الشرعية هي الدولة… وفشل قياداتها ليس قدرًا على اليمنيين
أكتب بصفتي أكاديميًا ومواطنًا يمنيًا، مؤمنًا بالدولة والجمهورية، وبحق الإنسان في الحرية والعدالة والكرامة. أكتب بغضب من يرى وطنه يُستنزف، وبيوت أهله تُهدم، وأطفاله يُدفعون إلى الموت أو تُصادر عقولهم، بينما تتسع المسافة بين تضحيات الناس وأداء من يتولون قيادتهم.
وأبدأ بالتحية لأبطال المقاومة في جبهات تعز؛ للأفراد والجماعات الذين يصمدون بأقل الإمكانات، ويحمون أهلهم وقراهم بأرواحهم ودمائهم. تحية لكل من يؤدي واجبه في مختلف الجبهات، ولكل أسرة تحملت الفقد والنزوح والخوف. هؤلاء يستحقون قيادة ترتقي إلى حجم تضحياتهم، ومؤسسات تسندهم، ومسؤولين يشعرون بأن كل حياة تُفقد مسؤولية تستوجب المحاسبة.
إن المشهد الذي نتابعه في مواجهة مليشيات الحوثي المدعومة من إيران يبعث على الألم والغضب. بطولات في الميدان، يقابلها ارتباك في القرار، وتعدد في مراكز القيادة، وتفاوت في الجاهزية، وغياب لخطة وطنية واضحة يلمس المواطن نتائجها. وحين تبرز فاعلية بعض التشكيلات في مقابل تعثر جبهات أخرى، يصبح السؤال عن إدارة المعركة ضرورة وطنية لا يجوز إسكاتها.
هذه المواجهة فرضتها جماعة مسلحة بانقلابها وعدوانها على الدولة والمجتمع، وبمشروعها الذي يقوّض المواطنة المتساوية ويُخضع مؤسسات الدولة لسلطة الجماعة. ورفض هذا المشروع لا يعفينا من مساءلة قيادات الشرعية عن أخطائها، ولا يجعل الصمت على الفشل واجبًا وطنيًا.
العيب في الإدارة والقيادة، ونقدهما دفاع عن الشرعية التي نتمسك بها.
فالشرعية عندنا تعني الدولة اليمنية، والجمهورية، وسيادة القانون، وحقوق المواطنين. وهي أكبر من رئيس أو نائب أو وزير أو قائد عسكري. الأشخاص مؤتمنون على مسؤولياتهم، وليسوا أصحاب حق دائم في مواقعهم. ومن يفشل، ويعجز عن التصحيح، عليه أن يترك مكانه لمن يستطيع أداء الواجب.
تمسكنا بالشرعية لا يعني منح شاغلي المناصب حصانة من النقد والمحاسبة. إن الدفاع عنها يقتضي حمايتها من العجز والفساد والمحسوبية، ومن تحويل مؤسساتها إلى مواقع لتوزيع النفوذ والمزايا.
من رئاسة مجلس القيادة وأعضائه، إلى الحكومة ووزارة الدفاع ورئاسة الأركان وسائر المؤسسات المعنية، المسؤولية واضحة. لا يكفي أن يصدر بيان بعد كل مأساة، أو أن يُشاد بصمود المقاتلين، ثم يبقى أولئك المقاتلون يواجهون مصيرهم بالإمكانات نفسها والإهمال نفسه.
أي معنى للمنصب إذا لم يحمِ مواطنًا؟ وأي قيمة للرتبة إذا لم تتحول إلى كفاءة وقرار ومسؤولية؟ وماذا يبقى من الوظيفة العامة حين يصبح البقاء فيها أهم من إنجاز المهمة التي وُجدت من أجلها؟
لا أعمّم على كل مسؤول؛ ففي مؤسسات الدولة مخلصون يتحملون أعباء حقيقية. لكن المواطن يرى نمطًا مؤلمًا: مواقع تطول الإقامة فيها، ومزايا تستمر، وخطابًا يتكرر، بينما تتراجع شروط الحياة والأمان. ومن حقه أن يسأل: أين نتائج هذا كله؟ وأين المحاسبة؟
وفي قلب هذه المأساة يقف أطفال اليمن.
