حسابات النبوءة وفواتير الأرض
رست بوارج حربية أمريكية قبالة سواحل المنطقة، مع مطلع 2026. كان الهدف المعلن، ردع طموح إيران النووي، لكن وزير الخارجية ماركو روبيو نقل النقاش من مختبرات التخصيب إلى عقيدة ملالي طهران. قال إن المعممين يترقبون صداماً يمهد لظهور المهدي المنتظر. خرج الملف من أجهزة الطرد المركزي إلى كتب العقيدة، وأصبح على واشنطن موازنة الرقابة التقنية للبرنامج النووي، مع رصد النوايا الغيبية.
وجد هذا الطرح داخل الإدارة الأمريكية من يصغي اليه. نشر وزير الحرب بيت هيغسيث كتابه "الحملة الصليبية الأمريكية"، مستحضراً هرمجدون، وفي تل أبيب اقتبس بنيامين نتنياهو من سفر إشعيا بينما كانت الحرب تشتعل في غزة. النصوص القديمة انتقلت إلى خطابات قادة يمسكون بترسانات رقمية، وتلقفتها جماهير تدربت على التقاط الإشارات المبطنة.
يرتد هذا المخيال إلى التدبيرية المسيحية. رؤية تقسم التاريخ إلى مراحل تنتهي بأحداث أخروية، وضع جون نلسون داربي أسسها المعاصرة في القرن التاسع عشر، لتتغلغل سريعاً بين الإنجيليين الأمريكيين، الذين رأوا في قيام إسرائيل عام 1948 وتجمع اليهود بفلسطين علامة على تحقق نبوءات الكتاب المقدس.
انتقلت الفكرة من الكنائس إلى السياسة، والتحمت العقيدة بضغط اللوبيات وصناديق الاقتراع. وجد السياسيون جمهوراً يؤمن بالخطة الإلهية، بينما وجد المؤمنون سياسيين يتولون إدارة تفاصيلها الأرضية.
تستند بعض هذه القراءات إلى نبوءة دانيال عن "الأسبوع الأخير"، الذي يفسره أصحابها بسبع سنوات تسبق النهاية. بينما يربط آخرون الحسابات بقيام إسرائيل عام 1948، واقتراب الذكرى الثمانين لتأسيسها في 2028.
يتقاطع العددان في أذهان الباحثين عن الرموز، مع هواجس "لعنة العقد الثامن" المستقرة في الفكر الإسرائيلي حول تفكك الدولة. وإن اختلفت السياقات ودلالاتها.
ميدانياً، اتسعت الجيوب العازلة. التهمت الحرب مساحات من غزة وجنوب لبنان والعمق السوري. تتذرع تل أبيب بالدوافع الأمنية، وتدخل هذه التحركات في تصورات بعض الجماعات الدينية عن إسرائيل المستقبلية وعودة المسيح. وبينما تتقلص مساحة السكان وحقهم في العودة، تتسع خريطة النبوءة.
تقود هذه التصورات إلى جبل الهيكل، الاسم اليهودي للموقع الذي يضم المسجد الأقصى وقبة الصخرة. تربط جماعات يهودية ومسيحية متشددة إعادة بناء الهيكل بنبوءات آخر الزمان، فيما يحتل الموقع مكانة مقدسة لدى المسلمين.
وفي 2022، وصلت خمس بقرات حمراء من تكساس إلى تل أبيب، واعتبرتها المحافل الدينية خطوة تمهيدية لطقوس التطهير. عبرت الحيوانات المحيط لتستقر في معادلات القيامة. أما سكان المنطقة فعليهم انتظار ما قد تقرره هذه الحسابات بشأن مقدساتهم وبيوتهم.
أعادت حرب غزة في السابع من أكتوبر 2023، قراء النصوص الأخروية إلى الأسفار. استُحضر سفر إرميا عن "قوس عيلام"، التي يربطها بعض المفسرين بإيران. ورغم تضارب التأويلات وافتقارها للإجماع، لكن الحرب وفرت لها مخزوناً جديداً من الأحداث، فكلما اتسعت رقعة المواجهة، عُثر في الركام على اقتباس قديم.
امتد التنجيم إلى يأجوج ومأجوج في سفر حزقيال. أُدرجت روسيا وتركيا وإيران والسودان وليبيا، وحتى اليمن عبر استدعاءات "رايات الجنوب"، ضمن أطراف الملحمة الختامية. تختلف الجماعات في تفسير النصوص، ويرفض كثيرون تحديد موعد للنهاية. أما أصحاب الحسابات الدقيقة فيواصلون العمل، حتى حين تتغير الوقائع التي بنوا عليها مواعيدهم.
قبل الحرب، كانت المنطقة تتجه إلى ترتيبات مختلفة. تحدث ولي العهد السعودي عن تقدم نحو اتفاق محتمل للتطبيع مع إسرائيل، وشهدت قمة العشرين إطلاق الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. التقت مصالح واشنطن والرياض وتل أبيب حول التجارة والاستثمار، ثم جاءت الحرب لتعطل أجزاء من الحسابات. كانت المنطقة ترسم ممرات اقتصادية، قبل أن تعود إلى ممرات النار.
تدخل اتفاقات السلام والتطبيع بدورها في بعض القراءات الأخروية، متجاوِرة مع نبوءات الهيكل ومعركة هرمجدون. وحذر نتنياهو في فبراير 2026، من محور شيعي يقابله آخر سني متطرف. تتيح هذه اللغة لبعض الجماعات وضع الصراعات في رواية عن المعركة الأخيرة بين الخير والشر، بينما تحسب الحكومات النفوذ والأمن والتحالفات. وقد يجتمع الخطابان في تصريح واحد حتى لو اختلفت الغايات.
في أكتوبر 2024، ناقش دونالد ترامب مع جو روغان أخبار الأنبياء وقرب نهاية العالم. كشف الحديث عن عمق هذه الأفكار في الثقافة السياسية الأمريكية، إذ تجاور أدوات السلطة لاهوتاً يمنح الفعل السياسي بعداً متجاوزاً للواقع.
تنتظر النبوءة قروناً حتى يقع حدث يمكن ربطه بها. بعد ذلك يبدأ جمع الأسماء والتواريخ والاقتباسات، وتبدو الإشارات واضحة بأثر رجعي. أما الوقائع التي لا تلائم الرواية فتغادر المشهد بهدوء. هكذا يصبح التفسير بارعاً في قراءة الماضي، ومطمئناً إلى صحة نفسه مهما تأخر المستقبل.
تكمن الخطورة حين تحكم التأويلات الميدان. قد يرى السياسي الحرب مجرد أداة تفاوض، لكن المتشدد يعدها خطوة حتمية نحو النهاية. عندها تتحول التسوية إلى تنازل عن موعد مقدس، ويكتسب استمرار القتال معنى يتجاوز مصالح الناس وحسابات الدولة.
الناس لا يملكون رفاهية التنجيم. ففي غزة وجنوب لبنان وسوريا واليمن والسودان، لا يحمل الفارين إلى الملاجئ كتب التأويل. السياسي يتحدث عن الحدود ورجل الدين يهتف بالحسم. فيما يبحث أب عن مكان ينام فيه أطفاله.
بعد الحرب قد تتغير الحدود وتسقط الحكومات، وتظهر قراءات جديدة للنصوص القديمة. أما صاحب البيت فيبقى أمام الركام، يفتش عن مفتاحه. يحتفظ به في جيبه، حتى بعد أن يختفي الباب الذي كان يفتحه.



