الأربعاء 14 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • في الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر (من التحرر من الاستعمار إلى تمزيق الوطن)

في الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر (من التحرر من الاستعمار إلى تمزيق الوطن)

لم تندلع ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 لتستبدل سيادة الاستعمار البريطاني بوصايات جديدة، ولم يصعد راجح بن غالب لبوزة ورفاقه جبال ردفان حاملين أرواحهم على أكفهم، كي يصبح اليمن، بعد عقود من الاستقلال، ساحة مفتوحة للحروب والانقسامات ومشروعات النفوذ الإقليمي. لقد ثاروا من أجل الحرية والكرامة والسيادة الوطنية، ومن أجل أن يستعيد اليمنيون حقهم في تقرير مصيرهم، وأن يبنوا وطنًا لا يستعبد فيه الإنسان باسم الدين أو السلالة أو المنطقة أو الحزب، ولا يُصادر فيه حق الشعب في اختيار حكامه ومحاسبتهم.

وها نحن نستقبل الذكرى الثالثة والستين لهذه الثورة المجيدة، فيما تتنازع اليمن سلطات الأمر الواقع، وتتعدد مراكز القوة والقرار، وتتآكل مؤسسات الدولة، وتتصدع الروابط الوطنية، حتى باتت الجغرافيا التي تحررت بدماء اليمنيين مهددة بالتشظي، وباتت الوحدة التي تحققت في الثاني والعشرين من مايو 1990 موضع نزاع بعد أن أُصيبت في خاصرتها بحربين مدمرتين: حرب صيف 1994، ثم الحرب التي اندلعت في مارس 2015، وما ترتب عليها من تدخلات خارجية وانقسامات داخلية ما تزال تدفع البلاد أثمانها الباهظة.

في هذه الذكرى، لا يكفي أن نرفع صور الشهداء، ولا أن نتبادل عبارات التمجيد، ولا أن نتغنى بملاحم التحرر والاستقلال. إن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي أن نسأل أنفسنا بصدق وشجاعة: ماذا بقي من أهداف أكتوبر؟ وأي معنى للتحرر إذا فقد المواطن حقه في اختيار حكامه؟ وما قيمة الاستقلال إذا أصبح القرار الوطني موزعًا بين سلطات متنازعة ومراكز نفوذ تتقاطع مصالحها مع حسابات الخارج؟ وأي وفاء للثورة إذا كان اليمنيون الذين اتحدوا في مواجهة الاستعمار يتقاتلون اليوم على وطن كان يفترض أن يكون ملكًا لجميع أبنائه؟

لم تكن ثورة الرابع عشر من أكتوبر حدثًا معزولًا عن مسيرة النضال اليمني، بل كانت امتدادًا تحرريًا لثورة السادس والعشرين من سبتمبر، والتقاءً تاريخيًا بين إرادتين وطنيتين واجهتا الاستبداد والاستعمار، وسعتا إلى تحرير الإنسان اليمني من منظومات القهر والامتيازات الموروثة. وقد توّج الكفاح المسلح في الجنوب الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر 1967، بعد 129 عامًا من السيطرة البريطانية على عدن ومناطق جنوبية، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ اليمن، بما حملته من آمال بناء الدولة، وما شهدته أيضًا من صراعات وتجارب وإخفاقات.

وكانت وحدة اليمن السياسية في الثاني والعشرين من مايو 1990 إحدى أهم ثمار ذلك المسار التاريخي، إذ جسدت حلمًا وطنيًا طال انتظاره، وأعادت وصل ما فرقته ظروف التاريخ والسياسة. غير أن الوحدة، مهما كانت عظيمة في رمزيتها، لم تكن ضمانة تلقائية لقيام دولة عادلة؛ فقد كان نجاحها يتوقف على تحويلها إلى عقد مواطنة متساوية، وشراكة حقيقية في السلطة والثروة، ودولة مؤسسات تحتكم إلى الدستور والقانون، وتتيح التعددية والتداول السلمي للسلطة.

وهنا بدأت المأساة؛ إذ لم تتمكن القيادة السياسية من تحصين الوحدة بمؤسسات ديمقراطية راسخة، ولم تُحسم الخلافات بين شريكيها بالحوار والضمانات الدستورية. وبدلًا من أن تكون الشراكة أساسًا لإدارة الاختلاف، أخذت الصراعات تتفاقم، حتى انفجرت حرب صيف 1994، التي شكلت منعطفًا خطيرًا في تاريخ الوحدة اليمنية، وخلّفت آثارًا سياسية واجتماعية عميقة، ولا سيما في الجنوب.