طفل يُستدرج إلى جبهة لا يدرك معناها، ويُحرم من المدرسة ومن حقه في أن يكبر آمنًا. وطفل تُحاصر معرفته بالتعبئة الطائفية وتقديس العنف. وطفل آخر ينام على الخوف، أو يغادر بيته نازحًا، أو ينتظر أبًا لن يعود.
هؤلاء أصحاب حق في أعناقنا جميعًا. مكانهم المدارس والبيوت الآمنة، وعلى الدولة أن تحميهم من التجنيد والاستغلال والتحريض، وأن تفتح أمامهم أبواب الحياة.
كيف ينام مسؤول مطمئنًا، وهناك أسرة تخشى أن ينهار سقف بيتها فوقها؟ كيف تُدار الأيام كأنها روتين وظيفي، والناس تفقد أبناءها وأرزاقها وكرامتها؟ وإلى متى يُطلب من اليمني أن يصبر، من دون أن يرى خطة تُنفذ، أو تقصيرًا يُحاسب عليه صاحبه، أو تغييرًا يفتح باب الأمل؟
ماذا تنتظر قيادة الشرعية؟ ومن أين تنتظر الفرج؟
اليمن يمتلك طاقة بشرية عظيمة: أكاديميين وأطباء ومهندسين ومعلمين وعمالًا ومزارعين، رجالًا ونساءً، وشبابًا يعرفون قيمة وطنهم ويرفضون المهانة. وهذه الطاقات تحتاج إلى مؤسسات تحترمها، وقيادة تثق بها، وخطة تتيح لها خدمة بلدها وفق القانون والكفاءة.
استعادة الدولة تتطلب توحيد القرار، وبناء مؤسسات مهنية، وإنهاء ازدواج الولاءات، وحماية المدنيين، وتأمين حقوق من يؤدون واجبهم. وتتطلب كذلك تشغيل المدارس والمستشفيات، ورعاية أسر الضحايا، وإسناد النازحين، وإدارة الموارد بشفافية. فالدولة تُستعاد بقدرتها على حماية الناس وخدمتهم، وبثقتهم في عدالتها.
أما ترك المواطنين بين الخوف والفوضى، ثم مطالبتهم بتحمل المزيد، فهو استنزاف لما تبقى من ثقة وقدرة على الصمود.
أقولها بوضوح: نريد دولة عدالة وحرية وكرامة؛ دولة يتساوى فيها اليمنيون، ويحكمها القانون، ويخضع مسؤولوها للمساءلة. نرفض العدوان والاستبداد، ونرفض معه الفشل والتجاهل وقهر الرجال وخراب البيوت وإذلال النساء وضياع الأطفال، أيًّا كان مصدر ذلك.
وعلى قيادات الشرعية أن تقف وقفة جادة أمام نفسها وأمام الشعب: ماذا أنجزتم؟ أين أخطأتم؟ ما الذي ستغيرونه؟ ومن سيتحمل مسؤولية التقصير؟ ومتى يرى الناس أثر هذه الإجابات في حياتهم؟
لقد طال انتظار اليمنيين. ومن عجز عن حمل الأمانة فليتنحَّ عنها بكرامة. فالوطن لا يجوز أن يبقى رهينة لعجز مسؤول، والجمهورية لا تحتمل أن تتحول إلى شعار يرفعه من يقصّر في حمايتها.
يا قيادة الشرعية، لقد بلغ الخطر القرى والمنازل، وامتد إلى طفولة أبنائنا ومستقبلهم. اسمعوا الناس قبل أن يفقدوا ما تبقى من ثقتهم، وانظروا إلى تضحياتهم قبل أن تطلبوا منهم تضحية جديدة.
ماذا تنتظرون أكثر؟



