الثلاثاء 13 أكتوبر 2026

الخوف.. وما أدراك ما الخوف؟!

"وما الخوف إلا ما يتخوفه الفتى
ولا الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا"
«المتنبي»

حقيقة الخوف.. هو ما يخافه الإنسان، حتى ولو لم يكن خوفًا! فمن خاف شيئًا غير مُخيف، يصبح خوفًا! وهو ما ينطبق على الأمن أيضًا، فمن شعر بالأمن، حتى لو لم يكن آمنًا، سيصبح آمنًا! وهذا هو جوهر معنى قول معشوقي "المُتنبي" ببيته الشعرية المذكورة آنفًا!
ولأن المليشيات الحُوثية ربما عرف بعض المعينين بها خاصة خارج الوطن عن هذا المفهوم للخوف، فإنها تبدأ بنشر الخوف ومن خلال نشر مختلف الأكاذيب والتضليلات الإعلامية بمختلف شبكات التواصل الاجتماعي والسوشيل ميديا بوجه عام..

إضافة إلى معرفة كل اليمنيين بمدى البطش والقهر والقتل والسلب والنهب وغيرها من (الموبقات) التي تمتاز بها هذه الميليشيات متفوقة بذلك على شقيقها الإرهابي الكبير: "نتنياهو".. فقد جاء الخوف مُضاعفًا لدى بعض الجُبناء أو لدى الخائفين على أموالهم وممتلكاتهم.. كلما احتلت الميليشيات الحوثية هذه مدينة أو قرية خاصة بمحافظة تعز العظيمة عرضًا وجوهرًا.

ومن ذلك ما حدث عند دخول "تتار العصر" مدينة المخا، إلا أن سرعة ذهاب المواطنين منها خاصة سهولة احتلال المخا دون إطلاق رصاصة واحدة! بسبب الخوف وما ظل كامنًا في النفوس من تصرفات المليشيات الحوثية المَشِينة.. أقول.. سرعة ذهاب المواطنين من المدينة كان من أهم أسباب إعطاء المليشيات رغم قلة عددها، دافعًا لسرعة التواجد بها والسيطرة عليها، بل أعطاها شعورًا بالقوة رغم حقيقة ضعفها! وهو ما تكرر ولا يزال ببعض مناطق بالحجرية وغيرها، مع أن خيانة البعض من نفس أبناء المخا ومن تلك المناطق ولأسباب حزبية أو مادية أو ثارات شخصية بين بعض الوجاهات مع بعضها البعض أو غير ذلك كانت هي السبب الأول في سيطرة المليشيات وليس قوتها! وبالتأكيد يستحيل نسيان محاسبة هؤلاء الخونة ومعرفة أسباب سقوط مناطقهم وفي مقدمتها المخا.. وهي باتت معروفة خاصة لدى قيادة الشرعية وقادة الجيش اليمني..

ما اود التأكيد عليه هنا، هو مدى غريزة (الخوف) والذي يشعر بها أحيانًا بعض المقاتلين الشجعان! خاصة عند اكتشافهم بوجود خيانات لدى بعض قادتهم في الميدان؟! وهو ما قد حدث ببعض الجبهات!

لذا، يمكن القول إن (الخوف) حينما يسيطر على الإنسان ينسى أن (الموت) لا بد منه إن عاجلًا أم آجلًا، مع أنه لا بد أن يفيق ويعرف أن (الموت) لا بد منه، لكي يحس بقرارة نفسه أن من الحماقة الموت خوفًا أو جُبنًا، أو استسلامًا أو خيانة أو هروبًا، ويتذكر قول معشوقي "المُتنَبي":

"وإذا لم يكن من الموت بُدٌّ

فمن العجز أن تموت جبانًا"

وفي نفس الوقت فإن الشجاعة بدون تروي وعدم استخدام العقل والتفكير والتدبر، قد تأتي النتيجة وخيمة وتتضاعف الخسائر!