لقد أخطأت السلطة التي قادها الرئيس السابق علي عبدالله صالح حين لجأت إلى الحسم العسكري في مواجهة أزمة سياسية كان ينبغي أن تُعالج بالتفاوض واحترام الشراكة. ولم تكن نتيجة الحرب نهايةً للخلاف، بل بدايةً لجراح جديدة؛ فبعد أن انتهت المواجهات بانتصار عسكري لطرف، كان الواجب أن تبدأ مرحلة جادة من المصالحة الوطنية وإعادة بناء الثقة، وأن تُعالج المظالم، وتُصن الحقوق، ويُمنع تحويل نتائج الحرب إلى امتيازات دائمة. لكن ذلك لم يتحقق بالقدر الذي يعيد الثقة ويغلق أبواب الاحتقان، فتراكمت المظالم واتسعت الفجوة بين قطاعات من أبناء الجنوب والدولة التي كان يفترض أن تمثلهم جميعًا.

إن أخطر ما في حرب 1994 لم يكن ما خلفته من خسائر بشرية ومادية فحسب، بل ما أصاب فكرة الوحدة من جرح في الوجدان الوطني. فقد شعر كثير من الجنوبيين بأن الشراكة التي قامت عليها الوحدة قد اختلت، وأن نتائج الحرب لم تُترجم إلى عدالة ومساواة، بل إلى واقع سياسي لم يستطع استيعاب مخاوفهم ومطالبهم. ومن الظلم أن نطالب أصحاب المظالم بنسيانها لمجرد أن الوحدة هدف وطني، كما أنه من الخطأ أن نحكم على الوحدة كلها بالفشل بسبب ممارسات سياسية ألحقت بها أضرارًا جسيمة.

فالوحدة ليست مقدسة لأنها اسم سياسي، وإنما تستمد مشروعيتها من قدرتها على تحقيق العدل والمساواة وحماية الحقوق. وإذا اختل هذا المعنى، فإن الدفاع عنها لا يكون بإنكار المظالم أو تخوين المطالبين بإنصافهم، بل بإصلاح الدولة وإعادة الاعتبار للمواطنة المتساوية. كما أن معالجة المظالم لا تقتضي بالضرورة الانفصال، ولا تمنح أي قيادة حق مصادرة رأي الجنوبيين أو احتكار الحديث باسمهم. فالخلاف على شكل الدولة ومستقبل الوحدة ينبغي أن يُحسم بالحوار الحر والاختيار السياسي السلمي، لا بالسلاح أو الإكراه أو فرض الأمر الواقع.

ثم جاءت أحداث عام 2011 لتفتح نافذة تاريخية أمام اليمنيين للخروج من أزمة الحكم الفردي والانتقال إلى دولة تقوم على التوافق والمشاركة. وقد أفضى المسار الانتقالي، الذي قاده الرئيس عبدربه منصور هادي، إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي أقر مخرجات مهمة كان يمكن أن تشكل أساسًا لبناء دولة جديدة، ومعالجة القضية الجنوبية، وتوزيع السلطة، ووضع ضمانات دستورية تحول دون إعادة إنتاج الاستبداد.

غير أن هذا المسار ظل هشًا، ولم تتمكن القوى السياسية من تحصينه بمؤسسات قادرة على تنفيذ مخرجاته وحماية الانتقال السلمي. وتداخلت فيه حسابات القوى القديمة والجديدة، وتضاربت المصالح، وتعثرت معالجة الأزمات الاقتصادية والأمنية، فيما لم تنجح القيادة الانتقالية في بناء سلطة مؤسسية متماسكة تستعيد ثقة المواطنين وتمنع انزلاق البلاد نحو الصدام. وهكذا ضاعت فرصة تاريخية كان ينبغي أن تكون امتدادًا سلميًا لأهداف سبتمبر وأكتوبر، لا مدخلًا إلى حرب جديدة.

