الجمعة 16 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • زخات متناثرة من كتاب "شبق المتاهات" "سير الآداب الرقمية شبكيًا" للدكتور هاني الصلوي(2-2)

زخات متناثرة من كتاب "شبق المتاهات" "سير الآداب الرقمية شبكيًا" للدكتور هاني الصلوي(2-2)

زخات متناثرة من كتاب "شبق المتاهات" "سير الآداب الرقمية شبكيًا" للدكتور هاني الصلوي(2-2)

مدخل مهم

إذا كنت في الحلقة الأولى تبادؤات لاخطية المخصصة لعرض المجلد الأول قد عرضت اللبنات التأسيسية لفهم التحولات الفلسفية والنقدية التي وضعها الباحث الدكتور هاني جازم الصلوي فإن الحلقة الثانية التي بين يدي القارئ الكريم تنعطف بصورة تطبيقية ومعرفية مكثفة نحو تتبع "سيرة" الأدب الرقمي وآلياته التشعبية والشبكية.
يرتكز الجزء الثاني لكتاب "شبق المتاهات" على تفكيك مفاصل التحول من الأداة الآلية الصامتة إلى السيولة المعلوماتية الفائقة، راصدًا التداخل الحاد بين سلطة التكنولوجيا وصيرورة النص الإبداعي.

ومن خلال الأقسام التالية نسعى إلى استجلاء هذه المسيرة العاصفة التي تخلخل المفاهيم التقليدية للكتابة والقراءة، وتفتح الآفاق على "لاتناهٍ شبكي" يعيد صياغة وعي الذات والمجتمع على حد سواء.

لكن قبل الولوج لعرض مباحث الجزء الثاني من الضروري الوقوف عند عتبة كتاب سير الآداب الرقمية شبكيًا في (ص6)، حيث ينبه الباحث القارئ بملحوظة تدميرية تخلخل مفهوم الترتيب الخطي للأجزاء والمجلدات.

هذه الخطوة المفهومية في مطلع الكتاب تمثل استكمالًا لثورته على الأنساق الصلبة، حيث يعلن أن هذا الجزء لا يعد مجلدًا ثانيًا يتبع المجلد أو الكتاب الأول بالضرورة، وإنما يراه كتلة معرفية تقطن فضاء الـ"بين-بين-ات"، كتابًا قد يكون سابقًا لما وسمه بالأول، أو موازيًا له في فضاء لا تناهي الشبكة.

وفي هذا المقترح الذي يعد عتبة قرائية يفرض الباحث على المتلقي التخلي عن منطق التراتبية والتعاقب الصارم، والقبول بالملاحة في متاهة لا تعترف بالبدايات والنهايات المستقرة.

ومثلما أشرت في الحلقة الأولى أن الدكتور هاني جازم الصلوي كان في مقدوره توزيع الكتاب الأول إلى عدد من الفصول أكرر هنا أنه أيضًا كان في مقدوره توزيع مباحث الكتاب الثاني إلى فصول، وسوف أتناولها في عرض الجزء الثاني على هيئة أقسام، يلخص كل قسم فصلًا من كتاب سير الآداب الرقمية شبكيا على النحو الذي سآتي عليه أدناه.

القسم الأول: منطلقات التقنية الآلية

في هذا القسم بين صفحات (8-20) من كتاب سير الآداب الرقمية يناقش الباحث منطلقات التقنية الآلية، ومراحل تطورها على النحو التالي:

1. من التقنية -الآلية- التكنولوجية إلى ما بعد الرقمية/ المعلوماتية

في (ص8) يشير إلى أن الإنسان منذ بداية وجوده على سطح البسيطة وقضيته الأساسية هي الوصول إلى ما يريده، أو بالأصح لما يعتبره في ذهنه هدفًا لا بد من الوصول إليه، رغم اختلاف هذا الهدف أو الأهداف من مرحلة إلى أخرى في مسيرة الإنسانية، بل في مسيرة الكائن البشري نفسه.

حيث تمثلت تلك الأهداف منذ فجر البشرية في الحصول على الطعام والشراب إلى جانب الحصول على الدفء حين الحاجة إليه، بجانب حاجات التزاوج وغيرها من الاحتياجات البيولوجية المتعلقة بطبيعة الجسد/ الأجساد الآدمية خاصة.

كان ذهن الكائن البشري يستفز، فيستفز كل قدراته إذا أحس بأنه سيفقد أيًا من ذلك بالطبع بعد تجارب عديدة وقع فيها الكائن البشري بما هو جماعة وفرد فنشأت عنده جملة من العادات الذهنية المتدرجة استطاع من خلالها أن يضع استراتيجيات بدئية -يستحسن الباحث وصفها بمنظومة من التصرفات التلقائية ذات التخطيط الساذج- تقيه بصفة مؤقتة بعض المخاطر.

بمعنى أن شعوره بالخوف شكل البداية الفعلية لعمل فكره بصورة واعية عنده وقد التبس كل ذلك بمجموعة من العلائق الواقعية المباشرة وغير المباشرة بما في ذلك عدم التمييز بين ما يشاهده أمام عينيه في اليقظة وما يعايشه في الحلم، كما ورد من قبل في شعرية ولا تناهي اختلاط الواقع بالحلم.

2. من التقنية -الآلية- التكنولوجية إلى ما بعد الرقمية/ المعلوماتية

يبين الكاتب (ص10-20) أن تراكم تلك العادات الذهنية قاد الإنسان إلى خاصية ميزته -باعتبارها سبلًا متنامية- عن غيره من الحيوانات الأخرى، تلك الخاصية هي في حقيقتها استعماله الأداة الخارجية، إذا اعتبرنا أن البشر يستخدمون أعضاءهم في كل تصرفاتهم كأدوات لصيقة وداخلية كاليد والعين والأذن وغيرها.

