الثلاثاء 20 أكتوبر 2026

كيسنجر على الطلب!

في الملف اليمني، لم تعد بعض القنوات تبحث عن الحقيقة، بل عن الضيف القادر على تسويق الرواية المطلوبة. يكفي أن يجلس أمام الكاميرا بثقة زائدة وصوت مرتفع، حتى يتحول فجأة إلى مزيج عجيب من كيسنجر وتشرشل وديغول، رغم أن إنجازه السياسي الوحيد هو العثور على طريق الاستوديو في الموعد المحدد.

لقد أصبحت بعض الشاشات سخية إلى درجة أنها تمنح لقب "خبير استراتيجي"، وغيره من الألقاب، بسهولة؛ إذ يكفي أن يحسن الضيف اختيار ربطة عنقه للظهور على الشاشة، فيتحول بين ليلة وضحاها إلى مرجع سياسي وعسكري متعدد الاستخدامات. يتنبأ بالحسم كل أسبوع، وحين لا يحدث شيء، يعود في الأسبوع التالي لا للاعتراف بالخطأ، بل لاختراع كذبة جديدة تبرر الكذبة السابقة، وبثقة أكبر، وكأن الخطأ المتكرر مؤهل إضافي للظهور التلفزيوني.
وفي هذا الكرنفال الإعلامي، يتم تهميش وإقصاء الأصوات الوطنية الواعية، ذات الإرث السياسي الحقيقي. فهذه الوجوه تزعجهم لأنها تتحدث عن الوقائع والمعطيات والاحتمالات والقيود. أما سماسرة السياسة، فيريحون هذه القنوات لأنهم يقدمون ما تريد سماعه: انتصارات جاهزة، وانهيارات وشيكة للخصوم، وتحولات تاريخية تحدث مساءً وتنتهي صلاحيتها مع أول نشرة أخبار في صباح اليوم التالي.
والمضحك المبكي أن بعض المنابر لا تكتفي بتسويق الوهم، بل تستضيف كذلك من يعيش على العصبيات المناطقية والأحقاد الضيقة، فيتحول التحليل إلى نشرة لتوزيع شهادات العبقرية والدهاء السياسي. ناهيك عن المنشقين، أبطال القفز الحر السياسي، الذين ينتقلون بين الجبهات بخفة تعجز عنها قوانين الجاذبية نفسها، ويهبطون دائمًا في الموقع الذي يدفع أكثر.
ولمن يظن أن هذه الظاهرة جديدة، يكفي أن يتذكر إذاعة "صوت العرب" في حرب النكسة عام 1967 بزعامة الفتوة جمال عبدالناصر، كانت الانتصارات تتدفق من المذياع إلى الشعوب العربية أسرع من تدفق الحقائق من الجبهة. كان الإعلام ينتصر كل ساعة، بينما كانت الوقائع تخسر كل ثانية. الفارق أن هذه المرة تتم باسم "صوت الشرعية".
لقد تغيرت الديكورات، وحلّت الاستوديوهات الفاخرة محل الميكروفونات القديمة، وحلّت الشاشات العملاقة محل أجهزة الراديو، لكن العقلية نفسها، والبضاعة نفسها، لم تتغيرا: انتصارات موسمية، وانهيارات خيالية للخصوم، ومواعيد متكررة للحسم النهائي الذي لا يأتي أبدًا. وكلما فشل التوقع، وُلد مبرر جديد، وتحليل جديد، ثم وعد جديد، ثم خيبة جديدة.
لقد آن الأوان أن تتوقف هذه المهزلة. آن الأوان أن تتوقف شاشات سواد قريش عن تصنيع العباقرة من العدم، وأن تتعامل مع المشاهد بمهنية ومصداقية، حتى وإن كان الواقع مؤلمًا. وأن تستوعب أن كفاءة المحلل لا تُقاس بعدد توقعاته الصحيحة، بل بعدد المرات التي ينجو فيها من توقعاته الخاطئة.
كفى تضليلًا، واحترموا عقول الناس في حضرة الموت.