حرب الحـ..وثيين.. هل تتحول إلى بوابة للتطبيع؟
لم تعد الحرب في اليمن شأنًا يمنيًا خالصًا، ولا حتى صراعًا إقليميًا محدودًا، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها مشاريع القوى الكبرى، وتتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية والاستراتيجية. وفي خضم التصعيد الأخير ضد جماعة الحـ..وثيين، برزت تقارير إعلامية إسرائيلية تتحدث عن مساعٍ تقودها تل أبيب، عبر الولايات المتحدة، لإقناع السعودية بالتنسيق معها في مواجهة الحوثيين، في خطوة يُنظر إليها على أنها تتجاوز البعد العسكري إلى هدف أكبر يتمثل في فتح الطريق أمام التطبيع.
في 18 سبتمبر 2026، نشر موقع «المونيتور» مقالًا تحليليًا للصحفي الإسرائيلي بن كاسبيت بعنوان «كيف يستغل نتنياهو التهديد الحوثي في مسعى سري للتطبيع مع السعودية»، كشف فيه، نقلًا عن مصادر سياسية وأمنية إسرائيلية، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يقود تحركًا سريًا قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، بهدف تحقيق اختراق في مسار التطبيع مع الرياض، عبر استثمار التصعيد العسكري مع الحوثيين. ووفقًا للمقال، عرضت إسرائيل تقديم دعم استخباراتي، وربما مشاورات عسكرية، للسعودية في مواجهة الحوثيين، في محاولة لربط هذا التعاون الأمني بإحراز تقدم سياسي في ملف التطبيع، بوساطة وضغط من الولايات المتحدة.
غير أن المصادر أكدت أن الموقف السعودي لا يزال ثابتًا فيما يتعلق بقضية التطبيع، إذ تشترط الرياض وجود مسار واضح وغير قابل للتراجع نحو إقامة دولة فلسطينية، معتبرة أن أي تعاون أمني ضد الحوثيين لن يكون بديلًا عن هذا الشرط، الأمر الذي يجعل الحرب في اليمن جزءًا من معادلة إقليمية تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع حسابات التطبيع والقضية الفلسطينية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «هآرتس»، فإن إسرائيل حاولت استثمار التهديد الذي يمثله الحوثيون على أمن المنطقة لإقناع الرياض بأن المصالح الأمنية المشتركة تفرض تعاونًا مباشرًا بين الطرفين. ووفقًا للتقرير، فإن الهدف لا يقتصر على توحيد الجهود العسكرية، بل يمتد إلى بناء علاقة سياسية تفضي إلى اتفاق تطبيع رسمي.
تدرك تل أبيب أن السعودية تمثل الحلقة الأهم في مشروع التطبيع العربي، وأن تحقيق اختراق في العلاقة معها سيغير بصورة جذرية الخريطة السياسية في الشرق الأوسط. ومن هنا، تبدو الحرب مع الحوثيين فرصة مناسبة لإعادة طرح هذا المشروع تحت عنوان «الشراكة الأمنية» في مواجهة تهديد مشترك.
وتحاول إسرائيل تقديم نفسها بوصفها شريكًا قادرًا على المساهمة في إنهاء خطر الحوثيين، سواء عبر قدراتها العسكرية أو الاستخباراتية أو الدفاعية، في رسالة مفادها أن التعاون معها سيحقق للسعودية مكاسب أمنية يصعب تحقيقها منفردة. وبذلك، يتحول الملف اليمني من مجرد ساحة مواجهة مع جماعة مسلحة إلى ورقة ضغط سياسية لإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة.
وعلى نقيض الرؤية الإسرائيلية، ورغم إدراك السعودية لحجم التهديد الحوثي، فإنها تتمسك بموقفها المعلن بأن التطبيع لا يمكن أن يسبق حلًا عادلًا للقضية الفلسطينية، وهو ما تؤكده المملكة في أكثر من محفل رسمي. وهي تعي أشد الوعي أن أي انتقال من التعاون الأمني إلى تطبيع رسمي يحمل كلفة سياسية وإقليمية كبيرة، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة وما خلفته من غضب واسع في الشارع العربي والإسلامي والغربي على حد سواء.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة إسرائيل على تقديم عروض عسكرية للسعودية، بل بقدرتها على تغيير الحسابات السياسية للمملكة. حتى الآن، لا تشير المواقف السعودية المعلنة إلى وجود استعداد للتخلي عن شروطها الأساسية مقابل ترتيبات أمنية، مهما بلغت أهميتها.
من جهة أخرى، تكشف هذه التطورات أن الحرب في اليمن لم تعد مجرد معركة لاستعادة الدولة أو مواجهة الحوثيين، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي المقبل؛ فكل طرف يحاول استثمار هذه الحرب بما يخدم مصالحه وأهدافه وغاياته، لتحقيق أهداف تتجاوز حدود اليمن. فإيران تريد تعزيز نفوذها وتوسيع دائرة الضغط الملاحي ومنافذ الوقود البحرية، بما يخدم وضعها في مجابهة الرئيس الأمريكي ترامب في حربه ضدها، أما إسرائيل فتسعى جاهدة لتمهيد الطريق أمام التطبيع الرسمي مع الدولة العربية الأكثر تأثيرًا في العالمين العربي والإسلامي.
باختصار، تكشف التطورات المرتبطة بالحرب مع الحوثيين كيف أصبحت الأزمات الأمنية في المنطقة جزءًا من حسابات سياسية أوسع، تتجاوز حدود المواجهة العسكرية إلى إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية. وفي النهاية، قد تكون الحرب ضد الحوثيين معركة عسكرية على الأرض، لكنها في الوقت نفسه معركة سياسية تدور خلف الكواليس، تحاول فيها إسرائيل تحويل الخطر الحوثي إلى فرصة استراتيجية؛ فهل ستنجح في ذلك، أم أن الموقف السعودي سيبقى حاجزًا أمام هذا المسار، مهما تغيرت الظروف الإقليمية؟



