تعز.. مدينة بلا خيط جراحي
عندما تقول منظمة دولية إن مدينة أصبحت "معزولة تمامًا"، فهي لا تصف جغرافيا. هي تعلن وفاة الجغرافيا.
هذا ما فعله طارق ياساريفيتش، المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، حين تحدث عن تعز. لم يقل إن الوضع صعب، أو متدهور، أو مقلق. قال: معزولة. والمستلزمات الجراحية وصلت إلى الصفر.
والصفر في لغة المنظمات الأممية ليس رقمًا، إنه حكم إعدام مؤجل.
لغة الأرقام حين تصبح أدبًا أسود
بيان منظمة الصحة لم يكن تقريرًا طبيًا، كان مرثية سريرية:
12 مستشفى لا تملك إلا 4 أيام من الوقود.
ليس 12 مبنى، بل 12 قلبًا ينبض بمولدات الديزل. عندما ينطفئ الوقود، لا تنطفئ الأنوار فقط، تنطفئ أجهزة غسيل الكلى، وأجهزة التنفس في العناية المركزة، وحاضنات الأطفال.
ثم الجملة الأخطر: "مخزون المستلزمات الجراحية إلى الصفر".
في الحروب، يمكنك أن تعيش بلا كهرباء، بلا ماء نظيف لأيام، بلا مدارس. لكن لا يمكنك أن تعيش بلا خيط يخيط جرحًا، وبلا شاش يوقف نزيفًا. الصفر هنا يعني أن الجراح سيقف أمام الجريح بيدين عاريتين. وهذا تحول من أزمة إمداد إلى أزمة أخلاق.
ثم يضيف ياساريفيتش بذكاء طبيب يعرف أين يذهب الألم أولًا: نقص الأكسجين.
ليس نقص الدواء النادر، بل نقص الهواء نفسه. عندما ينقص الأكسجين، لا يموت المصابون بالرصاص فقط، يموت مريض الكلى الهادئ في غرفته، والمسن في العناية.
ووسط كل هذا، يهمس بالكلمة التي تخافها كل منظمات الصحة في اليمن: الكوليرا. لأن الكوليرا لا تحتاج صاروخًا، تحتاج فقط مدينة معزولة، ومستشفيات بلا وقود، ومياه غير آمنة. وهي معادلة تعز الآن.
لماذا كلام الصحة أخطر من كلام الهجرة؟
منظمة الهجرة الدولية قالت الرقم الكبير: 233.077 نازحًا منذ يونيو، نصفهم تقريبًا (121.530) من تعز وحدها. هذا رقم يصف الكارثة كميًا.
أما منظمة الصحة فقالت ما لا يُقاس بالرقم: إن من لم ينزح، حُكم عليه بالحصار داخل جسده المريض.
النزوح مأساة حركة، أما العزلة الصحية فهي مأساة ثبات. النازح يبحث عن مأوى، أما المحاصر في مستشفى بلا وقود، فهو يبحث عن حق في البقاء.
لذلك كان نداء المنظمتين مختلفًا في العمق. الهجرة تطلب حماية، والصحة تطلب وصولًا. "نحن بحاجة إلى وصول آمن ومضمون ومستدام". ثلاث صفات ليست لغوًا دبلوماسيًا:
آمن: أي أن الطبيب لا يُقتل في الطريق.
مضمون: أي أن الشاحنة لا تُفتش حتى تفسد أدويتها.
مستدام: أي أننا لا نريد قافلة استعراضية ليوم واحد، نريد شريانًا لا ينقطع.
عندما تطلب منظمة صحية "شريانًا"، فهذا اعتراف ضمني بأن المدينة تعيش بجلطة.
تعز كاختبار أخلاقي
قيمة تصريح منظمة الصحة العالمية أنه نزع السياسة عن تعز وأعادها إلى أصلها: جسد.
تعز ليست جبهة في نشرة أخبار. هي 12 مستشفى. هي جهاز غسيل كلى. هي أسطوانة أكسجين.
وفي الأدب السياسي للحروب، هناك لحظة تصبح فيها المدينة رمزًا أكبر من نفسها. حلب كانت كذلك، وسراييفو قبلها. وتعز اليوم هي هذا الاختبار: هل يستطيع العالم أن يوصل خيط جراحة إلى مدينة، قبل أن يوصل إليها قرارًا سياسيًا؟
المنظمات الإنسانية لا تملك جيوشًا، تملك لغة. وعندما تقول "الصفر"، فهي تضع العالم كله أمام مرآته. الصفر لا يحتاج إلى تفسير، ولا إلى تأويل، ولا إلى طرفين. الصفر يعني أننا فشلنا جميعًا في إبقاء أبسط ما يجعل الإنسان إنسانًا: القدرة على مداواة جرحه.



