هدم السردية وخدمة الخصم: قراءة في المآلات الكارثية لمنظومة إعلام الشرعية والتحالف
لم تكن الحرب في اليمن مجرد مواجهة عسكرية بين الحكومة الشرعية وجماعة الحـ،،وثي، ولا معركة تُحسم بالسلاح وحده؛ بل كانت، ولا تزال، صراعًا على الوعي والرواية والقدرة على إقناع الناس بحقيقة ما يجري. فالإعلام في الحروب ليس واجهة بروتوكولية أو نشاطًا تكميليًا، وإنما جزء من منظومة إدارة الصراع، تتكامل فيها المعلومة مع القرار السياسي والأداء العسكري والثقة الشعبية.
ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة الحكومة الشرعية والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية مثالًا على الفجوة بين حجم الإمكانات المتاحة والنتائج المحققة. فبدلًا من بناء منظومة إعلامية وطنية متماسكة، تستند إلى المهنية والكفاءة والمعلومة الموثوقة، عانى الإعلام المساند للشرعية من الارتباك وتضارب الخطاب وتداخل المصالح السياسية والحزبية والشخصية. ومع مرور السنوات، تحولت قطاعات منه إلى ساحات للمناكفات وتصفية الحسابات، فيما تراجعت القضايا الأساسية، وفي مقدمتها استعادة الدولة ومواجهة المشروع الحوثي وحماية التضحيات التي قدمها اليمنيون.
التأسيس المشوه وغياب المعايير المهنية
بدأ جانب مهم من الأزمة مع الطريقة التي أُدير بها الملف الإعلامي، إذ تقدمت، في محطات عديدة، اعتبارات الولاء الشخصي والحزبي والمناطقي على معايير الخبرة والكفاءة. واستمر بقاء شخص واحد على رأس وزارة الإعلام لسنوات طويلة، رغم تصاعد الانتقادات المطالبة بالتغيير والتصحيح، بينما أُسندت إدارة ملف الصحفيين والإعلاميين اليمنيين في الرياض إلى قيادات ذات خلفيات قبلية وحزبية، بعيدًا عن بناء آليات مهنية واضحة لاختيار الكفاءات وتقييم الأداء.
وامتد الخلل إلى إدارة المؤسسات الصحفية والإعلامية الرسمية، حيث طغى خطاب المديح والإطراء على النقد المسؤول والتقييم الموضوعي. ونتيجة لذلك، جرى استقطاب إعلاميين وفق شبكات العلاقات والولاءات والتزكيات الضيقة، في مقابل تهميش صحفيين يمتلكون الخبرة الميدانية والمعرفة بتعقيدات المجتمع اليمني وجبهات القتال.
ولم تكن المشكلة في تعيين أشخاص بعينهم فحسب، بل في غياب معايير معلنة للمحاسبة وقياس النتائج. فالمؤسسة الإعلامية التي لا تسأل عن جودة محتواها، ولا تقيس أثر خطابها، ولا تراجع أخطاءها، سرعان ما تتحول إلى جهاز يستهلك الميزانيات ويعيد إنتاج الخطاب نفسه مهما تغيرت الظروف. وهكذا أصبحت بعض المؤسسات والقنوات التي أُنشئت بتمويل كبير أقرب إلى منصات لاسترضاء الشخصيات النافذة والجهات الداعمة منها إلى أدوات إعلامية قادرة على التأثير في الرأي العام.
تقاطع أجندات الإقليم وتشرذم الخطاب
تفاقمت الأزمة مع تباين أولويات الدول الإقليمية المنخرطة في الملف اليمني، وانعكاس خلافاتها على المؤسسات والمنصات الإعلامية. فالسعودية دعمت وسائل إعلام رسمية ومنصات مساندة للحكومة المعترف بها دوليًا، بينما ارتبطت وسائل أخرى بقوى وتيارات سياسية مختلفة، بما فيها قوى جنوبية تتبنى مشروع الانفصال، حظيت بدعم إماراتي. وفي المقابل، ارتبطت منصات ذات توجهات إسلامية، بينها «يمن شباب» و«سهيل» و«بلقيس»، بالسياق السياسي والإعلامي المحسوب على تيارات يمنية حظيت بدعم قطري، قبل أن تتسع الخلافات بين أطراف المعسكر المناهض للحوثيين وتنعكس على الخطاب الإعلامي المتبادل.