بصيغة أخرى أخذ الإنسان يستخدم أدوات يعزز بها قدرات أعضائه وهي أدوات فاقت قدراتها منذ الوهلة الأولى قدراته الذاتية التي أخذت هي الأخرى تتطور بسبب من استخدامه الأداة، فمنذ أكثر من 4 ملايين سنة ظهر الإنسان صانع الأدوات الحجرية وابتدأ عصر التكنولوجيا القديم.

وقد ساعدت الابتكارات التقنية على مضاعفة حجم مخ الإنسان منذ حوالي مليوني سنة، وفي النهاية وصل حجم المخ عند الإنسان إلى وضعه الحالي.

ومنذ بضعة آلاف من السنين أخذ الإنسان يتدرج في استخدام الوسائل أو الأدوات بطبيعة الحال من استخدامه للأدوات التي تنوب عن عضلاته إلى تخليقه لأدوات تنوب في كثير من الحالات عن ذهنه كالآلة الحاسبة والكمبيوتر أخيرًا.

دعت الحاجة الحيوانية في ما يتصل بالحيوان الإنساني، وتماوجات أنواعه لممارسة الحياة بشكل أجدى إلى ابتكار الأدوات ومن ثم استعمالها في مختلف الأغراض لتكون اليد في البدء أنفع الأدوات وأكثرها إنتاجية وقدرة على خلق الجديد وتحسين شروط القديم.

لم يكن استخدام اليد أداة بالمرحلة البسيطة في تاريخ التطور الإنساني، بل إنها المرحلة التطورية الأعلى من الجانبين المادي والذهني، وعلى مستويات عدة أقلها وهو بالغ الأهمية التحرك بحرية في الأرجاء، وصيرورة اليد، وحركاتها أفعالًا مركزية في الفعل الإنساني. من هنا ومع الإمكانات الهائلة لحركات اليد الإنسانية وانعتاقها من الحبسة الأقدم نشأت مع نوع الإنسان المنتجات الثقافية الأولى.

وتشير المصطلحات السابقة إلى فكرة الأدواتية أو الوسائلية وإلى مفهوم الوسائط وما يستعين به الإنسان للقيام بالعمل وإنجاز المهام، ويرتبط مفهوم الآلية مباشرة بكلمة آلة أو ماكينة في أبعاده المتعددة وتشترك المفردتان في كثير من المعاني مع التقنية التكنولوجية والرقمية اللتين تتضمنان مفاهيم مستحدثة متجاوزة للمصطلحين السابقين تتعلق بشكل أساسي بظهور الكمبيوتر ومتواليات استحداث برامجه واستعمالاتها المبتكرة.

ويخلص في هذا المبحث إلى التأكيد في (ص18) أن ما بعد الرقمية هي اللاتناهي الشبكي أو كما ورد في هامش الصفحة أن اللاتناهي الشبكي= الرقمية (ما بعد الرقمية).

وفي صفحتي 19 و20 يشير بقوله: في الجانب الذهني المحض سنجد التقنية والتكنولوجية تعنيان في كثير من الأحيان المعنى نفسه بالنسبة لسؤال المخاطر والتأثيرات المجتمعية كما ستعنيان البنية التحتية لما بعد الرقمية التي تشملهما معًا وتستوعبهما.

ويتنافذ مع كل هذا مصطلح يكاد يشمل كل وسائل التقنية وتفرعاتها مشكّلًا امتدادات متطورة وجامعة لمعظم السياقات الرقمية وما قبلها في جانب العتاد ومن ثم حركته وفاعليته.. هذا المصطلح هو تكنولوجيا المعلومات، وتحتوي تكنولوجيا المعلومات على مجالات رئيسة ثلاثة يرتبها نبيل علي على النحو:

1. تكنولوجيا الإعلام تتفرع إلى أربعة فروع هي (التلفزيون التقليدي، والتلفزيون التفاعلي، والفيديو، والإذاعة).

2. تكنولوجيا الكمبيوتر تتفرع هي الأخرى إلى أربعة فروع هي (الكمبيوتر الشخصي، وتكنولوجيا الوسائط المتعددة، وتكنولوجيا الواقع الافتراضي، والألعاب الإلكترونية).

3. تكنولوجيا الإنترنت هي توظيف، واستثمار كل التكنولوجيات السابقة.

3. التقنية/ التكنولوجية وما بعد الرقمية سؤال الخوف والتفاؤل

في هذا المبحث الذي يبدأه من (ص22) يناقش صاحب هذه الأطروحة سؤال الخوف والتفاؤل مبينًا أن الحماس مع المجتمع الصناعي الآلي وما بعده هو ما دفع التقنيين وصناع الآلات إلى إنتاج المزيد منها والكشف الدوري عن ميكنة أكثر تطورًا، كما أدى ذلك إلى تبني بعض المفكرين فلسفات متطرفة للتقنية والتبشير بها والمحاججة عنها.

وعلى الطرف الآخر انتابت المجتمع البشري مخاوف، واستفهامات سعت إلى معالجتها بمختلف الطرق والتصرفات القائمة على الرفض المجتمعي لحلول الآلة محل الإنسان والتعبير عن ذلك بصيغ خطابية وتنديدية أو بمحاولات بربرية لتحطيم الآلات ومهاجمة القائمين عليها، وتمثل ذلك بظهور جماعة أعداء الآلات في بريطانيا على سبيل المثال.

ووصل هذا الرفض إلى أعلى الهرم الفلسفي ونشوء اتجاهات فلسفية عرف مؤسسوها بنقاد التقنية، لنجد على سبيل المثال فيلسوفًا كشبنجلر يدعو إلى تحطيم الآلة، ولتناول هذه الإشكالية لا بد من المرور بالحتمية التقنية التكنولوجية التي أدت أو كانت طريقًا إلى الحتمية الاجتماعية، والحتمية المعلوماتية، وأشاعت جدلًا مستمرًا في الفكر البشري المعاصر.

