الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • رسالة إلى حزب الإصلاح: مراجعة التجربة ومسؤولية اللحظة اليمنية

رسالة إلى حزب الإصلاح: مراجعة التجربة ومسؤولية اللحظة اليمنية

إلى قيادة حزب التجمع اليمني للإصلاح، وإلى كل من يتولى مسؤولية سياسية أو عسكرية في المعسكر المناهض لجماعة الحـ..وثي، أكتب هذه الكلمات انطلاقًا من المسؤولية الوطنية، وحرصًا على ألا تتحول معاناة اليمنيين وتضحياتهم إلى مادة للمزايدات أو وسيلة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية.

هذه شهادة لله ثم للتاريخ، أقول فيها ما أراه واجبًا؛ فالصمت أمام الأخطاء لا يخدم الوطن، والتغاضي عن الإخفاقات لا يعفي أحدًا من المساءلة. اليمن أكبر من الأحزاب، والجمهورية أوسع من التنظيمات، والجيش الوطني مؤسسة يفترض أن يكون ولاؤها للدولة والدستور والمواطنين، لا لحزب أو جماعة أو قائد.

لقد دفعت البلاد ثمنًا باهظًا نتيجة الانقسام السياسي والعسكري، وتعدد مراكز النفوذ، وتغليب الحسابات الخاصة على متطلبات بناء الدولة. وبعد أكثر من عقد من الحرب، لا يزال اليمنيون ينتظرون مشروعًا وطنيًا يستعيد مؤسسات الدولة، وينهي الانقلاب، ويكافح الفساد، ويعيد الاعتبار للجيش والأمن بوصفهما مؤسستين وطنيتين.

إن مخاطبة حزب الإصلاح ليست استهدافًا لأعضائه أو إنكارًا لتضحيات المنتمين إليه، بل دعوة إلى مراجعة التجربة ومصارحة اليمنيين والإجابة عن أسئلة جوهرية: ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاقات؟ ولماذا ما زالت الاعتبارات الحزبية والمناطقية والشخصية تؤثر في قرارات يفترض أن تكون وطنية؟

الجيش الوطني ليس ملكًا لحزب

إن بناء جيش وطني موحد، وإعادة تنظيم القوات المسلحة، ومراجعة الاختلالات الإدارية والمالية، ومكافحة الفساد والأسماء الوهمية، وإخضاع التشكيلات العسكرية لقيادة وطنية واضحة، مطالب ضرورية لاستعادة الدولة. ولا ينبغي لأي حزب أو قائد أن ينظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها تهديدًا لنفوذه.

وفي المقابل، يجب ألا تتحول إعادة الهيكلة إلى وسيلة لمعاقبة مناطق بعينها أو إضعاف جبهات بسبب الخلاف مع قياداتها، أو استبدال نفوذ حزبي بآخر. فمعيار الإصلاح الحقيقي هو الكفاءة والالتزام بالقانون والقدرة على حماية المواطنين ومواجهة الحوثيين، لا الولاء السياسي.

ومن حق اليمنيين أن يسألوا حزب الإصلاح وسائر القوى السياسية عن حدود تأثيرها في المؤسسة العسكرية، ومدى استعدادها للتخلي عن أي نفوذ حزبي يتعارض مع بناء الدولة. فالمعيار ليس البيانات والشعارات، بل الممارسات والقبول بالرقابة والمساءلة.

إن مستقبل اليمن يتطلب أحزابًا تطمئن المواطنين إلى أنها لا تسعى لاحتكار القرار، أو تحويل الجيش والمقاومة إلى امتداد تنظيمي، أو جعل المناطق المحررة ساحات نفوذ تتقاسمها القوى المتنافسة.

