الأحد 18 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • الزيت الأسود والقنبلة الصوتية.. حين يصبح الفرح سمًا

العشرة المبشرون بغضب الله(الحلقة الثالثة)

الزيت الأسود والقنبلة الصوتية.. حين يصبح الفرح سمًا

كنا في الحلقة الأولى نتحدث عن مقابر المبيدات في الجراف، وفي الثانية عن الجمارك والمواصفات، واليوم نفتح ملفًا لا يقل خطرًا، عنهما لأنه يدخل إلى كل بيت، وإلى كل مطبخ، إلى فرن كل حارة بل إلى غرف نومنا ومهاجعنا.
الملف ذو شقين، الأول: الألعاب النارية، والثاني: تدوير الزيوت، ومعهما المستشفى والصيدلي اللذان يكملان حلقة الضرر والخطر.

أولًا: قنابل باسم الفرح:

الألعاب النارية اليوم لم تعد ألعابًا، هي قنابل صوتية تصدر أصواتا كأنها قنابل حقيقية تثير الرعب.
المصاحبون لمواكب العرايس يشعلون الكثير والكثير من هذه القنابل في أوقات متأخرة من الليل، ويروعون المرضى والمسنين بل وكل الناس، وينغصون عليهم راحتهم ونومهم. وهنا المفروض أن يتدخل الأمن لمنعها والاكتفاء بالسماح بالألعاب الهادئة التي تصدر أشكالًا جميلة دون أصوات مزعجة.
وأقولها عن تجربة شخصية: في يوم عيد كنت في زيارة صديق، فإذا بأصوات انفجارات قوية أفزعتنا بشدة، ظننتها ضربات طيران، فإذا هم صبية من أبناء الجيران الساكنين في نفس العمارة أشعلوا من هذه الألعاب في ممر العمارة.
والأخطر اليوم أن بعض تجار الألعاب النارية بدأنا نلاحظهم يعلنون عروضًا لها في وسائل التواصل الاجتماعي. والمفروض على الناس عدم التفاعل مع هذه الإعلانات، بل الإبلاغ عن صفحات المعلنين كي يتم تقييدها.
التاجر الذي يبيع القنبلة الصوتية لا يختلف في فكره وأخلاقه عن الذي يبيع الزيت الأسود، الفكرة واحدة: بيع الرعب والمرض.

رسالة إلى وزارة الداخلية: من يبيع الترخيص يبيع سكينة المجتمع

وهنا نسأل وزارة الداخلية، ولا ندري هل تعي الوزارة طبيعة واجباتها في الحفاظ على حق المجتمع في الهدوء والسكينة، أم تظن ذلك من اختصاص وزارة المغتربين؟
المعروف وبحسب ما هو معمول به في لائحة التراخيص، أن إذن استيراد الألعاب النارية والمفرقعات يصدر منكم نظير رسوم مالية يدفعها التجار. وأنتم بهكذا تبيعون حقًا أصيلًا من حقوق المجتمع، وهو حق أبنائه في الهدوء والأمن والسكينة العامة.
يا هؤلاء أنتم بوصفكم الجهة المسؤولة عن حفظ الأمن، والمعروف عند القاصي والداني أن من صميم عملكم حماية هدوء الناس وعدم ترويع الآمنين، فكيف تمنحون بيد تصريح استيراد قنبلة صوتية، وباليد الأخرى تدعون أنكم تحمون السكينة.
فمادمتم مشكورين تمنعون إطلاق الرصاص الحي في الأعراس أو غيرها، لأنه يقلق السكينة، ويعرض حياة الناس للخطر، فلماذا لا تمنعون ما هو أشد إزعاجًا وترويعًا منه؟ أوقفوا إصدار هذه التراخيص، وألزموا كل إدارات الأمن في المديريات بضبط كل من يستخدم الألعاب النارية في مواكب الأعراس أو غيرها، لأنها تعرض صحة الناس وسلامتهم للخطر.
إذ لا أظنكم تجهلون أن القنبلة الصوتية التي تفجر بعد منتصف الليل في حارة سكنية والناس نيام، لا تقل إقلاقًا للسكينة عن الرصاصة، بل هي أشد ترويعًا، والفرق الوحيد أن الأولى لديها ترخيص منكم، والثانية ليس لديها ترخيص.
نطالبكم بأن تكفوا أيديكم عن إصدار تراخيص استيراد هذه القنابل، وأن تصدروا تعميمًا واضحًا وصريحًا لقوات النجدة والأمن الخاص والعام وأقسام الشرطة بالتعامل مع مطلق القنبلة الصوتية كما يتعامل مع مطلق الرصاص، بإجراء ضبطي حاسم وفوري.
برسالتنا هذه ننهي الكلام عن ملف السم الذي لا يؤكل، ونفتح الآن الكلام في ملف السم الذي يؤكل، وأعني به الزيت الأسود. إذا كانت القنبلة الصوتية تسرق حقنا في الهدوء وتسمم آذاننا ونومنا لساعة، فهناك سم يبقى في أجسادنا لسنين، يطبخ في مطابخنا ويخبز في أفران حاراتنا.