وجاء استيلاء جماعة أنصار الله على صنعاء في سبتمبر 2014 ليشكل ضربة قاصمة للعملية السياسية الانتقالية، ثم اتسع الانهيار مع فرض ترتيبات سياسية بالقوة، وتعطيل مؤسسات الدولة، وتوسيع السيطرة العسكرية خارج إطار التوافق الوطني. ولم يكن لأي جماعة، مهما كانت مظالمها أو شعاراتها أو حجم أنصارها، أن تستبدل إرادة اليمنيين بإرادتها، أو أن تتعامل مع العاصمة ومؤسسات الدولة باعتبارها ملكًا خاصًا بها. فالمظالم لا تمنح أحدًا حق الانقلاب على التوافق، والقوة العسكرية لا تصنع وحدها شرعية دستورية، والادعاء بتمثيل الشعب لا يغني عن حقه في الاختيار والمحاسبة.

وتتحمل قيادة أنصار الله مسؤولية سياسية وتاريخية مباشرة عن القرارات التي قادت إلى تقويض المسار الانتقالي وفرض واقع جديد بالقوة. وكان بإمكانها أن تجعل من مشاركتها السياسية وسيلة لتصحيح الاختلالات وتحقيق الشراكة، لكنها اختارت مسارًا انتهى إلى توسيع الصراع وتقويض الثقة بين المكونات الوطنية. كما أن إخضاع مؤسسات الدولة لسلطة الأمر الواقع، وتغليب الولاء للجماعة على قواعد المواطنة والمؤسسات، لا يمكن تبريره بشعارات الثورة أو مواجهة الفساد أو الدفاع عن السيادة. فالدولة التي تقوم على احتكار القرار والسلاح لا تختلف في جوهر أزمتها عن أي نموذج استبدادي، مهما اختلفت شعاراته ومرجعياته.

ولا تقل مسؤولية الرئيس السابق علي عبدالله صالح عن خطورة ما سبق، فقد تحالف مع أنصار الله بعد سنوات من الصراع معهم، في تحالف جمعته حسابات السلطة وموازين القوة، وأسهم في توسيع دائرة الانهيار السياسي والعسكري. وكان يفترض برجل حكم اليمن عقودًا أن يدرك أن الدولة ليست ملكًا شخصيًا، وأن الخلاف مع خصومه لا يبرر الدخول في ترتيبات تقوض العملية الانتقالية وتفتح البلاد أمام صراع لا يمكن التحكم في نتائجه. إن المسؤولية التاريخية لا تُمحى بتغير التحالفات، ولا يعفي صاحب السلطة من الحساب أن يرفع لاحقًا شعارات تخالف ما أسهم في صنعه بالأمس.

ثم جاءت حرب مارس 2015، بعد توسع الصراع الداخلي وتدخل التحالف العسكري بقيادة السعودية، لتدخل اليمن مرحلة أشد تعقيدًا ودمارًا. فقد أسهم التدخل الخارجي، إلى جانب قرارات القوى اليمنية المتصارعة، في تدويل الحرب وتوسيع نطاقها، فيما تعمقت التدخلات الإقليمية، بما فيها تدخل إيران ودعمها لأنصار الله، وتداخلت مصالح القوى الخارجية على نحو جعل اليمن ساحة لصراع يتجاوز حدوده.

وهكذا أصبح اليمنيون يدفعون ثمن صراع لم يعودوا يملكون وحدهم مفاتيح إيقافه. فأنصار الله يتمسكون بسلطة فرضوها بالقوة، والسلطات المناهضة لهم أخفقت في بناء نموذج موحد وفعّال للحكم، فيما تداخلت حسابات بعض القوى الإقليمية مع مصالح حلفائها المحليين. وتعرضت مؤسسات الدولة للتفكك، وتعددت التشكيلات المسلحة ومراكز النفوذ، وتراجعت الخدمات، واتسعت رقعة الفقر والنزوح، وتضررت حياة ملايين المواطنين.

ولا يجوز أن تتحول عبارة "استعادة الشرعية": إلى غطاء دائم للإخفاق في بناء الدولة، كما لا يجوز أن تصبح عبارة :مواجهة العدوان" مبررًا لاحتكار السلطة ومصادرة الحريات. فالشرعية مسؤولية قبل أن تكون صفة سياسية، والسيادة ليست شعارا يرفعه طرف، بل قدرة الدولة على حماية مواطنيها واستقلال قرارها. ومن يطالب اليمنيين بالالتفاف حوله، عليه أن يقدم نموذجا في النزاهة والكفاءة واحترام القانون، وأن يوحد المؤسسات العسكرية والأمنية، ويحارب الفساد، ويضع حدًا لتعدد مراكز القرار والولاءات.

