إنسانية الإنسان قبل حقوق الإنسان
تبدأ حقوق الإنسان من الاعتراف بقيمة الإنسان وكرامته، وبحقه في الحياة والحرية والأمان والعيش الكريم. فهذه الحقوق ليست منحة من سلطة، ولا امتيازًا تمنحه حكومة وتسلبه متى شاءت، بل هي حقوق أصيلة تترتب على كون الإنسان إنسانًا، وتصون كرامته وتحميه من الظلم والإهانة والاستغلال. ومن هنا، فإن جوهر حقوق الإنسان يكمن في احترام إنسانيته، وترجمة هذا الاحترام إلى سلوك وممارسة وقوانين ومؤسسات.
فالإنسانية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا كلمات تُستدعى في الخطب والبيانات، بل موقف أخلاقي وسلوك عملي يتجلى في احترام حياة الآخرين، وصون كرامتهم، والاعتراف بحقهم في الاختلاف والتعبير والمشاركة. وهي المعيار الذي تُقاس به قيمة المجتمعات، وتُختبر من خلاله نزاهة السلطات، وصدق المبادئ التي ترفعها القوى السياسية والاجتماعية.
وتستند حقوق الإنسان إلى مبدأ المساواة في الكرامة، بصرف النظر عن الآراء والانتماءات والمواقف والمعتقدات. فلا يجوز أن تصبح الحقوق امتيازًا لفئة، أو مكافأة للموالين، أو وسيلة لمعاقبة الخصوم. فالحرية التي تُمنح للمؤيد وتُحجب عن المعارض ليست حرية للجميع، والعدالة التي تخضع للأهواء السياسية ليست عدالة، والكرامة التي تتوقف على موقف الإنسان من السلطة تفقد معناها الإنساني.
وتزداد أهمية هذه المبادئ في المجتمعات التي أنهكتها الحروب والصراعات، حيث لا يقتصر انتهاك إنسانية الإنسان على القتل والعنف، بل يمتد إلى الجوع والمرض والنزوح والخوف والحرمان من التعليم والعلاج والعمل والأجور المستحقة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح المواطن العادي أكثر الأطراف تحمّلًا لتكاليف الصراع، بينما تتراجع فرصه في العيش بأمان وكرامة، وتتآكل قدرته على بناء مستقبله وحماية أسرته.
ومن أخطر آثار الحروب أنها تجعل القسوة مألوفة، والحرمان أمرًا معتادًا، والظلم قابلًا للتبرير. ومع استمرار المعاناة، قد تتحول المآسي الإنسانية إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار، ويفقد المجتمع تدريجيًا حساسيته تجاه آلام الآخرين. وهنا لا تكون الخسارة في الأرواح والممتلكات وحدها، بل تمتد إلى الضمير الجمعي، حين يتراجع الشعور بالمسؤولية، ويصبح الصمت أمام الانتهاكات شكلًا من أشكال الاعتياد على الظلم.
ولا يمكن بناء دولة حديثة تحترم مواطنيها بمجرد سن القوانين أو إنشاء المؤسسات، ما لم تكن كرامة الإنسان أساسًا لعملها وغايةً لسياساتها. فالدولة التي تستحق ثقة مواطنيها هي التي تجعل السلطة مسؤولية لا امتيازًا، والقانون مرجعية للجميع لا أداة في يد الأقوياء، والمواطن صاحب حق لا تابعًا ينتظر الرضا أو المكرمة. وهي الدولة التي يكون فيها الحاكم خادمًا للشعب لا سيدًا عليه، وتُصان فيها الحريات، وتُحترم الحقوق، وتُتاح المشاركة في الشأن العام دون خوف أو إقصاء.
ومن هذا المنطلق، لا تكتسب الديمقراطية والتعددية السياسية قيمتهما من النصوص والشعارات وحدها، بل من قدرتهما على حماية حق الإنسان في الاختلاف، وضمان مشاركته في صناعة القرار، وتداول السلطة بالوسائل السلمية، والاحتكام إلى إرادة المواطنين. فالممارسة السياسية التي تُقصي المخالف أو تجرّمه بسبب رأيه تناقض جوهر المشاركة، مهما رفعت من شعارات الحرية والديمقراطية.
