أن تصبح إحدى أهم أدوات إعادة بناء الدولة، وتحقيق التنمية، وإنتاج السلام، وصناعة المستقبل.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل ينبغي أن تكون الجامعة سياسية أم غير سياسية؟
بل:
* هل نريد جامعة تستخدم السياسة لفهم المجتمع وصناعة الحلول، أم جامعة تُستخدم السياسة للسيطرة عليها؟
والفرق بين الاثنين هو الفرق بين جامعة تقود التنمية وجامعة تستهلكها الصراعات.
وتتسق هذه الرؤية مع الإطار الدولي الذي يربط بين الحرية الأكاديمية والاستقلال المؤسسي والمسؤولية المهنية والاجتماعية للتعليم العالي؛ كما أن اليونسكو تعمل في 2026 على تحديث توصيتها الخاصة بأوضاع العاملين في التعليم العالي لمواجهة الضغوط الجديدة، ومنها التسييس والقيود على الحرية الأكاديمية في البيئات المتأثرة بالأزمات والصراعات.
مراجع أساسية:
UNESCO. Recommendation concerning the Status of Higher-Education Teaching Personnel (1997). وهي المرجعية الدولية الأساسية بشأن الحرية الأكاديمية والاستقلال المؤسسي وحقوق ومسؤوليات العاملين في التعليم العالي.
UNESCO. Recommendation on Education for Peace, Human Rights, International Understanding, Cooperation, Fundamental Freedoms, Global Citizenship and Sustainable Development.
UNESCO. Protecting academic freedom is as relevant as ever.
UNESCO. Teaching in Freedom, Empowering Teachers.
Vandenhole, W. (2026). Universities as Emerging Human Rights Duty-Bearers: Balancing Institutional Human Rights Responsibility with Academic Freedom. UNESCO Chair Working Paper No. 7.
Higher education and sustainable development goal 16 in fragile and conflict-affected contexts. Higher Education.



