الأحد 18 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • هل تعود السعودية إلى مستنقع الحرب في اليمن؟

هل تعود السعودية إلى مستنقع الحرب في اليمن؟

تكشف ردود الفعل السعودية الأخيرة تجاه التصعيد العسكري في اليمن عن تحولات مهمة في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي السعودي، وفي الطريقة التي يجري من خلالها التعامل مع تطورات الصراع اليمني وتداعياته على الأمن الوطني السعودي، فبعد سنوات من الحرب ومحاولات التهدئة والبحث عن تسوية سياسية تعيد ترتيب العلاقة بين الرياض والأطراف اليمنية، عادت الدعوات إلى الحسم العسكري لتحتل مساحة ملحوظة في النقاشات السياسية والإعلامية، خصوصًا في ظل المخاوف من استمرار التهديدات الأمنية وتراجع فرص التسوية السياسية.

وتكشف بعض هذه المواقف عن اتجاه يرى أن سياسة التهدئة لم تحقق النتائج المرجوة، وأن استمرار الضغوط العسكرية قد يكون ضروريًا لإعادة بناء قوة الردع السعودية في مواجهة الحوثيين، غير أن هذه القراءة تعكس في الوقت نفسه حالة من القلق الاستراتيجي بشأن مستقبل الصراع وحدود القدرة على التحكم في مساراته، ولا يمكن اعتبار الأصوات الداعية إلى التصعيد تعبيرًا شاملًا عن المجتمع السعودي الذي تتباين داخله التقديرات بشأن جدوى العودة إلى الحرب وتكاليفها السياسية والاقتصادية والأمنية.
وتبرز المفارقة الأساسية في بعض ردود الفعل السعودية من خلال العودة إلى الحديث عن الحسم العسكري بعد تجربة طويلة أثبتت أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يكفي وحده لإنهاء حرب معقدة تتداخل فيها العوامل السياسية والاجتماعية والقبلية والإقليمية، فالحرب في اليمن لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية يمكن حسمها بتدمير القدرات القتالية لطرف معين، وإنما تحولت إلى صراع متعدد المستويات تتشابك فيه أزمة الدولة مع الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية والمصالح الإقليمية، ولذلك فإن الاعتقاد بأن توسيع العمليات العسكرية سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء التهديدات، قد يعيد إنتاج الأخطاء الاستراتيجية السابقة، ويقود إلى مرحلة جديدة من الاستنزاف المتبادل، فالسعودية التي حققت خلال السنوات الماضية تحولات اقتصادية وتنموية واسعة، وأعادت ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، تدرك أن الاستقرار الإقليمي يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح مشروعاتها المستقبلية، وأن العودة إلى حرب مفتوحة على حدودها الجنوبية قد تفرض عليها أعباء أمنية واقتصادية وسياسية تتجاوز بكثير المكاسب المحتملة لأي نجاح عسكري محدود.
أما الجانب الأكثر أهمية في تحليل المواقف السعودية فيتعلق بمستقبل العلاقة مع الحكومة اليمنية الشرعية وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الرياض في إعادة بناء الدولة اليمنية، فالتجربة السابقة أظهرت أن الدعم العسكري والمالي والسياسي للحكومة لا يتحول تلقائيًا إلى مؤسسات دولة قوية وقادرة على إدارة البلاد ما لم يقترن بإصلاحات سياسية وإدارية حقيقية تعالج الانقسامات داخل معسكر الشرعية، وتعيد توحيد القرار العسكري والأمني، وتحد من تعدد مراكز النفوذ. ومن هنا فإن أية استراتيجية سعودية جديدة تجاه اليمن ينبغي أن تنطلق من حقيقة أن إضعاف الحوثيين عسكريًا لا يعني بالضرورة تقوية الدولة اليمنية، وأن استمرار الانقسامات داخل القوى المناهضة لهم قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب حتى في حال