أين قيم أكتوبر وأهدافها ومشروعها في خطابات اليوم؟
هل انتكست الثورة، أم انتكس بعض من يرفعون شعاراتها؟
أين قيم وأهداف ومشروع ثورة الرابع عشر من أكتوبر في الخطابات السياسية التي نسمعها اليوم؟ وأين ذلك الحلم الذي التف حوله المناضلون من مختلف الاتجاهات، وضحوا من أجله بأرواحهم وأعمارهم، من أجل تحرير الأرض والإنسان، وبناء وطن تسوده العدالة والمساواة والكرامة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ونحن نستمع إلى خطابات تتحدث باسم الجنوب وقضيته، بينما تعيدنا مضامينها إلى الانقسام والتنازع على النفوذ، وإلى استدعاء الولاءات الضيقة التي كان يفترض أن تتجاوزها الثورة، لا أن تعود لتجد مكانها في واقعنا السياسي.
لقد استمعنا إلى خطاب عيدروس الزبيدي من أبوظبي، فوجدنا أنفسنا أمام خطاب لا يخرج، في تقديري، عن دائرة الشعارات التي تكررت حتى ملّها الناس، دون أن تقدم إجابة مقنعة عن معاناة المواطن أو عن كيفية استعادة الدولة وتوحيد الصفوف. والأهم من ذلك: هل يعبر هذا الخطاب عن مشروع وطني جامع، أم عن مشروع سياسي خاص يسعى إلى حشد الأنصار حول قيادة بعينها؟
إن القضية ليست في أن يختلف الناس مع هذا الخطاب أو يتفقوا معه، فذلك حق سياسي مشروع، وإنما في أن نسأل عن موقع قيم أكتوبر وأهدافها من هذه الخطابات، وعن مدى انسجامها مع حلم أولئك الذين قدموا حياتهم من أجل وطن لا يحتكره فرد أو جماعة أو منطقة.
هل سقطت أكتوبر من حسابات بعض من يتحدثون باسمها، وأصبح لهم مشروع آخر؟ أم أنهم انتكسوا عن قيمها وأهدافها، حتى باتت الثورة نفسها تدفع ثمن انتكاستهم؟
إنه سؤال لا يستهدف مصادرة حق أحد في العمل السياسي، ولا إنكار تضحيات أي طرف، لكنه يضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية. فمن حقنا أن نحاسب الخطاب السياسي على ما يطرحه من أهداف، وعلى ما ينتجه من مواقف وممارسات، لا على الشعارات التي يرفعها وحدها.
فثورة الرابع عشر من أكتوبر لم تكن مجرد معركة لطرد المستعمر البريطاني، بل كانت في وعي أجيال من المناضلين مشروعًا للتحرر من الاستبداد والتمييز والإقطاع، ومن أشكال الهيمنة التي تصادر إرادة الإنسان وحقوقه. وقد شارك في مسيرتها مناضلون من اتجاهات سياسية متعددة، من الجبهة القومية وجبهة التحرير وغيرها، جمعتهم مواجهة الاستعمار، رغم اختلافاتهم في الرؤية والتنظيم.
لكن ماذا بقي من ذلك المشروع حين يتحول العمل السياسي إلى اصطفاف حول الأشخاص، وحين تتقدم الولاءات الفئوية والمناطقية على المواطنة، وحين تصبح الحشود معياراً للقوة، بدلاً من أن تكون البرامج والمؤسسات والقدرة على خدمة الناس هي معيار الشرعية السياسية؟
وماذا بقي من أهداف الثورة حين يعيش المواطن في الفقر والحرمان، بينما تتسع الفجوة بين معاناته وما يظهر من مظاهر الثراء والنفوذ لدى بعض المتصدرين للمشهد؟ وحين تصبح حاجة الناس إلى المساعدة مدخلاً لحشدهم في التجمعات السياسية، بدلاً من أن تكون حافزاً لبناء اقتصاد يوفر لهم العمل والحياة الكريمة؟
إن من حق المواطن أن يسأل عن مصادر الثروة، وعن المال العام، وعن أوجه الإنفاق، وعن أسباب استمرار العوز في مجتمع يمتلك من الموارد والإمكانات ما يستحق أن يحظى بحياة أفضل. وليس من الوفاء لشهداء أكتوبر أن يتحول الفقراء إلى أرقام في الحشود، أو أن تقاس مكانة القيادات بعدد من يصفقون لها، بينما تظل قضايا الناس معلقة.