فأهمية استخدام العقل وحُسن التخطيط والتدبر وأهمية اجتماع العقل والشجاعة معًا، يجب أن يسبق الإقدام، حتى يمكن تحقيق الانتصار بحسن الاستعداد واستخدام العقل ليتم طعن العدو بذلك قبل طعنه بالرصاص، ومرة أخرى استحضر معشوقي "المُتنبي" ليصف ما قلته نثرًا، شعرًا.. فيقول:

"الرأي قبل شجاعة الشجعانِ

هو أول وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس مرة

بلغت من العلياء كل مكانِ

ولربما طعنَ الفتى أقرانه

بالرأي قبل تطاعن الأقرانِ

لولا العُقول لكان أدنى ضيغمٍ

أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ"

ولذا حينما حدثت كارثة الساحل الغربي مع مدينة المخا بما في ذلك باب المندب واستمرار ممارسة الميليشيات الحُوثية في عبثها وجنونها في احتلال بعض مناطق وجبال ريف تعز، لم يرَ فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي ومن معه من الأعضاء الوطنيين وقادة الجيش الوطني.. ضياع الوقت في معرفة من كانوا سبب ما حدث هنا وهناك، فليتأجل حسابهم مؤقتًا رغم معرفتهم بهم!! وليُستخدم العقل قبل تهور البعض وتشنج البعض الآخر! وذلك من خلال معرفة مدى أهمية تنفيذ توجيهات سابقة في توحيد الجيش الوطني والتأكيد من استعداداته من كافة الجوانب..

لكي يتم استخدام العقل والرؤية والتدبر من قبل كل أفراد الجيش، وجاء خطاب فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي يوم الأحد 4 أكتوبر يتضمن أهمية استعادة الدولة، والانتقال من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة العمل والتحرير.. وصولًا إلى إطلاق «فجر اليمن»، وذلك هو ما حدث على الأرض، حينما قامت مختلف جبهات القتال بهجومها ضد الميليشيات الحُوثية، وتحققت انتصارات عظيمة خاصة في الساحل الغربي.. وبالطبع حدثت بعض النكسات لأسباب أهمها وجود (خونة) وضعاف نفوس خاصة ببعض مناطق ريف تعز بسبب المماحكات الحزبية والخلافات الشخصية بين بعض الوجاهات ضد بعضها البعض! ووجود مَن استهوتهم المادة! وكلهم باتوا معروفون للخاص والعام، إضافة إلى أن الجيش الوطني والمقاومة الشعبية ظلوا ولا يزالون يواجهون اندفاع الميليشيات ومعظمهم أطفال دون تفكير بدمائهم ولا بعواقب ما بات يحدث وسيحدث ضدهم، كونهم يندفعون للقتال دون عقل ولا تروٍّ إلى درجة أن أضعف الحيوانات وهو الكلب أشرف وأعقل منهم، وذلك هو ما عناه "المتنبي" في البيت الشعرية الرابعة كما قد جاء ذكرها فيما مضى..

ورغم ذلك لا يمكن التقليل مما ظل ولا يزال يحققه الجيش الوطني خاصة قوات (العمالقة) اليمنية التي حررت ما ظلت إيران تراهن عليه من خلال تواجد خبرائها مع غلمانها الحوثة.. أعني انتزاع باب المندب وتحريره كاملًا مساء الجمعة الماضية.

وكان قد جاء خطاب سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يوم الأول من أكتوبر بمجلس الشورى السعودي، والذي أكد فيه دعم المملكة الشامل للشرعية ولحكومتها لبسط سلطتها على كامل اليمن، واستعادة الاستقرار فيه والتصدي للمليشيات الحوثية، جاء هذا الخطاب ليؤكد المؤكد بما يخص الوقوف مع قادة الشرعية وجيشها وشعبها وليكون دافعًا مُضاعَفًا لها.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن غريزة الخوف وصلت إلى معظم أفراد أُسرتي وبعض الأقارب والمحبين والأصدقاء داخل اليمن وخارجه، حينما ظلوا ولا يزالون يطلبون مني بإلحاح مغادرة مدينة تعز، التي كنتُ قد عُدتُ إليها من خارج الوطن مع بداية الأحداث في الساحل الغربي ومدينة المخا في الثالث من سبتمبر المنصرم، وكان دافع طلبهم خوفًا من اعتقالي مرة أُخرى وربما قتلي هذه المرة! خاصة مع استمراري بنفس التوجه ضد هذه الميليشيات الغبية الغير قادرة أن ترى أبعد من أنوفها وذواتها!

ومع تقديري لتلك الطلبات والمناشدات لي بمغادرة مدينة تعز رغم وجود وسائل المغادرة من كل الجوانب، بجانب صعوبة بل استحالة اقتحام مدينة تعز لأسباب عديدة.. ولأن المليشيات رغم محاولتها المستميتة اقتحام مدينة تعز، فهي رغم ذلك تعرف ما واجه رجال مقاومة تعز عامي 2014 و2015م حينما هزموا عشرات الألوية العسكرية والأمنية بكل عتادها المتنوع، وانتصروا رغم حجم أعداد الشهداء والجرحى وهدم البنية التحتية وزرع آلاف الألغام.. بجانب تحملها منذ يومها وحتى اليوم لحصار جائر، وهو ما سيتكرر حتمًا إن ركبت الميليشيات رأسها وبصورة أسهل!