4. الحتمية التقنية

ويشير بنفس الصفحة 22 إلى أن جذور فكرة الحتمية التقنية تعود إلى ما قبل القرن العشرين حيث اهتم بها فلاسفة ومفكرون من أمثال الأمريكي لويس هنري مورجن، وكارل ماركس وفردريك إنجلز، إذ أكد لويس مورجن أن التقدم في النظام الاجتماعي حدث مبدئيًا بسبب التغيرات في إنتاج الغذاء بسبب التغير التكنولوجي، فاعتبر الماركسيون كتابه المجتمع القديم الكتاب الكلاسيكي أو النموذج.

صاغ عالم الاجتماع الأمريكي، النرويجي الأصل، ثورستاين فبلن مصطلح الحتمية التقنية مع بداية عشرينيات القرن الماضي، فالتكنولوجيات عنده هي التي تحدد العلاقات الاجتماعية والإنسانية والثقافية، إلى درجة أنه رأى أن الإنسان هو نتاج لما يصنعه.

ومن الحتميين التقنيين أيضًا عالم الاجتماع الأمريكي وليام أجبرن، والألماني ماكس فيبر، وقد ظهر بالتزامن مع الاتجاه الحتمي التقني اتجاه يقول بالحتمية الاجتماعية من مثل هربرت مركيوز الذي جعل التقنية المنتج المنطقي للهيمنة، وأندرو فينبرج ولزلي وايت، وهيدجر الذي كتب رسالته الشهيرة بـ"الأصل في التقنية"، على الرغم من أن سؤال هيدجر عن التقنية هو في الحقيقة سؤال عن الوجود.

ولم تشكل أدوات الاتصال موضوعًا مهمًا في بحوث الاتصال في البداية، وإن كانت هناك بعض الاستثناءات، فقد طرح علم اجتماع الإعلام الأمريكي موضوع التقنية أكثر من مرة في الخمسينيات من القرن الماضي، وقصة هذا الطرح، وبعد عقد من هذا التاريخ، منحت أبحاث المفكر الكندي مارشال مكلوهان، مكانة مركزية لآلات الاتصال، إذ أكدت أن وسائل الإعلام حددت بشكل كبير تاريخ مجتمعاتنا، فلقي طرح ماكلوهان معارضة بعد ذلك وحينه مقابل إعجاب بأطروحاته.

القسم الثاني: ما بعد الحداثة

في القسم الثاني من كتاب "سير الآداب الرقمية شبكيًا"، يركز الصلوي على ما بعد الحداثة على النحو التالي:

1. ما بعد الحداثة بعد ما بعد الحداثة

بين الصفحات (34-52) يبين أن موضوع ما بعد الحداثة يعد من أهم المداخل لقراءة التحولات والمسارات التي أفرزتها الحاسوبية الرقمية، ثم ما بعد الرقمية اتفقنا مع المصطلح والمرحلة ومتواليتها المتسارعة الخطو، أو اختلفنا، ولا يتجاوز هذا المصطلح في الأهمية والارتباك غير مصطلح بعد ما بعد الحداثة؛ سواء استخدمنا المصطلحين بمعناهما الزمني أو الكيفي؛ لارتباط المصطلح الأول بالتكنولوجيا الرقمية والفكر الاتصالي، ولقيام المصطلح الثاني على مجتمع المعلومات والفضاءات الافتراضية اللامتناهية.

2. ما بعد الحداثة

يبين الكاتب (ص34، 41) أن عددًا كبيرًا من الكتاب يؤرخون لفترة الحداثة بالفترة منذ سقوط سجن الباستيل في عام 1789م، وحتى سقوط حائط برلين في عام 1989م.

غير أن إنجازات الحداثة وإخفاقاتها -حد قواعد- بلغت ذروتها في القرن العشرين، وهناك رأي طريف يرى أن نهاية مرحلة الحداثة وبداية مرحلة ما بعد الحداثة جاءت في تمام الساعة الثالثة والنصف مساء يوم 15 يوليو 1972م، عندما تم تفجير مجمع سكني يدعى برويت إجوي بمدينة سانت لويس بولاية ميسوري الأمريكية.

تشير الحداثة وما بعدها وما بعد بعد الحداثة إلى فترات زمنية مثلما تشير إلى أيديولوجيات خاصة، إذ تقوم الحداثة على التمركز حول الإنسان والعقل البشري والمعيارية والمنطق، ويسودها خطاب الأسطورة، والترابط كما تسيطر عليها أنواع من الوثوقية والنظام، إنها حركة قائمة على أحادية الرؤية الحداثية الشمولية للكون.

تتسم ما بعد الحداثة بأنها خطابات إشكالية منذ البدء، لنجد على سبيل المثال جاك دريدا، وهو واحد من أهم من يحسبون على المرحلة ينفي انتماء فكره إليها، مشيرًا إلى أن المصطلح لم يرد ولو لمرة واحدة في كتاباته، على الرغم من انتماء رؤيته التفكيكية إلى اتجاهات ما يعرف بما بعد البنيوية التي يدرجها المهتمون ضمن اتجاهات ما بعد الحداثة الشاسعة.

وربما كانت أفضل طريقة لوصف ما بعد الحداثة -حد ذهاب الباحث- بصفتها حركة فلسفية هو اعتبارها شكلًا من أشكال الشك الفلسفي، الشكية في السلطة والحكمة المعترف بهما والمعايير الثقافية والسياسية وما إليه، فعلم ما بعد الحداثة حسب ليوتار هو بحث عن المفارقات وعدم الاستقرار والمجهول، بدلًا من أن يحاول تكوين رواية كبرى أيضًا يمكن تطبيقها على الجماعة العلمية بأسرها، وينبغي لنا رفض السرديات الكبرى للثقافة الغربية؛ لأنها فقدت الآن مصداقيتها.