ولا تكتمل حماية الإنسان بالحقوق السياسية وحدها، فكرامته ترتبط أيضًا بقدرته على تأمين احتياجاته الأساسية، والحصول على التعليم والرعاية الصحية والعمل، والعيش في بيئة آمنة تتوافر فيها فرص عادلة. فالحرمان من هذه الحقوق يضيّق مساحة الحرية الفعلية، ويجعل الإنسان عرضة للاستغلال والتبعية. لذلك، فإن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص جزء لا يتجزأ من بناء مجتمع يحترم الإنسان، ولا يترك مصيره رهين الفقر أو النفوذ أو المحاباة.
وفي الحياة السياسية، تظهر إنسانية المواقف في الطريقة التي يُعامل بها الناس، لا في الشعارات التي تُرفع باسمهم. فالسياسة التي تحوّل المواطنين إلى أدوات للتعبئة، أو وقود للصراعات، أو أرقام في حسابات النفوذ، تبتعد عن وظيفتها الأساسية المتمثلة في إدارة الشأن العام وخدمة المجتمع وحماية مصالحه. أما العمل السياسي المسؤول، فيضع حياة الناس وحقوقهم ومستقبلهم فوق المكاسب الحزبية والحسابات الضيقة، ويرفض تحويل الاختلاف إلى عداوة، أو الخصومة إلى مبرر للإقصاء والانتقام.
ويتحمل الإعلام مسؤولية أساسية في حماية هذه القيم؛ فالكلمة قد تنصف المظلوم، وقد تزيد معاناته، وقد تسهم في تهدئة المجتمع، وقد تؤجج الكراهية والانقسام. لذلك، تقتضي المسؤولية الصحفية احترام كرامة الضحايا، والتحقق من المعلومات، وتجنب التحريض والتشهير، وعرض الوقائع بموضوعية، والتمييز بين النقد المشروع والتجريح المتعمد. فالسبق الصحفي لا يبرر انتهاك الخصوصية، والتأثير في الجمهور لا يبرر نشر الكراهية، والاختلاف السياسي لا يسوّغ تجريد المخالف من إنسانيته.
إن أخطر ما يمكن أن تبلغه المجتمعات في أوقات الصراع هو أن تصبح الشعارات أهم من الإنسان، وأن يُبرَّر انتهاك كرامته باسم قضية أو جماعة أو سلطة. فمهما بدت الأهداف نبيلة، لا يمكن تبرير الظلم بوصفه وسيلة لتحقيقها، ولا اعتبار معاناة الأبرياء ثمنًا مقبولًا لأي انتصار. فالقضايا العادلة لا تفقد قيمتها بالدفاع عنها، وإنما تفقد جوهرها حين تتحول إلى غطاء لانتهاك الحقوق وإهدار الكرامة.
ومن هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان يبدأ من رفض الظلم دون انتقائية، واحترام حرية الآخرين حتى عندما تختلف آراؤهم مع آرائنا، وصون كرامتهم بصرف النظر عن مواقفهم وانتماءاتهم. فالاختبار الحقيقي للمبادئ لا يكون في الدفاع عمن نتفق معهم فحسب، بل في التمسك بها عندما يتعلق الأمر بحقوق من نختلف معهم. وفي ذلك تتجلى الفوارق بين من يتعامل مع الحقوق بوصفها قيمًا إنسانية ثابتة، ومن يوظفها وفق مصالحه ومواقفه المتغيرة.
إنسانية الإنسان هي الأساس الأخلاقي لحقوقه، وهذه الحقوق هي التعبير القانوني والعملي عن الاعتراف بكرامته وحريته ومساواته بالآخرين. ولا يكفي أن تُكتب الحقوق في الدساتير والمواثيق ما لم تتحول إلى ضمانات فعلية تحمي الإنسان من التعسف، وتكفل له الإنصاف، وتتيح له العيش بحرية وأمان وكرامة.
فالإنسان هو الغاية، وحقوقه معيار العدالة، وصون كرامته مسؤولية لا تسقط باختلاف المواقف والانتماءات. وحين تصبح إنسانية الإنسان أساسًا للسياسة والقانون والإعلام، يصبح بناء الدولة العادلة والمجتمع المتماسك أكثر من مجرد شعار؛ يصبح مشروعًا قابلًا للتحقق.



