مكرد وعشوائية القذائف
في صباح الأربعاء، في الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر المجيدة، كنت أعيش لحظة الفرح العامر، متذكرًا تضحيات شعبنا اليمني العظيم وكفاحه ضد الاستعمار البريطاني، الذي ظل جاثمًا على أرضنا وشعبنا 129 عامًا.

وعند تلك الساعة الفَرِحة، رن جرس التلفون ليبلغني أحد أصدقائي بسقوط قذيفة على الأخ المكافح، العامل المزارع، سمير سعيد مكرد العبسي، أحد أقاربنا في قرية اللكيمة – الرام – الأعبوس، والذي كان يعمل في مزرعته، لتوقعه شهيدًا، مضرجًا بطهارة دمه، وتتناثر أشلاؤه وتتوزع على طول وعرض «الحَوْل» الذي كان فيه، إلى قطع صغيرة. وتطال هذه القذيفة الملعونة بشظاياها زوجة الشهيد مكرد، نورية سلطان سعيد المهدلي.
الشهيد مكرد لا علاقة له البتة بأي طرف من أطراف الصراع والحرب؛ كل همه أرضه الزراعية التي بخلت هذا العام بفعل انعدام الأمطار وضمور الزروع. مكافح على امتداد اليوم، يوزعه بين أرضه الزراعية وأغنامه، التي يبحث عما يسد جوعها في ظل جفاف المنطقة.
صابرًا، يعاني ويكابد الحياة، يلاحق الرباح (القرود) التي تريد أن تشاركه المحصول الذي لا يُذكر، وبحكم العدم؛ فمرة يغلبهم وأخرى يغلبنه، راضيًا بما قسم الله له من الرزق الحراف. لكن الحرب الظالمة أبت إلا أن تفتك بجسد هذا المكافح، لتظل روحه العظيمة ترفرف على رؤوس أهالي قرية الرام الأعبوس.
رحمك الله، أيها الشهيد سمير، فقد عرفناك طيب القلب، دمث الأخلاق، متعاونًا مع كل أهالي قريتك.
نسجل هنا تقديرنا واحترامنا وشكرنا للأخ العزيز أحمد عبدالمجيد عبدالحافظ، الذي بادر بالمسارعة لإسعاف زوجة الشهيد.
ولا عجب في فعل كهذا من قِبل سليل الحاج عبدالحافظ صالح، الذي كان ديوانه في ساقية القرية مأوى لمن تقاطعت بهم السبل، أو أُلحق بهم الجوع والخوف، حيث يجدون ضالتهم.
والتقدير والثناء موصولان لابن «الحيدري»، سامر جميل عبدالخالق حيدرة، عاقل قرية اللكيمة (الرام) الأعبوس، على جهوده المتواصلة ومواقفه الطيبة في خدمة أهالي القرية، وحرصه الشديد على استتباب الأمن والاستقرار، وما قام به من ترتيبات بشأن الشهيد مكرد.
الرحمة تغشاك يا شهيدنا المبجل، ولك، بإذن الله، دار الخلود في الجنة مع الأنبياء والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا.
ولا بأس من العزاء، وإن كنت أعتقد أن الشهداء لا يُعزَّى أهلوهم، ولكن جرت العادة على ذلك.
عزاؤنا لأولاده جميعًا، ذكورًا وإناثًا، وأخص بالذكر «نسبنا علا سمير». والعزاء موصول لإخوانه ووالدته (لول عبدالخالق)، وللزميل العزيز الدكتور محمد عبدالرحمن مكرد، وكافة آل مكرد، وآل عبدالخالق، وآل سيف قاسم، وآل المهدلي، وجميع أهالي قرية الرام الأعبوس.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