3. ما بعد الحداثة والتكنولوجيا

يلاحظ القارئ (ص42) إشارة الكاتب أن الازدهار التكنولوجي في فاعليته يعود إلى مراحل وأزمنة ما بعد الحداثة، ففي هذه المرحلة تخلقت الأشكال الأولى المتواضعة للمجتمع الافتراضي وازدهر الراديو، وساد عصر الصورة، كما انتعش الفكر الاتصالي، ودخلت الحاسبات أطر التواصل الاجتماعي، وإن بشكل أقل مما صارت إليه بعد ذلك.

كما بدأت فيها فاعليات النص التشعبي، وأخذت اللاخطية التي تعني ضد الخطية والتقدم وضد الابتداء من نقطة محددة والسير في خط مستقيم، تنعكس في أعمال المنظرين الأدبيين والنقاد وعلماء الإنسانيات، كما ظهرت مفاهيم من مثل القرية الكونية لماكلوهان، وكون الوسيط هو الرسالة، كما بشر فيها هابرماس بالعقل التواصلي.

إن التكنولوجيا تبرز، وعلى نحو ساخر، باعتبارها أحد المكونات الحيوية التي تدفع وتشكل ثقافة ما بعد الحداثة نفسها، وأصبح توالد التكنولوجيات من بعضها سمة من سمات عصر وعصور ما بعد الحداثة، وربما كان لذلك أثره في تبنى النسوية عند بعض رائداتها فلسفة العلم والتكنولوجيا ليتوج ذلك بإطلاق دونا هاراواي ما دعته ببيان السايبورغ.

4. ما بعد الحداثة والأدب والفن والعلوم الإنسانية والفكر التكنولوجي

بين الصفحات (44-52) يوضح الباحث أن تطبيقات التكنولوجيا ظلت في المجال الفني والعملي تحديدًا حبيسة المعامل ومجموعات البحث العلمي في بدايات مرحلة ما بعد الحداثة ونهايات مرحلة الحداثة، وإن كان النص الرقمي قد بدأ التشكل في نهاية هذه المرحلة الأخيرة في إطارات جزئية يؤكدها العمل على بعض تفصيلات النص الإلكتروني الرقمي كالتشعبية واللاخطية.

على المستوى الاجتماعي شرعت مجتمعات جديدة قائمة على الفضاء السيبراني الافتراضي بالتكون، ولذلك جملة من الأسباب منها أن الحواسيب لم تكن أصبحت في متناول الشخص العادي الذي يفترض أن يكون هو المتلقي الإلكتروني للأدب والفكر الجديد.

تغير السياق تمامًا بعد إطلاق الجيل الخامس من الحواسيب وبدأ مصطلح هندسة المعرفة يأخذ طريقًا جادًا داخل المختبرات الحاسوبية، كما بدأت بواكير الأدب الرقمي من خلال قصة الظهيرة لجويس، والتي تنتمي في كثير من خصائصها إلى الأدب التكنولوجي الرقمي الطابع، إذ إن الأدب الرقمي الفاعل، وكذلك الفن الرقمي واللاتناهي الشبكي بعمومه بدأ مع ظهور الإنترنت مطلع التسعينيات.

ومن ذلك ظهور ما سمي السرد التكنولوجي أو الرواية التكنولوجية في تنظيرات نقاد منهم دوجلاس كلنر الذي يرى أن الرواية التكنولوجية سرد أو رواية الخطاب الجديد، إلا أنها تلتزم بالشرط السردي التقليدي كالحبكة والشخصية والقص، وتمزج العلمي بالخيالي، والفلسفي بالأدبي والبوليسي، مثلما تجمع بين البشري والآلي.

القسم الثالث: عصر ما بعد الافتراضي (الما بعديات)

في هذا المبحث من الجزء الثاني من كتاب "شبق المتاهات" الذي يقع بين صفحات (54-84)، يتناول الكاتب ثلاثة قضايا كبيرة متداخلة، ومتلازمة وتكاملية على النحو التالي:

1. بعد ما بعد الحداثة -ما بعد الرقمية -ما بعد المعلوماتية.

ارتأيت في هذا المبحث أن الباحث حال أطلق على هذه الثلاثية مصطلح (الما بعديات The Post-isms) أو مصطلح (عصر ما بعد الافتراضي - The Post-Virtual Age)، لكان أشمل، وبعدها يوزع هذه الثلاثية تحت العنوان الذي اقترضته.

على أية حال يفصل الباحث في هذه القضية تفصيلًا مقنعًا.

فقد بين كيف أن مرحلة بعد ما بعد الحداثة عانت وما تزال تعاني اتساعًا مفاهيميًا وعمليًا بحكم التباسها بمرحلة ما بعد الحداثة المربكة من جهة، وارتباطها بالإنترنت وفضائها الشاسع والمتحول من جهة ثانية، وبسقوط أساسيات المجتمع التقليدي من جهة ثالثة.

وتطرق إلى توضيح اختلافات الدارسون حول بداية مراحل وأزمنة بعد ما بعد الحداثة.

وأشار الدكتور هاني إلى أن أغلب الآراء تؤرخ لأزمنة بعد ما بعد الحداثة بمطلع تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا بعد سقوط جدار برلين وظهور شبكة الويب العالمية.

أصبح مصطلح ما بعد الحداثة موغلًا في القدم على رأي جيل ليبتوفسكي، فقد انتهت هذه الحقبة ومصطلحاتها في ثمانينيات القرن المنصرم، مع تخلق الصور الأولية للمجتمع الافتراضي وبرامج الإنتاج الفني والكتابة الإبداعية، ومن جهة ثانية مع إدراك عدد من منظري ما بعد الحداثة نهايتها إما بالتنظير لذلك كما فعل إيهاب حسن في مقاله المعروف بـ"تجاوز ما بعد الحداثة" أو غيره.

