الثلاثاء 13 أكتوبر 2026

مصطفى نعمان قيمة لا تُستنسخ

ليست مأساة اليمن الحقيقية في ندرة الكفاءات أو غياب الرجال القادرين على إدارة الدولة، بل في وجود منظومة سياسية اعتادت أن تخشى الكفاءة أكثر مما تخشى الفشل. فعلى مدى عقود، لم تكن معايير التقدم إلى مواقع القرار مرتبطة دائمًا بالخبرة والإنجاز والرؤية الوطنية، بل كثيرًا ما ارتبطت بمعادلات النفوذ والولاءات وتقاسم المصالح. وفي ظل هذه المعادلة المختلة، خسر اليمن عقولًا كان يمكن لها أن تسهم في إنقاذ الدولة، وبناء المؤسسات، وتحصين القرار الوطني من العبث والارتجال.

ومن بين هذه الأسماء يبرز مصطفى نعمان بوصفه واحدًا من أبرز الوجوه الدبلوماسية والسياسية اليمنية التي امتلكت رصيدًا استثنائيًا من الخبرة والمعرفة. فقد شغل مناصب مهمة، من بينها سفير لعدة دول، ومثّل اليمن في عدد من المحافل والمنظمات الدولية، وصولًا إلى منصب نائب وزير الخارجية وشؤون المغتربين. هذا إلى جانب حضوره السياسي والفكري الفاعل في مختلف مراحل الأزمة اليمنية، وهي مناصب لم يصل إليها عبر صفقات النفوذ أو أسواق المحاصصة، بل عبر مسار مهني قائم على المعرفة والخبرة والقدرة على تمثيل الدولة.

مصطفى نعمان
مصطفى نعمان

كما أن قيمة الرجل لا تُقاس بعدد المناصب التي شغلها، بل بنوعية الرؤية التي حملها. ففي زمن ارتفع فيه ضجيج الشعارات، وانخفض فيه منسوب التفكير الاستراتيجي، ظل متمسكًا بمفهوم الدولة ومؤسساتها، رافضًا الانجرار وراء الاستقطابات الحادة والمواقف الانفعالية التي دفعت اليمن ثمنًا باهظًا لها. فهو يتحدث دائمًا بلغة الدولة لا بلغة الجماعات، وبمنطق المصالح الوطنية لا بمنطق الثارات السياسية. وأكثر ما يميّزه أيضًا قدرته على قراءة المشهد السياسي واستشراف مآلاته، إذ كثيرًا ما قدّم قراءات بدت مختلفة عن السائد، مستندًا إلى خبرة طويلة ورؤية تتجاوز الحسابات الآنية. فمتابعته الدقيقة للتطورات مكّنته من توقع نتائج كثير من المسارات السياسية قبل أن تتكشف تداعياتها على أرض الواقع، وهو ما أكسب آراءه اهتمامًا حتى لدى من يختلفون معه.

وهذا جعل شخصيات مثله غير مرغوب بها لدى بعض مراكز النفوذ، كونه صاحب الخبرة والرأي المستقل غير الخاضع لاعتبارات الأحزاب أو التكتلات السياسية، وقادرًا على التعبير عن قناعاته الخاصة ورؤيته للدولة دون الانخراط في الاستقطابات التقليدية، كل هذا شكّل إحراجًا دائمًا لمن بنوا مواقعهم على الولاء لا على الكفاءة، والرجل الذي يمتلك رؤية وقدرة على النقاش وتقديم البدائل لا يمكن تطويعه بسهولة. فبدلًا من أن يكون جزءًا من مطبخ القرار الوطني والاستراتيجي، لوحظ مؤخرًا، وفي هذه الأوقات الكارثية التي تمر بها اليمن، أنه خارج دوائر التأثير الفعلي. لقد أصبح جليًا أن البيئة السياسية اليمنية، ومن يديرها من خلف الكواليس، لا تمنح رجال الدولة والكفاءات المستقلة المساحة التي يستحقونها، وتُفضِّل في كثير من الأحيان شخصيات أكثر انسجامًا مع موازين النفوذ القائمة، حتى وإن كان ذلك على حساب الخبرة والكفاءة والمصلحة الوطنية. بل إن قرارات التعيين لم تعد تصدر عن الدولة فعليًا، وإنما تُفرض من قبل التحالف الذي أمسك بمفاصل السلطة وحوّل كبار المسؤولين إلى واجهات شكلية وأدوات تنفيذ لا تملك من أمرها سوى المصادقة على ما يُملى عليها. وبهذا لم تعد الكفاءة معيارًا للارتقاء، بل أصبح الولاء والخضوع لشبكات النفوذ الطريق الأسرع إلى المناصب والسلطة.

سيبقى مصطفى نعمان، رغم ما تعرض له من انتقادات وحملات استهداف، اسمًا ارتبط بالعقل السياسي والخبرة الدبلوماسية وفكرة الدولة، وستذوب المعارك الصغيرة في هامش التاريخ، كما ذابت عشرات المعارك قبلها، سيبقى المثال حاضرًا على ما يمكن أن تقدمه الكفاءة حين تتاح لها الفرصة. نعم، سيبقى مصطفى نعمان واقفًا، لكن الوطن سيظل ينزف مادام صوت الكفاءة أضعف من صوت النفوذ، ومادامت الخبرة تُقصى لصالح الولاءات.