أما القوى التي انضوت في المعسكر المناهض لأنصار الله، فإن انقسامها وتضارب مصالحها وتعدد تشكيلاتها المسلحة أضعف قدرتها على تقديم مشروع وطني جامع. ولم يعد كافيًا أن ترفع بعض هذه القوى شعار الجمهورية أو الوحدة أو استعادة الدولة، بينما تعجز عن توحيد قرارها، وتترك مؤسساتها عرضة للمحاصصة والفساد والتجاذبات، أو ترتبط حساباتها السياسية والعسكرية بأطراف خارجية. فالمواطن الذي يعاني الجوع وانقطاع الخدمات وانعدام الأمن لا يستطيع أن يعيش على الشعارات، ولا تُقاس شرعية أي سلطة بما تعلنه عن نفسها، بل بما تقدمه للناس وما تخضع له من مساءلة.

وفي الجنوب، لا يمكن فصل تصاعد الدعوات الانفصالية عن المظالم المتراكمة منذ حرب 1994، وعن إخفاق السلطات المتعاقبة في معالجة القضية الجنوبية معالجة عادلة. لكن الاعتراف بهذه المظالم لا يعني منح أي تنظيم حق احتكار القضية، أو افتراض أن جميع أبناء المحافظات الجنوبية يتبنون موقفًا سياسيًا واحدًا. فالجنوبيون، شأنهم شأن سائر اليمنيين، أصحاب آراء وتوجهات متعددة، ولا يجوز اختزالهم في قيادة أو حزب أو تشكيل مسلح.

وقد بلغ التنازع على الهوية حد تداول مسمى "الجنوب العربي" في بعض الخطابات والمشاريع السياسية، وهو ما يكشف عمق التحول الذي أصاب الخطاب المتصل بمستقبل الجنوب. وليس من الحكمة مواجهة هذه التحولات بالتخوين أو الإنكار، بل بفهم أسبابها السياسية والتاريخية، ومعالجة المظالم التي غذّتها، وفتح حوار وطني جاد حول شكل الدولة ومستقبل العلاقة بين مكوناتها. غير أن من حق اليمنيين أيضًا أن يناقشوا بوضوح ما إذا كانت إعادة رسم الهويات والحدود ستنهي الصراعات فعلًا، أم أنها قد تفتح أبوابًا جديدة للنزاع على الأرض والثروة والتمثيل والحقوق.

إن القضية الجنوبية ليست مؤامرة يجوز إنكارها، وليست في الوقت نفسه تفويضًا مطلقًا لأي طرف ليتحدث باسم الجنوب كله. إنها قضية سياسية وحقوقية تستوجب الاعتراف بالمظالم وجبر الضرر وضمان الشراكة العادلة، مع حماية حقوق جميع المواطنين في أي صيغة سياسية يتوافقون عليها. فلا عدالة في وحدة تقوم على الإكراه، ولا عدالة في انفصال يُفرض بالقوة أو يتجاهل حقوق المخالفين، ولا مستقبل مستقرًا يمكن أن يقوم على تبادل الإقصاء بين الشمال والجنوب.

وإذا كان الحزب الاشتراكي اليمني قد أدى دورًا بارزا في الكفاح التحرري وبناء دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بما حققته تلك التجربة من إنجازات اجتماعية وتعليمية وقانونية، وما أتاحته للمرأة من حضور في الحياة العامة، إلى جانب ما شهدته من صراعات داخلية وأخطاء سياسية وأحداث دامية. فلا التقديس المطلق ينصف التاريخ، ولا التشويه الشامل يقدم قراءة موضوعية له.

كما لا يصح اختزال ثورة أكتوبر في الحزب الاشتراكي وحده، على الرغم من مكانته التاريخية في الحركة الوطنية الجنوبية، فالثورة ملك للشعب الذي احتضنها وقدم تضحياتها. ومن حق الحزب أن يعتز بإرثه النضالي، كما أن من حق اليمنيين نقد تجربته ومراجعة إخفاقاتها. لكن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى حملات اغتيال معنوي أو تصفية حسابات شخصية، كما لا يجوز استخدام التاريخ النضالي حصانة تمنع المساءلة. فالأحزاب التي تدافع عن الديمقراطية مطالبة بأن تمارسها داخل تنظيماتها، وأن تتقبل النقد، وتتيح تداول القيادة، وتقدم برامج قابلة للمحاسبة، لا أن تجعل أمجاد الماضي بديلًا عن استحقاقات الحاضر.