عنت وفاة ما بعد الحداثة وتعني ميلاد بعد ما بعد الحداثة بلاشك، وياله من مصطلح براق، ففي نفس اللحظة ظهر لهذا المصطلح أنصار ومنادون به، شأنه شأن وفاة ما بعد الحداثة باعتباره مفهومًا مصطلحيًا، وكما اتسعت اتجاهات ما بعد الحداثة، جاءت بعد ما بعد الحداثة عاصفة وغير قابلة للتصنيف والحديث عن سمات محددة لها.

ثمة منظرون كثر تعلقوا بأستار نهاية ما بعد الحداثة، وأعلنوا بداية بعد ما بعد الحداثة في الأدب والإعلام واللغويات والمسرح والسينما وفي دراسات الاقتصاد والسياسة، ورغم قيام الرقمية المعلوماتية على مساحات الأجد اللامتناهي الذي لا نستطيع معه الحديث بصورة زمنية فبعد الما بعد ليس إلا اللاتناهي المفتوح رقميًا، إذ لم تعد هناك حداثة وما بعدها، بل هناك حداثات لا نهائية وغير محددة.

2. الإنترنت (عصر السيولة المعلوماتية).

في الصفحة 76 وما يليها بين الباحث أن شبكة الإنترنت، أو شبكة الشبكات تعتبر الفضاء الأوسع الذي تبلورت من خلاله تحولات ما بعد الرقمية، إذ أسهم ظهورها التجاري والعمومي في مطلع تسعينيات القرن العشرين في إحداث نقلة نوعية نقلت البشرية من عصر الوسائط التقليدية إلى عصر السيولة المعلوماتية والاتصال الفوري واللامركزي الذي هدم الحدود الجغرافية والثقافية السابقة، وجعل العالم يبدو كبنية شبكية متداخلة لا يمكن حصر أبعادها أو التنبؤ بمساراتها المستقبلية.

3. المجتمع الافتراضي

ينهي الباحث من صفحة 82 وما يليها قضية المابعديات مبينًا كيف أن أفكار المجتمع الافتراضي بأبعادها الثمانينية أدت إلى ميلاد الفكر الرقمي ومن ثم إلى بعد ما بعد الحداثة في صيغها الحداثية اللامتناهية الشبكية، وبصورة أوضح ساهمت في ميلاد الأجد ضمن مساهمات لا محدودة، وعودة على بدء، أسهمت فاعلية العصر الفائق في إنتاج الحياة والطرق الرقمية ما بعد الفائقة أو ما بعد الرقمية.

الأمر الذي أحدث لبسًا على كل المستويات في مفاهيم ما بعد الألفية وما بعد الرقمية، وهو لبس شبيه بما حدث عند من نقلوا مفاهيم ما بعد الحداثة من العرب في مسالك اهتماماتهم بمجتمعات المعرفة التي تنتمي في أشكالها المتطورة أساسًا إلى فعاليات المجتمع المعتمد الرقمي، بمعنى أن اللبس والوقوع في الخلط اعتور كل الثقافات.

القسم الرابع: ما بعد التحولات الرقمية

وزع الباحث هاني الصلوي هذا المبحث إلى أربعة محاور هي:

1. سياق ظهور النص التشعبي

في صفحة 86، وما يليها، يشير إلى أن ظهور النص التشعبي ارتبط سياقه بالتحولات التقنية الكبرى التي شهدتها نهايات القرن العشرين، إذ لم يعد النص مجرد كلمات مطبوعة على ورق تفرض على القارئ مسارًا خطيًا ثابتًا من البداية إلى النهاية، بل تحول بفضل الوسيط الحاسوبي إلى شبكة من الروابط والدوال المستقلة التي تسمح بالانتقال الحر والتشظي المعرفي بما يواكب عقلية العصر الرقمي الجديد.

2. أعصر، وأعاصير ما بعد المعلوماتية، ولاتناهياتها تفاوضات بين مادي/ ذهنية

يشير الدكتور هاني في هذا المحور في صفحات (88-93)، إلى أن مرحلة أعصر وأعاصير ما بعد المعلوماتية شهدت تداخلات كبرى وتفاوضات مستمرة بين ما هو مادي محسوس وما هو ذهني رمزي، إذ يعدل النمو الثقافي الرقمي من هيئة الاستهلاك البشري ويطوره، فحصيلة البحوث الأحدث في المخ تبين أنه يتغير بصورة معتبرة خاصة بعد الولادة وبتأثير محيط صاحبه الثقافي والتقني، مما يشي بتضافر الحسي والذهني وتداخلهما معًا في الفضاء الشبكي المعاصر.

3. تحولات الذات والمجتمع

يبين الكاتب ابتداءً من (ص94) إلى (ص109) أن تغييرات جذرية في كافة مجالات الحياة أنتجتها الثورة التكنولوجية الرقمية، وكيف أنها كانت أكثر وضوحًا في عقد الستينيات، وما بعدها..؟

ووفقًا لذلك بين الباحث كيف أنه كان من الطبيعي لثورة التكنولوجيا إحداث تأثير كبير على ذات الإنسان، وقصد هنا بناء شخصيته، بالإضافة إلى المجتمع، وطابع النشاط البشري، إذ تكشفت هذه العملية بشكل مختلف في مختلف الدول وفي ظل نظم اجتماعية متباينة، ليصبح باستطاعتها إجبارنا على إعادة النظر والتقييم لكل فكر وعمل ومؤسسة.