تعز تحت الاستنزاف والحصار.. من يصارح اليمنيين بحقيقة ما يجري؟

تأتي تعز في مقدمة القضايا التي تستوجب وقفة جادة. فهذه المحافظة التي قدمت تضحيات كبيرة في مواجهة الحوثيين، وما زال سكانها يعانون آثار الحرب والحصار وتدهور الخدمات، لا يجوز أن تُترك رهينة للاستنزاف العسكري أو التجاذبات السياسية.

إن تراجع مواقع عسكرية وخسارة مناطق أو مواقع استراتيجية تباعًا يثيران قلقًا مشروعًا، ويفرضان على الجهات المعنية توضيح ما يجري. فلا يكفي أن يسمع الناس بيانات عن الصمود والتضحيات، بينما يجهلون أسباب التراجع وطبيعة القرارات المتخذة والمسؤولين عن إدارة المعركة.

أما مدينة تعز وسكانها، الذين تُتداول تقديرات بشأن بلوغ عددهم في المدينة ومحيطها نحو مليوني نسمة، فلا ينبغي أن يكونوا مجرد أرقام في تقارير الحرب. فكل قرار عسكري تترتب عليه آثار تمس الأسر والأطفال والمرضى والطلاب، وكل خسارة ميدانية قد تهدد أمن المدنيين وسبل عيشهم.

وهنا تبرز أسئلة لا يجوز تجاهلها: كيف وصلت بعض الجبهات إلى هذا المستوى من الاستنزاف؟ وهل جرى تقييم أسباب التراجع مهنيًا؟ وهل أُديرت الإمكانات وفق خطة متكاملة؟ وهل توجد اختلالات في القيادة أو التنسيق أو الإمداد؟ وإذا ثبت وقوع أخطاء، فمن المسؤول عنها، وما الإجراءات المتخذة لمنع تكرارها؟

إن المصارحة لا تعني كشف الخطط العسكرية أو المعلومات التي قد تعرض الجنود والمدنيين للخطر، بل توضيح الحقائق الممكن إعلانها، ومحاسبة المقصرين قانونيًا، وإطلاع الرأي العام على ما يلزم معرفته بشأن إدارة المعركة وحماية السكان.

والأكثر إيلامًا أن تتحول الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين إلى تبادل للاتهامات، فيحمّل كل طرف الآخر مسؤولية الإخفاق وخسارة المواقع، بينما يبقى المواطن دون إجابة واضحة: من يتحمل المسؤولية، وماذا ستفعلون لمنع تكرار ما حدث؟

إن المسؤولية لا تقع على حزب الإصلاح وحده، بل تشمل قيادة الدولة والجهات العسكرية والأمنية وجميع القوى المشاركة في إدارة المعركة. لكن موقع الإصلاح السياسي والعسكري في المشهد اليمني، عمومًا وفي بعض المحافظات خصوصًا، يجعل من حق الرأي العام مطالبته بموقف واضح ومسؤول، بعيدًا عن التبرير وتبادل الاتهامات.

أين الدعم؟ ولماذا تتراجع الجبهات؟

من الأسئلة التي تستحق إجابة صريحة أسباب ما يراه كثيرون تراجعًا في مستوى الدعم السياسي والعسكري لبعض الجبهات من قيادة الحكومة المعترف بها دوليًا والتحالف الداعم لها. هل يتعلق الأمر بتغير الأولويات، أم بتقديرات عسكرية وسياسية جديدة، أم بخلافات بين الأطراف المعنية، أم بأسباب أخرى لم تُعلن؟

ليس من الإنصاف الجزم بسبب دون معلومات موثوقة، لكن تجاهل هذه الأسئلة غير مقبول حين تكون حياة المدنيين ومصائر المناطق المأهولة على المحك. المطلوب توضيح ما يمكن توضيحه، وتحديد المسؤوليات، ومنع المواطنين والجبهات من دفع ثمن خلافات لا يعرفون تفاصيلها.