ولذا اعتذرتُ من كل من ناشد وطلب مني مغادرة مدينة تعز، وأنه حتى ولو اقتحموها، فقد أعددتُ العدة لقتال الغزاة حتى ألقى الله شهيدًا وماذا بقيَ من العمر؟! ولولا عدم موافقة بعض قادة إحدى الجبهات القريبة من مدينة تعز والذي رفض مشاركتي في قتال الغزاة، لكنتُ الآن مع رجال الجيش والمقاومة في الميدان أو ربما قد تحققت أمنيتي في الشهادة، فحياتي ليست أفضل منهم ولا من كل المجاهدين بجبهات العز والشرف، وأصر أُولئك القادة عودتي إلى المدينة والاستمرار بالجهاد عبر "الكلمة" السلاح الأمثل لأمثالي وهو ما كنتُ وظللت وسأظل أقوم به.

ولعل حجم الكذب والتضليل الإعلامي والشائعات الحوثية هي من بعض زرع الخوف لدى بعض مَن طلبوا مني مغادرة مدينة تعز، مع أني قد عانيتُ الموت عيانًا فيما مضى من حياتي، خاصة أيام وجودي مع اثنين من أبنائي بسجن الأمن الحوثي (القومي) سابقًا بعاصمتنا المحتلة حاليًا صنعاء، وما لاقينا من صنوف العذاب الجسدي والنفسي، وهو ما ظللت وما زلتُ وسأظل أتساءل عن بقائي بالذات على قيد الحياة؟! بسبب حجم القهر الذي طرأ على نفسي وعلى جسمي النحيل؟ (هل جرب أحدٌ تواجده بالسجن خاصة كسجن الحوثيين مع اثنين من أبنائه، بوقت واحد وبسجن واحد ومن حُسن الخط بزنزانة واحدة؟!).. وبفضل الله وحده ووجود المزيد من العمر وبصبرنا واحتساب ما واجهته بمثابة جهاد في سبيل الله والوطن عبر نشر وقول الكلمة الصادقة، خرجنا حمزة وذي يزن وأنا من السجن ونحن أقوى مما كنا عليه قبلًا تجاه هذه الحِفنة العَفنة -المليشيات الحوثية- وسنظل حتى يتم قلع هذه الشجرة والسرطان الخبيث بجسد اليمن وهو ما بات قريبًا بل قريبٌ جدًا بعون الله وتوفيقه.

ولا بد من القول إنه لولا وجود مماحكات سياسية وحزبية وتباينات شخصية ووجود خيانات هنا وهناك لكانت تعز قد حررت اليمن كل اليمن من المليشيات الحوثية ومن كل من يتربص باليمن وبشعبه.

لقد فضلتُ البقاء بجانب البسطاء بمدينة تعز ومشاركتهم الأفراح والأتراح والذين بفضل الله ثم بفضلهم وما تبقى من قيم وأخلاق بمعظم أبناء تعز، هي التي ظلت ولا تزال تحمي تعز وهي التي ستحمي تعز المدينة حتمًا!

ثم، لأنني آليت على نفسي ألا أرى لي بيتًا ولا قبرًا بغير الوطن بعد توفيق الله وفضله، وتلك بعضًا من أهم اتخاذي قرار البقاء بمدينة تعز خاصة في ظل الظروف الحالية.

ولذا، وطالما هذه "الدردشة" هي عن الخوف وماهيته، فإن هذا الخوف الذي أثر على الكثيرين من حولي.. لم يجد طريقه إليَّ بحمدالله وتوفيقه عدى بعض الخوف على الوطن كل الوطن! ليس من الميليشيات الحوثية التي بدأ العد التنازلي لنهايتها بل كتبت نهايتها بنفسها، وإنما من بعض من ظلوا ولا يزالون يظهرون الحرص على الوطن حسب الظاهر قبل غيرهم؟!

فالخوف لم ولن يجد طريقه إليَّ، وكل ما ظللت أُشاهده وما زلتُ أتعايش معه هو الأمن والطمأنينة، خاصة عندما أتجول ببعض شوارع وأزقة وأسواق مدينة تعز وببعض المناطق القريبة منها! رغم ما ظل ولا يزال ينشره إعلام الميليشيات من أكاذيب وتضليلات وانتصارات وهمية، بجانب ما ينشره بعض المرجفين والمترددين وَمَن مَلك الخوف عقولهم وأنفاسهم؟! والله غالبٌ على أمره.