4. الرقمية والتحول الثقافي

ينهي الباحث المحور الأخير في القسم/ الباب ما بعد التحولات الرقمية من كتاب "شبق المتاهات" الجزء الثاني الخاص بـ"سير الآداب الرقمية شبكيًا"، إذ يناقش (بين 110 و120) التحول الثقافي في عصر الرقمية، معتبرًا أن التكنولوجيا الرقمية هي المحرك الأساسي للتحول الثقافي في العصر الحالي، إذ تاهت الحقائق الاجتماعية القديمة في غابة الأرقام ودوامة المنحنيات وقوائم استمارات الاستبيان، وصارت التكنولوجيا بمثابة دين ما بعد الحداثة الجديد، الذي له معارضوه الشرسون ومؤيدوه المحايدون منهم والغلاة، إذ يقدم الفكر الرقمي حقيقة فائقة تكسر الحدود القديمة بين الفلسفة والأدب والنظرية الاجتماعية.

القسم الخامس: الرقمية -ما بعد الرقمية وتحولات الكتابة والقراءة

في هذا الباب أو القسم من الكتاب وزع الباحث موضوعاته إلى 12 موضوعًا جاءت على النحو التالي:

1. عرض موجز

تناول تحت هذا العنوان ابتداءً من صفحة 122، وما يليها، بإيجاز التحولات البنيوية التي طرأت على فعل الكشف الإبداعي والممارسة القرائية نتيجة الانتقال من الفضاء الورقي المغلق والمستقر إلى الفضاء الرقمي الشبكي المفتوح، إذ أعادت الوسائط التكنولوجية تشكيل وعي الكاتب والمتلقي على حد سواء، ولم تعد الكتابة مجرد تدوين بل صيرورة تفاعلية تتداخل فيها الحواس وتتعدد فيها مسارات التلقي.

2. النص التشعبي

في صفحة 128 أوضح الباحث أن النص التشعبي مثل القفزة الجوهرية في كتابة العصر الرقمي، إذ إنه يقوم على هدم الجدران الفاصلة بين النصوص عبر الروابط الإلكترونية، وبذلك يتحول النص من بنية مركزية يملكها المؤلف وحده إلى فضاء مفتوح يتجول فيه القارئ ويختار مساره الخاص بكل حرية وانعتاق من أسر التلقي التقليدي.

3. النص التشعبي

بين الباحث أن الدراسات الحاسوبية والنقدية تؤكد أن النص التشعبي ليس مجرد أداة تقنية، بل هو فلسفة كتابية جديدة تعبر عن تشظي الوعي الإنساني المعاصر وتجاوزه للمقولات الجاهزة والسرديات الشمولية، مما يمنح الكتابة طاقة توليدية لا نهائية تجعل من كل قراءة نصًا جديدًا مستقلًا بذاته (انظر 129).

4. سمات النص التشعبي

أورد الباحث أن النص التشعبي يتميز بمجموعة من السمات البنيوية والجمالية التي تفصله تمامًا عن النص الورقي، ومن أبرز هذه السمات تداخل النصوص، والاعتماد على السياقات الديناميكية المتغيرة، والقدرة على التكيف مع خيارات المستخدم، بالإضافة إلى مرونته الفائقة في استيعاب شتى أنواع الوسائط من صوت وصورة وحركة داخل الجسد النصي الواحد (انظر 130 وما يليها).

5. اللاخطية

تعد اللاخطية في نظر الكاتب من أهم خصائص النص الرقمي، وهي تعني الوقوف ضد الخطية والتقدم المستقيم والابتداء من نقطة محددة والسير في خط مستقيم واحد كما كان متبعًا في الكتاب الورقي التقليدي، إذ انشغل المنظرون الأدبيون والنقاد وعلماء الإنسانيات برصد هذه السمة التي تتيح مسارات قرائية متعددة ومتقاطعة لا أول لها ولا آخر.

6. التفاعلية

برهن الباحث (ص136 و139) كيف أن التفاعلية تنقل القارئ من موقعه السلبي القديم كمجرد مستهلك للنصوص إلى موقع الشريك الفاعل والمنتج في عملية الكتابة، حيث يتيح الوسيط الرقمي للمتلقي التدخل في توجيه الأحداث أو اختيار النهايات أو حتى إضافة نصوص جديدة، مما يذيب الحدود التقليدية الشارخة بين المؤلف والقارئ.

7. الذهنية

ترتبط السمة الذهنية للنص التشعبي بطريقة محاكاته لآلية عمل العقل البشري فالذهن البشري لا يفكر بطريقة خطية مستقيمة بل عبر تداعيات حرة وشبكات من الأفكار المترابطة، وهو ما يحاول النص التشعبي تجسيده تقنيًا من خلال الروابط الفائقة التي تنقل المستخدم من فكرة إلى أخرى بشكل فوري يشبه ومضات الفكر (انظر ص140).

8. تعدد الوسائط

لا يكتفي النص الرقمي بالكلمة المكتوبة، بل يتسع ليشمل تكنولوجيا الوسائط المتعددة التي تدمج النص المكتوب بالصورة الثابتة والمتحركة والمؤثرات الصوتية والموسيقى، مما يجعل عملية القراءة تجربة حسية متكاملة تخاطب مختلف حواس المتلقي وتخرجه من الرؤية الأحادية إلى التعددية البصرية والسمعية.

9. اللعبية والحوارية

تتجلى اللعبية والحوارية في النص التشعبي من خلال فتح المجال أمام المغامرة القرائية القائمة على المصادفة والاحتمالات المتعددة، حيث يتنقل القارئ في المتاهة النصية كمن يمارس لعبة ذهنية مشوقة، كما تتأسس حوارية لامتناهية بين النص الأصلي والنصوص الغائبة التي تستدعيها الروابط الإلكترونية في كل لحظة.

10. خصائص نوعية

تتمثل الخصائص النوعية للنص الشبكي الفاعل في اللاتعين والتشظي والانفتاح اللامحدود، حيث يفقد النص مركزيته وثباته ويتحول إلى كيان هلامي سيال يتغير باستمرار مع كل نقرة أو اختيار يقوم به المتصفح.