تغير موازين القوى على الأرض. كما أن اختزال الأزمة اليمنية في المواجهة مع الحوثيين يتجاهل جذور الصراع المرتبطة بانهيار مؤسسات الدولة وغياب التوافق الوطني وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك فإن المصلحة الاستراتيجية السعودية الحقيقية لا تكمن في إدارة التوازنات بين القوى اليمنية المتصارعة، وإنما في المساعدة على بناء دولة يمنية موحدة ومستقرة وقادرة على حماية سيادتها وإقامة علاقات متوازنة مع جيرانها بعيدًا عن منطق التبعية والصراعات بالوكالة.
وعلى المستوى الإقليمي تعكس حدة بعض ردود الفعل السعودية مخاوف من تحول اليمن مجددًا إلى ساحة مركزية للمواجهة بين القوى الإقليمية في ظل استمرار ارتباط الحوثيين بإيران وتعقيدات المشهد الأمني في البحر الأحمر والمنطقة الخليجية، غير أن هذه المخاوف ينبغي ألا تدفع إلى تبني خيارات عسكرية قد تؤدي إلى توسيع نطاق الصراع بدلًا من احتوائه، فالتجارب السابقة أثبتت أن الحروب تبدأ غالبًا بأهداف محددة، لكنها سرعان ما تتجاوز الحسابات الأولية للأطراف المشاركة فيها، وتتحول إلى مواجهات طويلة يصعب إنهاؤها دون تنازلات سياسية مكلفة. كما أن استمرار التصعيد قد يمنح القوى المتشددة على مختلف الجبهات فرصًا جديدة لتعزيز نفوذها وتعبئة أنصارها تحت شعارات الدفاع عن السيادة ومواجهة التهديدات الخارجية، وفي المقابل تتراجع فرص القوى المعتدلة والمبادرات السياسية، وتزداد معاناة السكان المدنيين الذين تحملوا طوال سنوات الحرب العبء الأكبر من الدمار والانهيار الاقتصادي والإنساني. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام السعودية لا يتمثل فقط في كيفية الرد على التهديدات العسكرية، وإنما في كيفية منع تحول اليمن إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار وإيجاد معادلة أمنية وسياسية تحقق مصالحها المشروعة دون الانزلاق إلى حرب استنزاف جديدة لا يستطيع أي طرف ضمان نتائجها.
إن القراءة المتأنية لردود الفعل السعودية الأخيرة تقود إلى استنتاج أساسي مفاده أن المنطقة تقف أمام اختبار استراتيجي يتجاوز مسألة التصعيد العسكري المباشر إلى مستقبل العلاقة بين اليمن والسعودية وطبيعة النظام الأمني الإقليمي خلال السنوات المقبلة، فالأمن السعودي لا يمكن ضمانه بصورة مستدامة في ظل يمن ممزق وضعيف، كما أن استقرار اليمن لا يمكن تحقيقه في بيئة إقليمية قائمة على الصراعات والتدخلات والمواجهات المستمرة، ولذلك فإن المخرج الحقيقي لا يكمن في توسيع الحرب أو البحث عن انتصار عسكري حاسم بقدر ما يكمن في صياغة رؤية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتعيد الاعتبار للدولة اليمنية ومؤسساتها، وتوفر ضمانات أمنية متبادلة، وتفتح الطريق أمام مصالحة وطنية حقيقية تشمل مختلف القوى اليمنية، فالعمل العسكري مهما بلغت قوته لا يستطيع أن ينتج بمفرده حلولًا سياسية مستدامة، وقد يغير موازين القوى مؤقتًا، لكنه لا يستطيع بناء الثقة أو إعادة تشكيل مؤسسات الدولة أو معالجة الانقسامات العميقة داخل المجتمع. ومن هنا فإن الحكمة السياسية تقتضي أن تتحول ردود الفعل السعودية من الدعوة إلى الحسم العسكري إلى نقاش استراتيجي أكثر عمقًا حول كيفية إنهاء الحرب بأقل الخسائر الممكنة، لأن السلام ليس تعبيرًا عن الضعف ولا تنازلًا عن المصالح الوطنية، وإنما يمثل الخيار الأكثر واقعية لحماية الأمن السعودي واستعادة الدولة اليمنية وإنقاذ المنطقة من دورة جديدة من الحروب والاستنزاف التي قد يدفع ثمنها الجميع دون أن يحقق فيها أي طرف انتصارًا حقيقيًا.