إن ما تكشفه هذه التجارب جميعًا هو أن أزمة اليمن أعمق من مجرد خلاف بين أطراف متحاربة؛ إنها أزمة في مفهوم الدولة، وفي العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفي استعداد القوى السياسية للاعتراف بحق الآخرين في المشاركة. فقد تعاملت قوى عديدة مع الدولة باعتبارها غنيمة لمن ينتصر، لا مؤسسة عامة تحمي الجميع. وبدلًا من الاحتكام إلى الدستور والانتخابات، جرى اللجوء إلى السلاح، وبدلًا من حل الخلافات بالحوار، فُرضت وقائع جديدة بالقوة، وبدلًا من بناء مؤسسات وطنية موحدة، تكاثرت مراكز النفوذ والولاءات المتنافسة.

والأشد خطورة أن كل طرف يقدم نفسه بوصفه صاحب الحق الكامل، ويلقي بمسؤولية الكارثة على خصومه، بينما يتردد في مراجعة أخطائه والاعتراف بما ارتكبه من تجاوزات. هذا يرفع شعار الجمهورية، وذاك يتحدث باسم الوحدة، وثالث يرفع راية استعادة الدولة، ورابع يجعل تقرير المصير عنوانًا لمشروعه؛ لكن المواطن يظل غائبًا عن مركز القرار، وتظل حقوقه مؤجلة، فيما تتسع المسافة بين الشعارات والواقع.

ولذلك، ينبغي أن نقول بوضوح: لا أحد يملك اليمن، ولا يحق لأي جماعة أن تحتكر الدولة، ولا لأي حزب أن يحتكر الثورة، ولا لأي قيادة أن تصادر إرادة منطقة بأكملها. ولا تمنح المظلومية أصحابها حق ظلم الآخرين، كما لا تمنح الانتصارات العسكرية أصحابها حق إلغاء المهزومين. ولا تستطيع أي سلطة أن تدعي تمثيل الشعب ما لم تقبل بمبدأ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة، وحق المواطنين في الاعتراض والمحاسبة.

إن المسؤولية الوطنية تقتضي محاسبة كل طرف على أفعاله وقراراته، لا على شعاراته وحدها. من انقلب على التوافق يتحمل مسؤولية انقلابه، ومن لجأ إلى الحرب يتحمل مسؤولية اللجوء إليها، ومن انتهك الحقوق يتحمل مسؤولية الانتهاكات، ومن استقوى بالخارج يتحمل مسؤولية ما ترتب على ارتهان القرار الوطني، ومن أخفق في إدارة المناطق الخاضعة لسلطته لا يستطيع أن يتهرب من الحساب بحجة أنه يقاتل خصمًا آخر. ولا يجوز أن تكون جرائم طرف ذريعة لتبرئة طرف ثانٍ، أو أن تتحول أخطاء الماضي إلى ترخيص مفتوح لتكرارها.

وفي الذكرى الثالثة والستين لثورة أكتوبر، لا بد من استعادة المعنى الحقيقي للتحرر. فقد قاوم اليمنيون الاستعمار البريطاني لأنهم رفضوا أن يقرر الآخرون مصيرهم، وليس من المنطقي أن نحتفي بتلك المقاومة ثم نقبل أن تُختزل إرادتنا اليوم في قرارات جماعات مسلحة أو حسابات عواصم إقليمية. فالاستقلال لا يكتمل إلا بسيادة الشعب، والجمهورية لا تستقيم إلا بالمواطنة، والوحدة لا تصمد إلا بالعدالة، والسلام لا يدوم إلا حين يشعر الناس بأن حقوقهم مصونة وأن مستقبلهم ليس رهينة لإرادة المتغلب.