11. النص التشعبي وتعدد المصطلح عربيًا

نقش الباحث هذه القضية مبينًا كيف عانت البيئة النقدية العربية من ارتباك واضح في تعريب المصطلحات الرقمية، وتعددت المسميات والترجمات المقترحة للنص التشعبي، فظهرت مصطلحات مثل النص الفائق، والنص المتفرع، والنص التفاعلي، وهو ما يعكس صعوبة استيعاب المفاهيم التقنية الغربية داخل البنية اللغوية والنقدية العربية التقليدية في بداياتها.

12. النص الشبكي

يخلص الباحث في هذا القسم إلى التأكيد بأن النص الشبكي يعد المحصلة النهائية لتحولات ما بعد الرقمية، حيث لا يعيش النص داخل حاسوب منفرد بل يسبح في فضاء شبكة الإنترنت العالمية، متصلًا بمليارات النصوص الأخرى، مما يجعله جزءًا من جسد معرفي كوني لامتناهٍ يتجاوز سلطة الفرد والمؤسسة الرقابية التقليدية.

القسم السادس: بين الإلكتروني والرقمي

يتناول الباحث في صفحات (155، 162) توضيح التمييز بين الإلكتروني والرقمي فأشار إلى أن الفحص المنهجي يستلزم التمييز الدقيق بين ما هو إلكتروني وما هو رقمي محض، فالإلكتروني يرتبط بالوسيط المادي والأجهزة في صيغتها الأولى كالتلفزيون والراديو والحواسيب قبل الثورة المعلوماتية، بينما يشير الرقمي وما بعد الرقمي إلى الفضاء الافتراضي الفائق اللامتناهي والشبكات اللامركزية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي أعادت صياغة الوجود الإنساني وفصلت الحقائق عن مرجعياتها المادية القديمة.

القسم السابع: أدبية اللاتناهي الشبكي سيرة الأدب الرقمي

بين صفحات الكتاب (163، 200) وزع الباحث مصفوفة من القضايا التي خصصها لهذا القسم وهي:

1. مداخل متنوعة

تتطلب قراءة سيرة الأدب الرقمي الانفتاح على مداخل نقدية وفلسفية متنوعة تكسر الطوق القديم للنقد الأدبي الكلاسيكي، فالأدب الرقمي لا يمكن مقارنته بأدوات النقد البنيوي أو التفكيكي التقليدي دون الأخذ بعين الاعتبار الطبيعة التقنية والمعلوماتية للوسيط الجديد الذي ولد النص في أحضانه.

2. أدبية اللاتناهي الشبكي سيرة الأدب الرقمي مداخل متنوعة

تتحرك سيرة الأدب الرقمي شبكيًا داخل فضاءات لامتناهية من التوالد والتناص الخصب، حيث تتلاقى الفنون والآداب لتمارس فعالياتها وتبدلاتها المستمرة التي لم تنفك حتى اللحظة عن هدم وتدمير الصيغ المستقرة وإعادة خلق قناطر فائقة الخطورة تمتد بين أزمنة ما بعد الحداثة العتيقة وما بعد الرقمية.

3. ما الأدب الرقمي

الأدب الرقمي هو ذلك الأدب الذي ينشأ أساسًا بفضل الحاسوب وتطبيقاته، ولا يمكن تلقيه أو قراءته إلا من خلال الوسيط الرقمي والشاشة الإلكترونية، فهو ليس أدبًا ورقيًا جرى مسحه ضوئيًا أو تحويله إلى صيغة إلكترونية، بل هو نص يتخذ من البرمجة والروابط المتشعبة والوسائط المتعددة جزءًا لا يتجزأ من بنيته الجمالية والدلالية.

4. مراحل تطور الأدب الرقمي

بدأ الأدب الرقمي في بواكيره الأولى في نهايات عصر الحداثة وبدايات ما بعد الحداثة داخل المختبرات والمعامل العلمية المغلقة، ثم انتقل إلى مرحلة جادة بعد ظهور الجيل الخامس من الحواسيب في ثمانينيات القرن العشرين، ليتفجر بشكل فاعل وشعبي مع مطلع تسعينيات القرن الماضي إثر ظهور شبكة الإنترنت وبروز النصوص التشعبية الكبرى.

5. أنواع الأدب الرقمي

تتعدد أنواع الأدب الرقمي وتتشعب بتطور البرمجيات الحاسوبية، وتضم هذه الأنواع القصيدة الرقمية التفاعلية، والقصة التشعبية، والرواية الرقمية القائمة على تعدد المسارات، بالإضافة إلى النصوص البرمجية التوليدية التي تشترك الآلة مع الإنسان في صياغتها وإنتاجها الجمالي.

6. الرواية الرقمية

تمثل الرواية الرقمية تحولًا جذريًا في بنية السرد البشري، إذ يتخلى السارد عن سلطته المطلقة في توجيه الحكاية، ويصبح النص عبارة عن شبكة معقدة من الحجرات السردية والممرات المتاهية التي يلجها القارئ ويختار عبر النقر على الروابط ترتيب الأحداث وصناعة الحبكة والتأثير في مصائر الشخصيات.

7. المسرح الرقمي 191

يدخل المسرح الرقمي في تفاوض مستمر على القواعد والوظائف التي يتم ترسيخها من خلال المعاهدة الاتصالية، وهو يمثل مستوى في منتصف الطريق بيننا نحن كبشر وبين الآلة والكمبيوتر، إذ يمتزج الأداء الحي للممثلين بالمشاهد الافتراضية الرقمية والجمهور المتفاعل عبر الشبكة ليخلق فضاءً دراميًا مغايرًا.

8. هل الأدب الرقمي تواصل للأدب أم انقطاع عنه؟!