وإذا كانت هناك مراجعة للاستراتيجية العسكرية، فينبغي شرح أهدافها في حدود الاعتبارات الأمنية، وتوضيح كيفية حماية المدن ومعالجة الاختلالات ومنع انهيار الجبهات. فخسارة المواقع لا تعني بالضرورة وجود خيانة، كما أن الصمود لا يعفي القيادات من المساءلة. والمطلوب تقييم مهني يستند إلى الوقائع بدلًا من التخوين والتبرير.

مأرب والجوف.. لا نريد تكرار المأساة

ينبغي أن يكون ما يجري في تعز جرس إنذار مبكرًا، لا مناسبة لتبادل الاتهامات بعد وقوع الخسائر. فمأرب والجوف وبقية الجبهات تمثلان أهمية استراتيجية وإنسانية، وتضمان سكانًا ونازحين ومصالح حيوية، وأي تراجع في جبهاتهما قد تتجاوز آثاره حدود المواجهات العسكرية.

ومن حق اليمنيين أن يسألوا: هل توجد خطط واضحة لحماية هذه المناطق من الاستنزاف والتراجع؟ وهل يجري التنسيق بين التشكيلات العسكرية على أساس وطني ومهني؟ وهل تتقدم حماية المدنيين والمواقع الحيوية على حسابات النفوذ والتنافس؟

لقد أظهرت التجربة أن تعدد القوى المسلحة دون قيادة موحدة وتنسيق فعّال يضاعف احتمالات الارتباك، وأن تسلل الخلافات السياسية إلى القرارات العسكرية قد يفتح ثغرات يصعب تعويض نتائجها.

ولا ينبغي انتظار تكرار الخسائر في مأرب أو الجوف أو غيرهما حتى يبدأ الجميع البحث عن الأسباب. فالوقاية تبدأ بالمصارحة، وتقييم الأداء، وتحديد المسؤوليات، وترتيب الأولويات وفق مصلحة اليمن، لا حسابات الأحزاب والقيادات والتشكيلات.

الساحل الغربي.. دروس لا يجوز تجاهلها

أثارت التطورات التي شهدها الساحل الغربي، وما رافقها من تراجعات ميدانية سابقة، تساؤلات بشأن طبيعة القرارات العسكرية ومستوى التنسيق بين القوات ووضوح الأهداف. ومن الضروري استخلاص الدروس من تلك التجربة بدلًا من تجاوزها دون مراجعة.

وفي ضوء ما تداولته تقارير عن تحركات عسكرية أخيرة لقوات ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بدعم جوي من التحالف، واستعادة عدد من المواقع في مناطق الساحل الغربي خلال فترة وجيزة، تبرز أهمية التحقق من حجم تلك المكاسب وحدودها.

فالدرس الأهم لا يتعلق فقط بمن استعاد موقعًا أو خسر آخر، بل بأسباب التحولات السريعة في خطوط السيطرة، ومدى ارتباطها بالدعم والإسناد والتنسيق والقرارات القيادية. ويجب أن تتحول هذه التطورات إلى فرصة لمراجعة الأداء واستخلاص ما يمنع تكرار الأخطاء في جبهات أخرى.

إن الخوف من تكرار سيناريوهات مشابهة في تعز أو مأرب أو الجوف وبقية الجبهات ليس اتهامًا مسبقًا لطرف بعينه، بل تحذير من أن استمرار الانقسام وغياب الشفافية قد يقودان إلى نتائج يدفع المدنيون ثمنها أولًا، ثم تدفع الدولة كلها ثمنها لاحقًا.

إلى الإصلاح: المراجعة الوطنية أقوى من الدفاع الحزبي

يقف حزب الإصلاح، بوصفه أحد المكونات السياسية الفاعلة في اليمن بشكل عام، وفي تعز ومأرب والجوف بشكل خاص، أمام مسؤولية لا يمكن تجاوزها بالبيانات والخطاب التعبوي. فالمطلوب ليس الدفاع عن الحزب في كل الظروف أو تحميل خصومه جميع الإخفاقات، بل مراجعة التجربة بشجاعة، والتمييز بين الصواب والخطأ، والاعتراف بأي تقصير متى ثبت، والمساهمة في بناء مؤسسات لا تخضع لهيمنة أي طرف.