إن الطريق إلى الخروج من هذه الكارثة يبدأ بوقف الحرب والعودة إلى تسوية سياسية شاملة، تقوم على الاعتراف المتبادل، وتستوعب مختلف القوى والمكونات، وتعيد الاعتبار لمخرجات الحوار الوطني ومبادئ الانتقال السلمي، مع مراجعة ما ثبت تعثره من ترتيبات، ووضع ضمانات دستورية ومؤسسية تمنع احتكار السلطة والسلاح والثروة. كما يتطلب معالجة القضية الجنوبية وسائر المظالم الوطنية معالجة جادة، وإقرار آليات للعدالة الانتقالية تكشف الحقيقة، وتنصف الضحايا، وتجبر الضرر، وتضمن عدم تكرار الانتهاكات.

ولا بد من استعادة مؤسسات الدولة على أسس وطنية ومهنية، وتوحيد القرارين العسكري والأمني، وإخضاع الموارد العامة للرقابة والمساءلة، وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات، وإطلاق حوار مجتمعي يرمم ما تصدع من الثقة بين اليمنيين. وينبغي أن يكون مستقبل شكل الدولة موضع توافق سياسي حر، لا نتيجة إملاء عسكري أو وصاية خارجية، وأن تُحمى حقوق المواطنين وحرياتهم في جميع الأحوال، مهما كانت الصيغة السياسية التي يتوافق عليها اليمنيون.

في هذه الذكرى، لا أكتب للتمجيد وحده، بل للتحذير من أن الثورات التي لا تتحول إلى مؤسسات عادلة قد تصبح مجرد ذكريات تستثمرها القوى المتصارعة في صراعاتها. ولا أستحضر راجح لبوزة ورفاقه لأضيف أسماءهم إلى قوائم الاحتفال، بل لأتساءل: هل يرضى الذين استشهدوا من أجل حرية اليمن أن يتحول وطنهم إلى مناطق نفوذ، وأن يصبح المواطن تابعًا لسلطة لا يختارها، وأن يُستدعى التاريخ لتبرير انقسام المجتمع بدلًا من توحيد إرادته؟

إن الوفاء لأكتوبر ليس أن نطالب الناس بنسيان جراحهم، بل أن نعمل على مداواتها بالعدل. وليس أن نرفع شعار الوحدة بينما نتجاهل أسباب تصدعها، بل أن نجعلها شراكة حقيقية تحفظ كرامة الجميع. وليس أن ندين خصومنا وحدهم، بل أن نمتلك الشجاعة لمراجعة أخطائنا وأخطاء القوى التي نؤيدها. فالأوطان لا تُبنى بالانتقام، ولا تُحمى بالتخوين، ولا تستعيد عافيتها بإعادة إنتاج الاستبداد تحت أسماء جديدة.

يا أبناء اليمن، لقد ثار أجدادنا على الاستعمار لأنهم أرادوا أن يكونوا أحرارًا في وطنهم. فلا تجعلوا خلافات الحاضر تهدر تضحيات الماضي، ولا تسمحوا للقوى المتصارعة أن تحول الاختلاف السياسي إلى عداوة بين أبناء المجتمع الواحد. إن اليمن أكبر من أحزابه وجماعاته، وأبقى من سلطاته المتعاقبة، وأوسع من خرائط النفوذ التي تُرسم فوق أرضه. ولن يستعيد عافيته إلا حين يصبح المواطن مصدر السلطة، والقانون مرجع الحكم، والعدالة أساس الشراكة، والسلام خيارًا وطنيًا لا هدنة مؤقتة بين حربين.

ستظل ثورة الرابع عشر من أكتوبر علامة مضيئة في تاريخ اليمن، لكن الوفاء الحقيقي لها لا يُقاس بعلو الهتافات، بل بقدرتنا على إنقاذ الوطن الذي قامت من أجله. فلا استقلال بلا سيادة شعبية، ولا جمهورية بلا مواطنة متساوية، ولا وحدة عادلة بلا إنصاف، ولا سلام مستدام بلا مساءلة. أما اليمن، فلن يكون وطنًا لجميع أبنائه ما دام فريق يريد احتكاره، وآخر يريد تقسيمه، وثالث يستقوي بالخارج، ورابع يرفض الاعتراف بمسؤوليته. لقد آن الأوان أن ينتصر اليمنيون للدولة، قبل أن ينتصر كل طرف لنفسه؛ فالأوطان لا تنجو بانتصار المتصارعين، بل بانتصار الحق في حياة حرة وكريمة للجميع.