العلاج الطبيعي في اليمن.. مهنة تبحث عن الاعتراف

في بلد خلّفت فيه الحرب أعداداً كبيرة من المصابين بإعاقات حركية وإصابات جسدية تستدعي التأهيل، يواجه اختصاصيو العلاج الطبيعي في اليمن تحديات مهنية واقتصادية، تتصدرها محدودية الإمكانات وتدني الأجور، إلى جانب ما يصفونه بضعف الوعي بأهمية تخصصهم لدى بعض العاملين في القطاع الصحي.
ورغم تزايد الحاجة إلى خدمات التأهيل، خصوصاً بين جرحى الحرب والمصابين بالكسور والحروق وإصابات الأعصاب والجلطات الدماغية، يقول عاملون في المجال إن العلاج الطبيعي لم يحظَ بعد بالمكانة التي تتناسب مع دوره في مساعدة المرضى على استعادة قدراتهم الحركية وتحسين جودة حياتهم.
من بين هؤلاء عيسى الأشموري، خريج قسم العلاج الطبيعي بالمعهد العالي للعلوم الصحية في صنعاء، الذي اختار في بداية مسيرته المهنية العمل متطوعاً في عدد من المستشفيات الحكومية بصنعاء وتعز، للمساهمة في علاج جرحى الحرب وإعادة تأهيلهم دون مقابل مالي.
لكن الأشموري وجد نفسه أمام تحدٍّ يتجاوز تقديم الخدمات العلاجية، ويتمثل في تصحيح المفاهيم السائدة حول طبيعة تخصصه وأهميته.