ثم كيف يمكن أن نتحدث عن الانتصار على الحوثي، فيما تتعدد المشاريع والقيادات، وتتنازع الأطراف القرار، وتظل الجبهات بحاجة إلى تنسيق عسكري وعملياتي موحد؟ وكيف نطالب الناس بالتضحية من أجل الوطن، فيما تعجز القوى السياسية عن الاتفاق على مشروع وطني يضع استعادة الدولة فوق الحسابات الخاصة؟
إن تعدد الآراء ليس عيباً، والاختلاف السياسي ليس خيانة، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى صراع على احتكار القضية الوطنية، وعندما تصبح كل جماعة صاحبة الحق المطلق، وكل من يخالفها موضع اتهام أو إقصاء. عندها لا يعود الخلاف وسيلة لإثراء الحياة السياسية، بل يتحول إلى عامل إضافي في تمزيق الوطن وإضعاف قدرته على مواجهة خصومه.
إن انتكاسة بعض القوى عن أهداف الثورة لا تعني أن الثورة نفسها قد ماتت، لكنها تعني أن قيمها تعرضت للانتكاس في واقع من يفترض أنهم يحملون إرثها. فالفرق كبير بين مشروع وطني لم يفقد صلاحيته، وبين ممارسات سياسية ابتعدت عنه، وبين ثورة ما زالت قيمها قادرة على إلهام الأجيال، وقيادات لم تعد خطاباتها تجيب عن تطلعات الناس.
أكتوبر ليست ملكاً لمن يرفع اسمها في خطاب، ولا صكاً يمنح أحداً حق احتكار تمثيل الجنوب. إنها إرث وطني وتاريخ من التضحيات، ومسؤولية تقتضي أن يكون المعيار هو مدى الالتزام بالحرية والعدالة والمواطنة والشراكة، لا حجم الحشد ولا قوة الدعاية ولا الولاء للأشخاص.
ولذلك، فإن السؤال الذي نطرحه اليوم ليس مجرد عتاب على خطاب هنا أو موقف هناك، بل هو دعوة إلى مراجعة جادة: هل ما زلنا نتحرك في اتجاه أهداف أكتوبر، أم أننا نعيد إنتاج الظروف التي ثار من أجل تغييرها؟
إن الوفاء لأكتوبر يقتضي أن تتحرر السياسة من عبادة الأشخاص، وأن تتحرر القضية الوطنية من الاحتكار، وأن يصبح المواطن غاية المشروع السياسي لا وسيلة للوصول إلى السلطة. ويقتضي أن تتوحد الجهود لاستعادة الدولة، وأن تخضع الثروة للمساءلة، وأن تقوم العلاقة بين أبناء الوطن على المواطنة المتساوية، لا على الانتماءات الضيقة.
فأين أكتوبر من خطابات اليوم؟
إذا كانت هذه الخطابات لا تقدم مشروعاً جامعاً، ولا تحمي كرامة المواطن، ولا تقربنا من الدولة التي حلم بها المناضلون، فمن حقنا أن نتساءل: هل تخلّى أصحاب هذه الخطابات عن مشروع أكتوبر، أم أنهم انتكسوا عنه حتى أصبحت الثورة غريبة في خطاب من يفترض أنهم يتحدثون باسمها؟
أكتوبر لم تسقط ما دامت قيمها حية في ضمير الناس، لكن الخطر أن يسقط مشروعها من حسابات من يتحدثون باسمها، وأن تتحول ذكراها إلى غطاء لمشاريع أخرى.
وحين تنتكس القيادات عن أهداف الثورة، لا يجوز أن نحكم على الثورة بالانتكاس؛ بل يجب أن نستعيد أهدافها، ونحاسب من ابتعد عنها، ونواصل النضال من أجل وطن تحرر أرضه، وتحرر معه الإنسان من الفقر والخوف والتبعية والإقصاء.



