الثلاثاء 20 أكتوبر 2026

عدتما والعود أحمد

بما ستأتي الرياح، والربان صامت، قرر الذهاب بعيدًا، مغادرًا واحة العواصف إلى فترة نقاهة، تهب خلالها رياح تحمي السفينة من الغرق.

لكن البحر بحر السياسة، وكعادته هادئ، يتحرك ضمن محيط هائج تصنعه قوى ومصالح لا تلتقي إلا إذا كانت المصلحة تحقق المراد على المدى البعيد.
فالإقليم إقليم الخليج مضطرب، وعلاقاته البينية، وإن سادتها القبلات مظهرًا، فالنيران حامية، والصدور تحوي تحت أجنحتها ملفات معقدة ترتبط، أولًا، بالدور والمكانة والقيادة، وثانيًا، بعلاقات أطرافه مع الغير خارج دائرة الخليج، التي تشوبها الكثير من الثقوب التي تؤجج الخلافات بين دول مجلس التعاون، خاصة طرفيها الأساسيين: بن سلمان وبن زايد، حول المكانة والصدارة، وتطلعات عنوانها: لمن سيكون القول الفصل والدور القائد؟
لكل طرف تطلعاته ومنظوره المقيد بارتباطات وتحالفات، ولكل منهما مصالحه، وبينهما تبلغ درجات التناقض حد المواجهة، كما حدث في الملف اليمني.
الاتجاه صوب المواءمة بين المتناقضات، وإعادة رتق ما انقطع، حفظًا لآمال تحول دونها مصاعب وارتباطات قد تعوق تحقق التطلعات، والخروج إلى بهو المصالحة تحقيقًا لمصالح مشتركة لا متناقضة أو متنافسة، بعيدًا عن التنافس المشروع، أمر جيد ومطلوب، وتتطلبه مصالح الكل الخليجي.
لكن الكل الخليجي تتباين نظرته إلى المشاكل المحيطة بدوله. فإسرائيل، مثلًا، حليف موثوق لدى بن زايد، الذي تُرفع له الرايات الصهيونية، لكن بن سلمان له منظور آخر، أساسه الإقرار بحق الدولة الفلسطينية في الوجود على أرضها، إلا أنه يواجه تعنتًا أمريكيًا إسرائيليًا، عنوانه: التطبيع أولًا، وبعدها يحلها الحلال.
العلاقات البينية العربية شائكة ومعقدة. والإمارات ضالعة في ملف تفتيت الدول العربية، بدءًا من السودان وليبيا وصولًا إلى اليمن. وللإمارات علاقة استراتيجية مع إسرائيل، وبينها وبين إيران حبل سري، وملف غامض يبدأ تفكيكه من دبي.
والسؤال: ما الذي أدى إلى تدوير الزوايا ثلاثمائة وستين درجة، لتلتقي قيادات الصف الأول للبلدين؟
هو أمر مرحب به، لكن السؤال عما خفي يبقى معلقًا، ويتطلب خطوات ذات تأثير على المدى البعيد، تحمي ليس فقط مصالح البلدين، بل الخليج واليمن وقضايا العرب جميعًا.
ولنا نحن اليمنيين سؤال احترازي، فما شهدناه خلال عقد ونيف ترك على جسد قضية بلادنا، اليمن، ندوبًا وجراحًا غائرة. ولعل أبرز مظاهرها القاتلة مرحلة المواجهة التي اتسمت بالعسكرة، لتتبعها فترة انقطاع ومواجهة دبلوماسية وإعلامية.
والآن، كما يبدو، قد عادت المياه إلى مجاريها، ونأمل أن تكون:
أولًا: مياهًا نظيفة.
ثانيًا: أن تتوافر شروط استمرار سريانها.
ثالثًا: ألّا نلحظ، بعد فترة، توجهات لخلط الأوراق في ملفات كانت سببًا للخلاف الذي أدى إلى مواجهات حادة، كما تمثل ذلك في ضرب باخرة السلاح غير الشرعي في ميناء المكلا.
أما ملفنا اليمني، فكيف سيتم التعامل معه مع عودة المياه إلى مجاريها بين المحمدين؟
إن المنظور الوطني اليمني ترسمه معادلات هزيمة المشروع المقابل، المناهض للدولة، والدور المأمول بعد عودة العلاقات هو عدم العودة إلى تدوير ملفات خارج المصلحة العليا اليمنية، مع التأكيد على حل قضايا الصراع والخلافات البينية اليمنية اليمنية عبر الحوار ومخرجاته، مع ما يمكن إضافته أو تعديله نحو الأفضل، خاصة فيما يتعلق بحل القضية الوطنية الجنوبية، بعيدًا عن الابتزاز من قبل أي طرف.
وأخيرًا، تبقى القضية الوطنية والدولة الفلسطينية المستقلة، بعيدًا عن أي اتفاقيات إبراهيمية تريد التغلغل داخل ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد.

ذلك ما نريده ونأمله لهذا التقارب المهم بين المملكة الشقيقة ودولة الإمارات، التي كانت عربية إبان عهد شيخها الجليل، الشيخ زايد آل نهيان، طيب الله ثراه.