أيها المتباكون على وطنٍ أنتم ضيّعتموه!
أيها المتباكون على وطنٍ أنتم ضيّعتموه، وعلى دولةٍ شاركتم في إضعافها، وعلى شعبٍ تركتموه يواجه مصيره بين الحرب والفقر والجوع والمرض والشتات!
عن أي وطنٍ تتحدثون؟ وأية وحدةٍ تبكون عليها؟ وأي دولةٍ تتحسرون على غيابها، وأنتم الذين قدّمتم مصالح أحزابكم وانتماءاتكم ومشاريعكم الخاصة على مصلحة الوطن، حتى أصبح اليمن ساحةً للصراعات، وأرضًا تتنازعها الولاءات، وشعبًا يدفع ثمن خلافاتكم من أمنه وقوته وكرامته؟
ألم يكن الوطن يتسع للجميع؟ ألم تكن أرضه تجمعنا، وتاريخه يوحّدنا، وأحلام أبنائه تستحق أن نتكاتف من أجلها؟ فكيف تحوّل هذا الوطن إلى مناطق نفوذ، وهذه الدولة إلى سلطات متنازعة، وهذا الشعب إلى جماعات تبحث عن لقمة العيش، بينما تتصارع القيادات على السلطة والثروة والنفوذ؟
لقد أضعتم الوطن حين جعلتم الحزب فوق الدولة، والطائفة فوق المواطنة، والمنطقة فوق الهوية الوطنية، والولاء للخارج فوق مصلحة الداخل. وأضعتموه حين أصبح الخلاف السياسي مبررًا للإقصاء، وحين تحوّلت الشعارات الوطنية إلى وسيلة لكسب الأنصار، لا مشروعًا لبناء دولة تحمي الجميع وتصون حقوقهم.
واليوم، يتباكى بعضكم على اليمن، ويتحدث عن الوحدة والجمهورية والشرعية والسيادة، وكأن ذاكرة الشعب قد مُحيت، وكأن المواطن لم يعد يتذكر من أشعل الحرب، ومن أطال أمدها، ومن استثمر في استمرارها، ومن تركه يواجه الغلاء وانقطاع الرواتب وتدهور الخدمات، فيما تتبدل التحالفات والمواقف بحسب المصالح.
أيها المتباكون، إن الوطن لا يُستعاد بالخطب، ولا تُبنى الدولة بالشعارات، ولا تُصان السيادة بتبادل الاتهامات. الوطن مواقف ومسؤولية، والدولة عدالة ومؤسسات، والوطنية أن يشعر المواطن بأن له قيمة وحقوقًا وكرامة، لا أن يبقى ضحيةً لصراعات لا تنتهي.
انظروا إلى المواطن اليمني اليوم؛ كيف أصبح السفر للعلاج معاناةً مضاعفة، والتنقل بين المدن رحلةً محفوفةً بالمخاطر والتكاليف، والحصول على راتبه أمنيةً مؤجلة، والبحث عن الكهرباء والماء والدواء عبئًا يوميًا. انظروا إلى الأب الذي يعجز عن توفير احتياجات أسرته، وإلى الشاب الذي فقد الأمل في مستقبله، وإلى المريض الذي تتراجع فرص نجاته لأنه لا يملك ثمن العلاج، ثم حدثونا عن انتصاراتكم ومشاريعكم الوطنية!
أي انتصارٍ هذا الذي يُهزم فيه المواطن كل يوم؟ وأية شرعيةٍ أو سلطةٍ أو مشروعٍ سياسي لا يجعل حياة الناس وحقوقهم في مقدمة أولوياته؟ وأي وطنٍ يبقى إذا خسر أبناؤه الأمن والاستقرار، وتفرّقوا بين المنافي، وأصبحوا غرباء في أرضهم؟
لسنا بحاجة إلى مزيد من المتباكين، بل إلى من يمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، وتحمل المسؤولية، والتراجع عن السياسات التي مزّقت البلاد وأرهقت العباد. لسنا بحاجة إلى من يوزّع صكوك الوطنية على الآخرين، بل إلى من يثبت وطنيته بعمله ومواقفه، ويضع مصلحة اليمن فوق مصلحة الحزب والجماعة والمنطقة، وفوق أي تبعية لا تخدم شعبه.
إننا لا نطالب أحدًا بالتخلي عن قناعاته السياسية، ولا ننكر اختلاف اليمنيين في رؤاهم ومشاريعهم، لكننا نرفض أن يتحول الاختلاف إلى وسيلة لتدمير الدولة، أو أن تصبح دماء اليمنيين وأرزاقهم ثمنًا لصراعات المتنافسين على السلطة.
أنا لست مع هذا الطرف أو ذاك، ولا أنتمي إلا إلى الوطن؛ إلى اليمن الذي نريده دولةً تتسع لجميع أبنائه، لا غنيمةً تتقاسمها القوى المتصارعة، ولا ساحةً تُدار فيها مصالح الآخرين على حساب شعبها.
فإذا كنتم صادقين في بكائكم على الوطن، فابدؤوا بمراجعة أنفسكم، واعترفوا بأخطائكم، وأوقفوا الحروب، وارفعوا المعاناة عن الناس، وافتحوا الطرق، وأعيدوا الحقوق، واجعلوا المواطنة أساس العلاقة بين اليمنيين، لا الانتماء إلى هذه الجهة أو تلك.
أيها المتباكون على وطنٍ أنتم ضيّعتموه، إن الدموع لا تعيد وطنًا، والخطب لا تبني دولة، والشعارات لا تطعم جائعًا ولا تعالج مريضًا.
إن الوطن لا يحتاج إلى من يبكي على أطلاله بقدر ما يحتاج إلى من ينقذه من أزماته، ويعيد إليه وحدته وكرامته، ويمنح أبناءه حقهم في الحياة والأمل والمستقبل.
فكفّوا عن البكاء على وطنٍ أسهمتم في ضياعه، وابدؤوا العمل من أجل وطنٍ يستحقه أبناؤه؛ وطنٍ لا يكون فيه المواطن آخر اهتماماتكم، بل أول مسؤولياتكم.
فاليمن أكبر من أحزابكم، وأبقى من خلافاتكم، وأغلى من مصالحكم، والشعب الذي صبر طويلًا يستحق أن يرى منكم أفعالًا تعيد إليه وطنه، لا كلماتٍ جديدةً ترثي وطنًا أضعتموه.