يقول لـ«النداء»: «لقد واجهنا المفاهيم المغلوطة عن العلاج الطبيعي، وكان دورنا قبل بدء رحلة العلاج هو التوعية، ليس فقط توعية المرضى، بل بعض الأطباء الذين ينتقصون من دور العلاج الطبيعي وينظرون إلى ممارسيه إما بنظرة قاصرة أو بازدراء ودونية».
احتياجات متزايدة وإمكانات محدودة
ضاعفت سنوات الحرب الحاجة إلى خدمات العلاج الطبيعي والتأهيل، مع تزايد الإصابات الناجمة عن المواجهات المسلحة وانفجارات الألغام والمقذوفات، وما تخلفه من إعاقات حركية وإصابات تستلزم برامج علاجية قد تمتد لأشهر أو سنوات.
ولا تقتصر الحاجة إلى هذه الخدمات على مصابي الحرب، إذ تشمل أيضاً المرضى الذين يعانون اضطرابات الحركة والإصابات العضلية والعصبية، ومن يحتاجون إلى التأهيل بعد الجلطات الدماغية والعمليات الجراحية.
وتشير تقديرات أوردها عاملون في المجال إلى وجود ملايين الأشخاص ذوي الإعاقة في اليمن، غير أن تحديد حجم هذه الفئة ونسبة من يحتاجون منها إلى خدمات العلاج الطبيعي يتطلب بيانات حديثة وموثقة، في ظل التباين بين التقديرات المتداولة.
وفي مقابل هذه الاحتياجات، يشكو اختصاصيو العلاج الطبيعي من تدني الأجور وضعف الإمكانات المتاحة في عدد من المؤسسات الصحية الحكومية والخاصة.
وتقول اختصاصية العلاج الطبيعي أسماء المحبشي لـ«النداء» إن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها العاملون في المهنة لا تتناسب مع طبيعة الجهود التي يبذلونها، مشيرة إلى أن الشغف بالمهنة وطابعها الإنساني يمثلان دافعاً رئيسياً لها ولعدد من زملائها للاستمرار في العمل.
ويُعد العلاج الطبيعي أحد تخصصات الرعاية الصحية المعنية بتقييم الاضطرابات الحركية والوظيفية وعلاجها، باستخدام التمارين العلاجية والتقنيات والأجهزة المخصصة للتأهيل، بهدف تحسين الحركة وتخفيف الألم ومساعدة المرضى على استعادة أكبر قدر ممكن من قدراتهم البدنية.
مبادرات فردية لتنظيم المهنة
دفعت التحديات المهنية عدداً من خريجي أقسام العلاج الطبيعي إلى إطلاق مبادرات تطوعية وتوعوية، استهدفت التعريف بالتخصص وتعزيز حضوره داخل المؤسسات الصحية.
وكان الأشموري من بين الذين انخرطوا في هذه الجهود، من خلال زيارات ميدانية للمستشفيات والمراكز الطبية الحكومية والخاصة، وتقديم أنشطة توعوية للمرضى وذوي الإعاقة، إلى جانب إعداد منشورات تعريفية بدور العلاج الطبيعي وتوزيعها على العاملين في المنشآت الصحية.
وفي عام 2016، أسس الأشموري «منتدى العلاج الفيزيائي»، في محاولة لتنظيم الأنشطة التوعوية والمهنية التي كان ينفذها، وتوسيع نطاق المشاركة فيها.
وتزامنت هذه المبادرات مع توسع تدريجي في تدريس العلاج الطبيعي، من خلال افتتاح برامج وأقسام أكاديمية متخصصة في عدد من الجامعات والمعاهد الصحية الحكومية والخاصة.
وفي عام 2022، أسس مجموعة من اختصاصيي العلاج الطبيعي في صنعاء ومحافظات أخرى «الجمعية اليمنية للعلاج الطبيعي»، بوصفها جمعية أهلية غير ربحية، قبل انضمامها لاحقاً إلى الاتحاد العالمي للعلاج الطبيعي، وفقاً للقائمين عليها.
ويقول الأمين العام للجمعية، أحمد المؤيد، لـ«النداء» إن تأسيسها جاء بهدف رفع مستوى الوعي بالمهنة، وتوحيد جهود الاختصاصيين، وتعزيز التواصل والتعاون مع نظرائهم في الدول العربية والعالم.
خلافات حول التكامل بين التخصصات
رغم الجهود المبذولة لتعزيز حضور العلاج الطبيعي، يرى اختصاصيون أن إحدى أبرز العقبات تتمثل في محدودية التعاون مع بعض التخصصات الطبية، ولا سيما في المجالات التي تتطلب برامج تأهيل مشتركة.
ويبرز هذا التحدي، بحسب عاملين في المجال، في التعامل مع بعض حالات أمراض القلب والأوعية الدموية، التي قد تستدعي برامج تأهيل قلبي متخصصة ضمن خطة علاجية يشرف عليها فريق طبي متعدد التخصصات.
ويقول خالد السياني، الذي يقدمه منظمو الفعاليات المهنية بوصفه أول يمني حاصل على الدكتوراه في العلاج الطبيعي، إن تحسين الخدمات المقدمة للمرضى يتطلب تعزيز التعاون بين أطباء القلب واختصاصيي العلاج الطبيعي، وفقاً للبروتوكولات الطبية المعتمدة.
ويرى السياني، في حديثه لـ«النداء»، أن تحقيق هذا التعاون يستدعي عقد لقاءات علمية ومهنية تجمع ممثلي النقابات والجمعيات الطبية ذات الصلة، بما يسهم في توضيح الأدوار وتعزيز التكامل بين التخصصات.
من جهته، يؤكد استشاري أمراض القلب والقسطرة القلبية، الدكتور ماجد نجاد، أهمية إدماج العلاج الطبيعي في خطط التأهيل للحالات التي تستدعي ذلك، داعياً زملاءه الأطباء إلى عدم إغفال الدور الذي يمكن أن يؤديه هذا التخصص في رعاية مرضى القلب والسكتات الدماغية.
أما استشاري جراحة العظام والكسور، الدكتور سعيد بامشموس، فيرى أن تعزيز مكانة العلاج الطبيعي يتطلب أيضاً جهوداً من العاملين فيه لتطوير مهاراتهم ومواكبة المستجدات العلمية والمهنية.
ويشدد بامشموس على أهمية الارتقاء بالممارسة المهنية، بما يعزز ثقة العاملين في القطاع الصحي بدور اختصاصيي العلاج الطبيعي، ويدعم التعاون بينهم وبين مختلف التخصصات الطبية.
الحضور المهني
في الثامن من سبتمبر/أيلول الماضي، الذي يصادف اليوم العالمي للعلاج الطبيعي، نظم الأشموري، بالتنسيق مع الجمعية اليمنية للعلاج الطبيعي، معرضاً شاركت فيه جامعات ومعاهد وشركات أجهزة طبية، إلى جانب مراكز متخصصة بالعلاج الطبيعي والأطراف الصناعية وإعادة التأهيل.
وسعى المنظمون من خلال الفعالية إلى التعريف بالتخصص وإبراز احتياجات العاملين فيه، وفتح قنوات تواصل بين المؤسسات الأكاديمية والمراكز العلاجية والشركات الموردة للأجهزة والتقنيات الطبية.
ويقول عزالدين العواضي، اختصاصي تكنولوجيا الأشعة وأحد المشاركين في المعرض، إن الفعالية أتاحت للشركة التي يعمل لديها فرصة للتعريف بمنتجاتها والتواصل مع مراكز للعلاج الطبيعي في مناطق لم تتمكن من الوصول إليها سابقاً.
وأشار إلى استعداد الشركة لتقديم تسهيلات تساعد المراكز على الحصول على بعض الأجهزة والتقنيات اللازمة لعملها.
ويرى ممثلون لشركات مشاركة في المعرض أن قطاع العلاج الطبيعي في اليمن ما يزال بحاجة إلى مزيد من الاستثمار والدعم الفني والتقني، بما يساعد المراكز العاملة على تطوير خدماتها وتوسيع نطاق المستفيدين منها.
ولم تقتصر أهداف الفعالية على عرض الأجهزة والتقنيات، بل سعى منظموها إلى إثارة نقاش مهني بشأن موقع العلاج الطبيعي داخل منظومة الرعاية الصحية، وأهمية التنسيق مع الأطباء في التخصصات ذات الصلة.
طموحات
بعد سنوات من العمل التطوعي والمبادرات المهنية، انتقل الأشموري إلى العمل في المجال الرياضي، وأصبح ضمن الطاقم الطبي للمنتخب اليمني لكرة القدم، إلى جانب عمله مع نادي شعب حضرموت.
ورغم هذا التطور في مسيرته المهنية، يقول إن طموحه لا يقتصر على تحقيق نجاح شخصي، بل يتجاوز ذلك إلى تعزيز الثقة بالعلاج الطبيعي بوصفه جزءاً من منظومة الرعاية الصحية.
وتكشف شهادات العاملين في المجال عن تحديات تتصل بظروف العمل والإمكانات المتاحة ومستوى التعاون بين التخصصات الطبية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدمات التأهيل نتيجة التداعيات الصحية والإنسانية للحرب.

وبين المبادرات الفردية ومحاولات التنظيم المهني، يواصل اختصاصيو العلاج الطبيعي في اليمن مساعيهم لتعزيز حضور تخصصهم وتطوير خدماته، وسط حاجة إلى دعم مؤسسي وتعاون طبي أوسع، يضمن للمرضى الحصول على خدمات تأهيل تتناسب مع احتياجاتهم.