كما برزت قناة «المهرية» ضمن المشهد الإعلامي المرتبط بالتنافس على النفوذ في المحافظات الشرقية، ولا سيما المهرة وحضرموت، حيث تتقاطع المصالح المحلية والإقليمية، وتتنافس القوى السياسية على تشكيل اتجاهات الرأي العام.
وتشير الدراسات المتخصصة في واقع الإعلام اليمني إلى ارتباط عدد من المؤسسات الإعلامية بأطراف الصراع والقوى الإقليمية الداعمة لها، في ظل ضعف الشفافية المالية والاستقلال التحريري. ويمكن الرجوع في هذا السياق إلى تقارير مركز أبحاث الإعلام والصحافة المنشورة عام 2024 بشأن تمويل الصحافة في اليمن.
غير أن المشكلة لا تكمن في تعدد المنابر بحد ذاته، بل في تحول التنافس إلى صراع على الولاءات وتصفية الحسابات. فبدلًا من أن تتنافس المنصات على كشف انتهاكات الحوثيين، وتعريف العالم بحقيقة هذه الجماعة، وتقديم المعلومات الموثقة، ومناقشة إخفاقات الحكومة، انشغل بعض العاملين فيها بتبادل الاتهامات والتخوين والطعن في النيات.
صناعة الترفيه والهروب إلى العالم الافتراضي
في الوقت الذي كانت فيه جماعة الحوثي تعزز قبضتها على المؤسسات في مناطق سيطرتها، وتطور أدواتها العسكرية والإعلامية، انشغلت أجزاء من المنظومة الإعلامية المساندة للشرعية بمؤشرات الانتشار السريع على منصات التواصل الاجتماعي. وأصبح عدد المتابعين والإعجابات، في بعض الحالات، معيارًا لتقييم التأثير، حتى عندما لا تتوافر لدى صانع المحتوى الخبرة الصحفية أو القدرة على التحقق من المعلومات.
ولعل المشهد الذي ظهر فيه وزير الإعلام وهو يستقبل مشاهير منصات التواصل الاجتماعي في الرياض، ويقدم اللقاء باعتباره نشاطًا ذا أهمية إعلامية، يلخص جانبًا من الخلل في ترتيب الأولويات. فالتواصل مع المؤثرين ليس خطأ في حد ذاته، بل قد يكون وسيلة مفيدة للوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى بديل عن بناء مؤسسات صحفية محترفة، أو يُقدَّم بوصفه إنجازًا استراتيجيًا من دون معايير واضحة لقياس أثره.
لقد أثبتت التجربة أن الحضور الرقمي الواسع لا يعوض غياب المعلومة الدقيقة، ولا يصنع بمفرده خطابًا مقنعًا. فالمنشورات الانفعالية والتغريدات المرتجلة لا تستطيع مواجهة حملات التضليل والشائعات الموجهة إذا لم تستند إلى سرعة الاستجابة، والحقائق الموثقة، والمتحدثين القادرين على تقديم تفسير واضح لما يحدث.
وفي المقابل، ظل صحفيون ميدانيون يعانون التهميش وضعف الإمكانات، رغم أن عملهم كان يمكن أن يوفر مادة موثوقة تعزز ثقة الجمهور وتكشف الحقائق. وهنا يظهر التناقض: تُنفق الموارد على الانتشار الافتراضي، بينما لا يحصل بعض العاملين في الميدان على الحد الأدنى من الدعم الذي يضمن استمرار عملهم المهني.
الفساد واقتصاد الحرب الإعلامي
لا يمكن تقييم إخفاق المنظومة الإعلامية من دون التوقف أمام الأسئلة المتعلقة بالإنفاق والشفافية والمساءلة. فقد خُصصت موارد كبيرة لدعم المؤسسات والأنشطة الإعلامية المساندة للشرعية، لكن الجمهور لم يحصل دائمًا على إجابات واضحة بشأن كيفية توزيع الأموال، ومعايير اختيار المستفيدين، والنتائج التي تحققت مقابل الإنفاق.