وإذا كان الحزب يؤمن بالدولة المدنية والتعددية والشراكة الوطنية، فينبغي أن ينعكس ذلك في مواقفه وممارساته، وفي استعداده لقبول قيادة عسكرية موحدة وخضوع الجميع للقانون، ورفض احتكار القرار أو استخدام مؤسسات الدولة لمصلحة حزبية.

كما أن عليه دعم إصلاح المؤسسة العسكرية ومكافحة الفساد والأسماء الوهمية والمحسوبية أينما وجدت، وقبول تطبيق المعايير نفسها على الجميع. فلا معنى لمحاربة فساد طرف والتستر على فساد آخر، ولا معنى للمطالبة بتوحيد الجيش إذا كان المقصود إخضاع الآخرين بدلًا من إخضاع الجميع لمؤسسات الدولة.

وفي المقابل، يجب أن تكون إعادة بناء المؤسسة العسكرية شفافة وعادلة، وألا تتحول إلى أداة للإقصاء أو الانتقام السياسي أو معاقبة مناطق بعينها. فالوطن لا يُبنى باستبدال احتكار بآخر، بل بمؤسسات تستمد شرعيتها من القانون والكفاءة والمساءلة.

كلمة أخيرة للتاريخ

أكتب هذه الكلمات لأن اليمنيين يستحقون الحقيقة، ولأن تضحياتهم لا ينبغي أن تضيع وسط صراع النفوذ وتبادل الاتهامات. فتعز ومأرب والجوف والساحل الغربي ليست أوراقًا في لعبة سياسية، بل مناطق يمنية يسكنها بشر لهم الحق في الأمن والحياة والكرامة.

المطلوب من حزب الإصلاح والحكومة وقيادات الجيش وسائر القوى السياسية والعسكرية تقديم إجابات واضحة عن أسباب الإخفاقات، وإعلان ما يمكن إعلانه من خطط المعالجة، وتحمل كل طرف مسؤوليته عن القرارات التي اتخذها أو شارك فيها.

لا نطالب بالكشف عن أسرار عسكرية، ولا نحاكم الناس بالشائعات، ولا نوزع الاتهامات دون أدلة. لكننا نطالب بحق المجتمع في معرفة ما يجري، وحق المواطنين في مساءلة المسؤولين، وحق الجنود والمقاتلين في قيادة مهنية لا تجعلهم وقودًا لصراعات الآخرين.

فالتاريخ لا يسجل أسماء من خاضوا المعارك فحسب، بل يسجل أيضًا مواقف أصحاب القرار، وكيف استخدموا سلطتهم، وهل قدموا مصلحة الوطن على مصالحهم، وهل صارحوا الناس حين أخفقوا أم تركوهم يواجهون النتائج وحدهم.

ولهذا أقول لحزب الإصلاح ولسائر القوى اليمنية: راجعوا حساباتكم قبل اتساع الخسائر، وصارحوا الناس قبل فقدان ثقتهم، واجعلوا بناء الدولة هدفًا عمليًا لا شعارًا سياسيًا. فالمعركة الحقيقية ليست على من يملك النفوذ الأكبر، بل على ما إذا كان اليمن سيستعيد دولته أم سيظل أسير مراكز قوى متنافسة.

فاليمن ليس غنيمة، والجمهورية ليست ملكًا لحزب، والجيش ليس ذراعًا لتنظيم، وتعز ومأرب والجوف والساحل الغربي ليست ساحات لتصفية الحسابات. والتاريخ لن يعفي أحدًا من مسؤوليته، مهما طال زمن الحرب أو تعددت المبررات.