الأربعاء 28 أكتوبر 2026

سقوط تعز... سقوط مكة

إذا كان هناك طرف خرج رابحًا من الحرب في اليمن حتى هذه اللحظة، فهي مليشيا الحـ,,وثي. وهذه الحقيقة لا تعود إلى تفوقٍ استثنائي في قدراتها بقدر ما تعكس حصيلة سنواتٍ طويلة من الأخطاء الاستراتيجية، والحسابات الخاطئة، والسياسات المرتبكة التي أوصلت اليمن إلى هذا المنعطف الخطير.

لم تكن المشكلة يومًا مرتبطة بالحزب الحاكم في واشنطن بقدر ارتباطها بجوهر السياسة الأمريكية نفسها. فسواء حمل رايتها الديمقراطيون أم الجمهوريون، أثبتت التجربة أن اختلاف الخطاب لم ينعكس على النتائج.

في عهد جو بايدن، تبنت الإدارة الأمريكية مقاربةً عنوانها التهدئة وخفض التصعيد، ورفعت الحوثيين من قوائم الإرهاب تحت مبررات إنسانية وسياسية. وقد قُدِّم القرار باعتباره خطوة نحو السلام، لكنه منح المليشيا على أرض الواقع مساحةً أوسع لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب بنيتها العسكرية، وتعزيز سيطرتها، وتطوير أدواتها القتالية.

أما في عهد دونالد ترامب، فقد بدا المشهد مختلفًا في الشكل أكثر منه في المضمون. فقد ارتفعت حدة الخطاب ضد هذه المليشيا، وأُعيد تصنيفها منظمةً إرهابية. وفي الوقت ذاته، دعمت الإدارتان التحالف سياسيًا واستخباراتيًا ولوجستيًا، غير أن هذا الدعم ظل مقيدًا بضوابط أمريكية حالت دون الوصول إلى الحسم النهائي، وأبقت الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها وإدارته.

والحقيقة أن واشنطن لم تتعامل مع إسقاط المشروع الحوثي باعتباره هدفًا استراتيجيًا يستدعي حسم الحرب لصالح الدولة اليمنية. بل أثبت الواقع أنها فضّلت حربًا تُدار على حربٍ تُحسم، وأزمةً تُضبط على أزمةٍ تُنهى، مع الحرص على إبقاء الحوثي عنصرًا حاضرًا في معادلات التوازن الإقليمي.

أما المملكة العربية السعودية، فلا يمكن إعفاؤها من نصيبٍ كبير من المسؤولية، بوصفها الجارة والشقيقة الكبرى. فجانب مهم من هذا الإخفاق نتج عن انسجامها مع الرؤية الأمريكية في التعاطي مع الحوثيين. وكما جرى تفريغ الشرعية من مضمونها وتحويلها إلى ورقة تُدار وفق اعتبارات التحالف، وجدت الرياض نفسها تتحرك داخل الإطار الذي رسمته واشنطن، ملتزمةً بسقوفه السياسية ومتكيّفةً مع أولوياته، حتى وإن تعارضت مع متطلبات المعركة ومصالح اليمن والمنطقة.

وقد أفضت هذه السياسات، مع مرور الوقت، إلى نتائج معاكسة للأهداف المعلنة للحرب. فبدلًا من إضعاف الحوثيين، تحولت المليشيا إلى قوة أكثر تنظيمًا وخطورة، حتى باتت صواريخها وطائراتها المسيّرة تشكل تهديدًا مباشرًا للمملكة نفسها. واليوم تجد الرياض نفسها تتجرع من الكأس ذاتها التي شرب منها اليمنيون سنوات طويلة، وحذّروا من عواقبها مرارًا.

ولعل أكثر مفارقات هذه الحرب قسوةً أن الشرعية اليمنية المعترف بها دوليًا تسيطر على معظم الجغرافيا اليمنية، بينما يسيطر الحوثيون على الكتلة السكانية الأكبر. إنها معادلة تختصر جانبًا كبيرًا من مأزق اليمن؛ نصرٌ جغرافي على الخرائط يقابله إخفاقٌ ديموغرافي على الأرض، وهو ما يفسر استمرار قدرة الحوثيين على الحفاظ على موقعهم لاعبًا رئيسيًا في معادلة الصراع.

هنا تبرز أهمية تعز.

فاليوم لم تعد تعز "الحالمة"، بل أصبحت تعز "الحاسمة". إنها آخر الحصون الكبرى في مواجهة المشروع الحوثي، وسقوطها لن يعني فقدان محافظة فحسب، بل انهيار آخر خطوط الصد التي تحول دون تمدد هذا المشروع إلى كامل الجغرافيا اليمنية. ولهذا تبقى كلفة الدفاع عنها اليوم أقل بكثير من كلفة السقوط وما قد يجرّه من تداعيات لاحقة.

فالتجربة أثبتت أن سياسة الاحتواء لم تنجح في وقف الحوثي، وأن التنازلات لم تُضعف طموحه، كما أن المهادنة لم تغيّر شيئًا من طبيعته العقائدية. وعلى امتداد سنوات الصراع، كانت كل مساحة تُترك له تتحول إلى نقطة انطلاق نحو مساحة جديدة، وكانت كل خطوة يتراجع فيها خصومه تقابلها خطوة إضافية في مشروعه التوسعي.

وإذا كانت تعز تمثل الهدف المباشر في هذه المرحلة، فإن الخطأ الأكبر يكمن في الاعتقاد بأن المشروع الحوثي سيتوقف عند حدودها. فالمشاريع العقائدية المسلحة لا تقوم على الاكتفاء أو التعايش، بل على التوسع المستمر وإخضاع الخصوم تباعًا.

إن سقوط تعز لن يكون نهاية المعركة، بل بداية مرحلة أكثر خطورة على اليمن والمنطقة بأسرها. أما من يراهن على بقاء النيران داخل الحدود اليمنية، فهو واهم!

لذلك، فإن الدفاع عن تعز اليوم لا يقتصر على الدفاع عن مدينة يمنية، بل يتجاوز ذلك إلى حماية خط الدفاع الأول الذي يحول دون اقتراب الخطر يومًا من مكة.

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.