وتتردد انتقادات بشأن استفادة بعض الإعلاميين والناشطين المقيمين خارج اليمن من الموارد المخصصة للعمل الإعلامي، وتحول بعضهم إلى البحث عن مصالحهم الشخصية وترتيب أوضاعهم المعيشية في مدن مثل القاهرة وإسطنبول وعمّان، بما في ذلك شراء العقارات أو السعي إلى فرص الاستقرار (اللجوء) والمنح الدراسية.
وتبرز كذلك قضية تغير الولاءات الإعلامية بتغير المصالح والتمويل؛ إذ إن انتقال بعض المنصات أو الناشطين من خطاب مؤيد إلى خطاب معادٍ لجهات كانوا يتلقون دعمًا منها يثير أسئلة مشروعة بشأن طبيعة العلاقة بين التمويل والاستقلال التحريري.
إن استمرار الغموض حول الموارد وآليات توزيعها يضر بالجهات الممولة قبل غيرها؛ لأنه يفتح الباب أمام الشكوك، ويضعف ثقة الجمهور، ويجعل الأموال التي يفترض أن تخدم قضية وطنية عرضة للتشكيك في أهدافها ونتائجها.
تفوق السردية الحوثية وانكشاف الميدان
أفضت هذه الاختلالات إلى إضعاف قدرة الإعلام المساند للشرعية على بناء رواية متماسكة للأحداث. ففي حين استفادت جماعة الحوثي من مركزية القرار الإعلامي في مناطق سيطرتها، ومن توظيف المؤسسات الرسمية والخطاب التعبوي في خدمة مشروعها، ظل الإعلام المناهض لها موزعًا بين جهات سياسية وحزبية وعسكرية متعددة، تتباين مصالحها وأولوياتها.
وقد أتاح هذا التشتت للحوثيين مساحة أوسع لنشر روايتهم عن المعارك والتطورات السياسية، واستثمار الشائعات والتضليل والتخويف. ولا يعني ذلك أن خطابهم أكثر صدقًا، أو أن جمهورهم يتبنى روايتهم بالضرورة، بل إن توحيد الرسالة وسرعة نشرها يمنحان أي منظومة إعلامية قدرة أكبر على الوصول والتأثير، خصوصًا عندما يعجز الطرف الآخر عن تقديم معلومات واضحة في الوقت المناسب.
أما إعلام الشرعية، فقد أضعف نفسه حين سمح للخلافات الداخلية بأن تتقدم على القضايا الأساسية، وحين عجز عن الفصل بين النقد المشروع والتحريض المتبادل. ففي لحظات التراجع الميداني، لا يحتاج الجمهور إلى منشورات تنكر الواقع أو تتبادل المسؤولية عن الإخفاقات، بل إلى معلومات دقيقة، وتفسير صريح للأسباب، وموقف سياسي واضح من المسؤولين عن القرارات الخاطئة.
وهنا لا يمكن فصل الإعلام عن الأداء العسكري والسياسي. فالإعلام لا يستطيع صناعة انتصار غير موجود، ولا إخفاء إخفاقات متراكمة إلى الأبد؛ لكنه يستطيع تفسير الوقائع، وتعزيز الثقة، وكشف التضليل، وفتح نقاش جاد بشأن المسؤولية. أما حين يُطلب منه تبرير كل قرار، وتجميل كل إخفاق، ومهاجمة كل مخالف، فإنه يفقد مصداقيته ويمنح خصومه فرصة مجانية لاستثمار أخطائه.
وبهذا المعنى، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود إخفاق مؤسسة إعلامية أو ضعف حملة دعائية؛ بل يمتد إلى معنويات المقاتلين، وثقة المواطنين، وصورة الحكومة لدى حلفائها والمجتمع الدولي، وقدرة المعسكر المناهض للحوثيين على تقديم نفسه بوصفه مشروعًا وطنيًا قادرًا على إدارة الدولة، لا مجرد تجمع لقوى تتنازع النفوذ والمصالح.
