الحلم الذي اغتيل
جاء شابًا في الحادية والثلاثين، لا يستند إلى قبيلة ولا إلى حزب، بل إلى فكرة واحدة كانت تبدو مستحيلة: أن يصبح هذا البلد دولة.
قالها واضحة منذ اليوم الأول: لا مكان للقبيلة في كيان الدولة. فألغى الوزارة التي كانت توزع خزينة الشعب رواتب للمشايخ، وجمع السلاح من شوارع العاصمة حتى مشى الناس فيها آمنين لأول مرة، وأسس جهازًا يحاسب الكبير قبل الصغير، وكان يمشي في الأسواق بنفسه، يتفقد الأسعار، ويوقف موكبه ليردع موظفًا مرتشيًا.

لم يجد خزينة، وجد فراغًا، خمسة ملايين دولار فقط. فالتفت إلى الناس وقال لهم ابنوا وطنكم بأيديكم. فنهضت الجبال، في ريمة وتعز وذمار وصنعاء، وبنى الأهالي بعرقهم أكثر من ثلاثة آلاف مدرسة، وشقوا الطرق بمعاولهم، وفتحوا المستوصفات. لأول مرة شعر اليمني أن المدرسة التي يضع حجرها هي دولته، وأن الطريق الذي يمهده هو مستقبله.
في ثلاث سنوات فقط، استعاد الريال كرامته حتى ساوى الريال السعودي، وقفز احتياطي البنك من خمسة ملايين إلى أربعمائة مليون، وعاد الحقل يمنح قمحه، وبدأت الأرض تهمس بسر نفطها.
كان حلمه أوسع من الشمال، كان يرى اليمن كله، قلبًا واحدًا. فوجد في الجنوب شريكًا يشبهه في صدقه وحبه للفقراء، واتفقا على وحدة اندماجية خالصة، بلا وصاية من رياض ولا من موسكو، وحدة للجياع والبسطاء. كان موعد السفر لإعلانها في الغد.
لكنه لم يُترك ليسافر.
في ظهر الحادي عشر من أكتوبر عام 1977، قبل الحلم بيوم واحد، اغتيل هو وأخوه في شقة بصنعاء، فانطفأ الضوء، وسكت الحلم، وسقطت الدولة التي كانت تمشي على قدمين.
لذلك، حتى اليوم، حين يُذكر في المجالس، تبكيه الجبال والوديان، تدمع عيون الكبار. إنهم لا يبكون رئيسًا، بل يبكون آخر مرة شعروا فيها بأنهم مواطنون، وأن حاكمهم يشبههم، يصلي في مسجدهم، ويمشي في سوقهم، ويحمل همهم.
لم يكن ملاكًا، لكنه كان أصدق محاولة مرت في تاريخنا لنكون دولة.
إنه إبراهيم محمد الحمدي.