يثير هذا السؤال جدلًا نقديًا واسعًا بين الفلاسفة والباحثين، فمنهم من يراه قطعًا معرفيًا تامًا مع الأدب الورقي القديم نظرًا لاختلاف الماهية والوسيط والسمات البنيوية كاللاخطية والتفاعلية، ومنهم من يراه امتدادًا وتواصلًا طبيعيًا للمغامرة الروحية الإنسانية ولكن بأدوات العصر الرقمي الفائق ولاتناهياته الشبكية.

القسم الثامن: الأدب الرقمي العربي

الريادة أم الإلكترونية؟ سؤال الانقطاع والاتصال في عمومهما مجددًا

في هذا القسم ابتداءً من صفحة 203 وما يليها أشار الدكتور هاني الصلوي أن الأدب الرقمي العربي يواجه معضلة حقيقية تتمحور حول سؤال الانقطاع والاتصال، وهل ما يكتب عربيًا يمثل ريادة حقيقية ودخولًا في صلب الفكر الرقمي واللاتناهي الشبكي، أم أنه مجرد إلكترونية متواضعة تقف عند حدود نقل النص الورقي إلى الشاشة دون استيعاب حقيقي لجماليات الفضاء التفاعلي والوسائط المتعددة والتشعبية البنيوية.

القسم التاسع: زوم ما بعد.. ما وراء

ZOOM"s: ما بعد الكائنات ما وراء الماورائيات والأوهام

تقريبًا هذا القسم هو أصغر مبحث في كتاب شبق المتاهات الجزء الثاني ففي ثلاث صفحات (215-217) بين الباحث أن هذا المحور ينفتح على تساؤلات ما بعد الإنسانية والإنسانية العبورية، حيث تبشر الثورة الرقمية الفائقة بظهور كائنات سيبرنيطيقية وعقول سيليكونية تتجاوز القدرات البيولوجية البشرية، مما يضع الفكر الفلسفي المعاصر أمام مواجهة حتمية مع أوهام الماورائيات القديمة وإعادة صياغة مفهوم الوجود والوعي البشري.

وبين أن (ZOOM"s: ما بعد الكائنات ما وراء الماورائيات والأوهام) تتجاذبها الرؤى الشديدة التوالد في فضاءات وعواصف التغيير الرقمي، حيث يتداخل الخيال العلمي بالفلسفة ليفكك مركزية الكائن البشري، ويضعه داخل شبكة معقدة من العلاقات والتحالفات غير المستقرة بين العناصر البشرية وغير البشرية والآلات الذكية الفائقة.

القسم العاشر: الأفكار الانشطارية اللدنة -المخبوزة

في هذا القسم (217-243) المعنون بـ"الأفكار الانشطارية اللدنة -المخبوزة" ناقش الباحث قضية" تسارعية النضج والتلاشي، إذ أشار إلى أن الأفكار والنظريات في عصر ما بعد المعلوماتية تتسم بتسارعية رهيبة في النضج والتلاشي، حيث تلد التكنولوجيات بعضها بعضًا بسرعة فائقة تجعل من المفاهيم والمصطلحات تولد وتنضج ثم تشيخ وتتلاشى في فترات زمنية قصيرة جدًا، مما يفرض على الفكر النقدي مرونة انشطارية مستمرة لمواكبة هذه السيولة المعرفية والتقنية اللامحدودة.

القسم الحادي عشر: الملاحق

يعد هذا القسم من بين أطول فصول هذا الكتاب، وعلى الرغم من أنه موسوم بمفردة ملاحق، إلا أن الباحث لا يقصد بالاسم ما يدل عليه كما هو شائع من أنه حقًا ملاحق البحث.

الملاحق هنا تعتبر مبحثًا خاصًا مستقلًا في الكتاب يقع بين الصفحات (245-303) وزعها الباحث على أربعة محاور هي على النحو التالي:

1. مقدمة الأطروحة الأصلية

توضح هذه المقدمة الخلفية الأكاديمية والمنهجية لهذا العمل، حيث كان هذا الكتاب في أصله الأكاديمي يمثل الباب الأول من أطروحة دكتوراه عنوانها الرقمية والنظرية النقدية.. دراسة في التحولات المفاهيمية، وجرى تطويرها ومواءمتها لتتسق مع حركة وموجات شبق المتاهات واللاتناهي الشبكي.

2. نشأة اللغة: فلاش باك مشوش

تستدعي هذه القراءة نشأة اللغة الإنسانية الأولى كأداة بدئية للتعبير والتفكير والتواصل، وتستعرض كيف تدرج الإنسان من استخدام حركات الجسد والأصوات المباشرة والرموز المنقوشة على العظام والحصى، وصولًا إلى فضاء اللغة البرمجية الرقمية الفائقة، في استرجاع تاريخي متداخل ومشوش يعكس وحدة المغامرة البشرية.

3. خاتمة ثانية

تفتح هذه الخاتمة أفقًا جديدًا للتفكير والمساءلة المستمرة، وتؤكد أن اللاتناهي الشبكي يرفض الإغلاق أو النهايات الحاسمة، فكل نقطة وصول هي في حقيقتها نقطة انطلاق جديدة داخل فضاءات التدفق المعلوماتي الرقمي المفتوح على كل الاحتمالات.

4. خاتمة أولى

تستعرض الخاتمة الأولى الخلاصة التركيبية للتحولات المفاهيمية التي رصدها الكتاب من منطلقات التقنية الآلية القديمة وميكنتها، مرورًا بمتاهات وإشكالات ما بعد الحداثة، وصولًا إلى بواتق عصر المعلومات بعد الرقمي وما يفرضه من حتميات جديدة وتحديات برجماتية وفلسفية تمس جوهر الكتابة والقراءة والوجود الإنساني برمته.

***

أختتم هذه الحلقة والأمل يحدوني في أن أكون قد تمكنت من خدمة القارئ بتلخيصي للجزء الثاني "سير الآداب الرقمية شبكيًا" من كتاب شبق المتاهات من تشكيل العظام والحصى إلى اللامتناهي الشبكي.