العزلة الإعلامية وضرورة المراجعة
تكشف التقارير الدولية عن واقع بالغ الصعوبة تعمل فيه الصحافة اليمنية. فقد وثقت منظمة «فريدوم هاوس»، في تقريرها عن اليمن لعام 2025، استمرار القيود على حرية التعبير، فيما تناولت تقارير حقوقية أخرى ما يتعرض له الصحفيون من انتهاكات ومضايقات على أيدي أطراف متعددة. كما وثق الاتحاد الدولي للصحفيين عشرات الانتهاكات لحرية الصحافة في اليمن خلال عام 2025.
وهذه الصورة لا تخص الإعلام المساند للشرعية وحده، لكنها تضع إخفاقاته في سياق أوسع من الانقسام وغياب المؤسسات والشفافية. فحين يعمل الصحفي تحت ضغط الخوف والتمويل المشروط والاستقطاب السياسي، تتراجع قدرته على أداء دوره الرقابي، وتتحول المؤسسات الإعلامية إلى امتداد للصراع بدلًا من أن تكون مساحة لكشفه ومساءلة أطرافه.
إن مراجعة هذه التجربة لا تعني التقليل من جهود الصحفيين الذين عملوا في ظروف صعبة، ولا إنكار ما قدمه إعلاميون يمنيون من تضحيات، وإنما تعني التمييز بين العمل المهني الحقيقي وبين منظومة المصالح التي أضعفت أثره. كما لا تعني تحميل الإعلام وحده مسؤولية تعثر المشروع الوطني؛ فالأزمة أعمق، وتشمل الانقسامات السياسية، وضعف مؤسسات الدولة، وتضارب أولويات القوى المنضوية في المعسكر المناهض للحوثيين، والجهات الداعمة لها.
لكن ذلك لا يعفي الجهات المسؤولة عن الإعلام من واجب المراجعة. فالمطلوب تقييم مستقل للمؤسسات والميزانيات، ونشر معايير التمويل والتوظيف، ومحاسبة المتورطين في أي تجاوزات تثبتها الأدلة، وإعادة الاعتبار للصحفيين المهنيين، وحماية استقلال التحرير، وتطوير غرف الأخبار وآليات التحقق من المعلومات، وربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس.
وفي المحصلة، لا يمكن استعادة ثقة الجمهور بمنشورات دعائية، ولا بناء قضية وطنية جامعة على المحسوبية والتخوين وتضارب المصالح. إن الإعلام الذي يخدم الدولة هو الذي يقول الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة، وينقد المسؤول حين يخطئ، ويدافع عن حقوق المواطنين قبل مصالح القيادات، ويمنح الميدان صوته الحقيقي.
أما الإعلام الذي يستهلك موارده في الصراعات الداخلية، ويترك خصمه يحتكر المبادرة والرواية، فإنه يتحول، من حيث يدري أو لا يدري، إلى عبء على القضية التي يدّعي الدفاع عنها.
إن تصحيح المسار يبدأ بالاعتراف بالإخفاق، لا بتجميله؛ وببناء مؤسسات مهنية خاضعة للمساءلة، لا بتغيير الوجوه مع بقاء آليات العمل نفسها. فالمعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض، وأي مشروع لاستعادة الدولة سيظل ناقصًا ما لم يمتلك إعلامًا وطنيًا مستقلًا ومهنيًا، قادرًا على توحيد الرسالة من دون مصادرة الحقيقة أو إقصاء الاختلاف.
فحين يصبح الإعلام منشغلًا بإرضاء مموليه ومناكفة خصومه الداخليين أكثر من انشغاله بالحقيقة والمصلحة الوطنية، فإنه لا يخسر جمهوره فحسب؛ بل يترك للخصم فرصة ثمينة ليملأ الفراغ، ويحوّل إخفاقات خصومه إلى مكاسب سياسية ومعنوية يصعب تعويضها.
المراجع والروابط الداعمة
مركز أبحاث الإعلام والصحافة – تمويل الصحافة في اليمن.
فريدوم هاوس – تقرير الحرية في العالم 2025: اليمن.
هيومن رايتس ووتش – تقرير عن الانتهاكات المنهجية بحق الصحفيين في اليمن.
الاتحاد الدولي للصحفيين – توثيق انتهاكات حرية الصحافة في اليمن خلال 2025.