ثانيًا: الزيت الأسود.. فصل الضبطيات وما خفي كان أعظم:

قبل أن أكتب هذه الحلقة، قضيت ليلة كاملة أتنقل بين مواقع إخبارية متفرقة لمعرفة مدى حجم وخطورة هذه الآفة، وكل خبر كنت أقرأه عما تم ضبطه في بعض المحافظات من هذه السموم، فكان يزيد رعبي وخوفي أكثر من الذي قبله.
وحق عليّ أولًا أن أشكر جهات الضبط، مكاتب الصناعة والتجارة، ومكاتب صحة البيئة، وقوات النجدة، واللجان الرقابية، في المحافظات التي تم فيها الضبط، إذ لا يزال فيهم شرفاء، جديرون بكل احترام وتقدير، لكن كلمة حق يجب أن تقال، فجهودهم وحملاتهم في هذا الموضوع نادرة وموسمية، وهذا من واقع ما وقفت عليه مما تم ضبطه، وما خفي كان أعظم.
البداية من قلب صنعاء، ففي 16 مايو 2023 أغلق مكتب الصناعة والتجارة وقسم صحة البيئة بمديرية الثورة بأمانة العاصمة معملًا لتدوير وتعبئة الزيوت وتزوير العلامات التجارية وتواريخ الصلاحية، وعند التفتيش تم ضبط هنجر تابع لشخص يدعى "ت.ش"، بتهمة القيام بالغش التجاري والعمل على تعبئة زيت المنظمات، وكذا القيام بتزوير تاريخ المنتجات الغذائية، وتم ضبط آلة خاصة بطبع العلامات التجارية.
وفي محافظة صنعاء نفسها، تمكنت قوات النجدة من ضبط زيوت منتهية تباع في الأسواق.
ثم انتقل الرعب إلى مأرب، فهناك أعلن مكتب التجارة والصناعة أنه ضبط معامل ومنشآت مخالفة تمتهن إعادة تدوير وتعبئة زيوت السيارات الرديئة بعلامات تجارية عالمية، وكانت طريقتهم طباعة ملصقات تجارية مزورة.
وفي مديرية تبن بمحافظة لحج نفذت لجنة رقابية حملة ميدانية أسفرت عن مداهمة وإغلاق معمل يقوم بتقليد وتزييف زيوت السيارات، وكان يعبئ زيوتًا مجهولة المصدر داخل عبوات تحمل علامات تجارية مشهورة.
ولكي تعرفوا حجم الكارثة، ففي إحدى الضبطيات الموثقة تم ضبط نحو 45 ألف لتر من زيوت السيارات داخل مخزن يستخدم في إعادة تدوير الزيوت المستعملة.
والأدهى أن هذه الجريمة وصلت إلى رغيف الخبز نفسه، فاضطرت الهيئة العامة للبيئة بصنعاء لإطلاق المرحلة الثانية من حملة التفتيش البيئي لمنع استخدام الزيوت العادمة كوقود داخل المخابز والأفران.
وبالطبع فذكري لثلاث محافظات فقط: صنعاء ومأرب ولحج، لا يعني خلو بقية المحافظات من المشكلة، بل يعني أن هذه هي فقط ما تمكنت جهات الضبط من الوصول إليه، أما ما لم يضبط فهو الجزء الأكبر الذي يعمل في الظلام.
في ظل غياب الأخلاق وسيطرة الجشع في جمع المال أيًا كانت مشروعية مصدر جمعه، فلا غرابة أن نجد زيت الإغاثة المجاني المخصص للفقير يعبأ ليباع له. صدقوني من يعبئ زيت الفقير ليبيعه للفقير لم يعد تاجرًا جشعًا فقط، بل لص سقطت عنه المروءة. وبيني وبينك أخي القارئ الكريم إذا كانوا يعبئون زيت الإغاثة المجاني، ويعيدون تدوير الزيوت المستخدمة، فلا تسأل بعد ذلك عن مبيد مسرطن أو دواء مغشوش. فمن هانت عليه لقمة الفقير المجانية، هان عليه دمه وصحته ودواؤه.
يقول الأطباء: "إن الزيت الذي يتحول لونه إلى الغامق جدًا من كثرة الاستخدام، يزيد من معدل الإصابة بسرطان القولون، وإعادة استخدامه تؤدي إلى الإصابة بالسرطان على المدى الطويل، كما أن الزيت المستعمل يسبب أمراض الكلى الخطيرة وفيروسات أخطرها فيروس بي الصفراء وأمراض الأوعية الدموية والقلب، ومع الوقت يؤدي إلى فشل في وظائف المخ والدماغ، مما يتسبب في الشلل الرعاش والزهايمر".
يعني ليست طعمية فقط، بل بروست وبطاط وسمك وخبز مخبوز بدخان زيت محرك. أظن لو فتحت وزارة الصحة ملفًا واحدًا فقط: من أين تشتري مطاعم صنعاء زيوتها، لسقط نصفهم في يوم واحد.
ويأتي المستشفى يكمل الحلقة:
وهنا نصل إلى النقطة الأخطر، بعض الأطباء وبعض المستشفيات الخاصة لا تقل أضرارها عن المبيدات وماء المجاري.
المريض يدخل متسممًا من الزيت والمبيد، فلا يجد تحليلًا يكشف السم، بل يجد فاتورة. محاليل مهربة مخففة بالماء، وأدوية منتهية تم تبييضها بنفس آلة المعمل المضبوط في مديرية الثورة، وفحوصات وهمية. ومازلت أتذكر وجع صديقي الذي يعاني والده من مرض السرطان ووقع ضحية جرعة مغشوشة، وذكرت لكم حكايته في الحلقة الماضية.
والخلاصة أن الدائرة مغلقة بالعشرة المبشرين بغضب الله، من بينهم تاجر المبيد الذي يسممك في المزرعة، وتاجر الزيت الذي يسممك في المطعم، وفي المخبز، وتاجر الألعاب النارية الذي يقلق راحتك، وصيدلي يبيع لك علاجًا مغشوشًا، وطبيب مستشفى يسممك في سرير العلاج ويسلبك مالك دون رحمة!