الخميس 1 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • سألوا عن محمد الموجود في القاهرة، فاعتقلوا أحمد في صنعاء: قصة معاناة تزيد عن عامين

سألوا عن محمد الموجود في القاهرة، فاعتقلوا أحمد في صنعاء: قصة معاناة تزيد عن عامين

سألوا عن محمد الموجود في القاهرة، فاعتقلوا أحمد في صنعاء: قصة معاناة تزيد عن عامين

قبل 18 يوماً من اقتحام منزله، كان أحمد حسين الظاهري، يجلس في أحد مكاتب جهاز الأمن والمخابرات التابع للحـ..وثيين ويجيب عن أسئلة تتعلق برئيس مؤسسة "برسنت" محمد حسين، الموجود في القاهرة. سألوه لماذا غادر اليمن؟ وما الذي يفعله هناك؟ وأخبروه أن لديهم معلومات عن تأسيسه شركة في مصر. ثم قالوا له، في عبارة فهمها أحمد باعتبارها تهديداً مبطناً، إن محمد حسين "يريد أن يكون مثل عدنان الحرازي"، رجل الأعمال المعتقل لديهم منذ يناير 2023.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، وفي الثامنة والنصف من صباح 6 يونيو 2024، وصل مسلحون إلى منزل أحمد.

رن جرس الباب طويلًا، لكن مدبرة المنزل لم تفتحه لأنها لم تتمكن من التأكد ممن يقف خلفه. لم ينتظر المسلحون. كسروا الباب واقتحموا الشقة: "كانوا نحو عشرين مسلحا ومجندتان، برفقة قاض من المحكمة الجزائية المتخصصة وكاتب للمحكمة"، حد إفادة محمد لـ"النداء".

كان أحمد هو الشخص الذي سُئل قبل أيام عن رئيس مؤسسته. وفي ذلك الصباح، لم يعد السؤال عن محمد حسين وحده؛ امتد التفتيش إلى منزل أحمد وأجهزته وأمواله ووثائقه، ثم انتقل معه إلى مؤسسة "برسنت"، حيث صودرت عشرات الأجهزة من كمبيوترات وهواتف وسيرفرات وملفات المؤسسة، كما استُجوب الموظفون وأُوقفوا عن العمل. وفي نهاية اليوم، اقتيد أحمد إلى أحد معتقلات جهاز الأمن والمخابرات، واخفي قسريا لعدة أشهر، واستمر اعتقاله حتى اليوم، دون توجيه أي تهمة ولم يتم احالته للقضاء.

من السؤال إلى التفتيش

لم يكن استدعاء أحمد في مايو، بالنسبة إليه، يبدو آنذاك مؤشرا لما سيحدث لاحقا. ففي 18 مايو، تلقى اتصالا من جهاز الأمن والمخابرات يطلب منه الحضور في اليوم التالي، وهو أمر لم يكن جديدا بالنسبة إليه، حيث استدعي قبلها لعدة مرات. ذهب في الموعد المحدد، وهناك تركزت الأسئلة حول محمد حسين، رئيس المؤسسة، ومغادرته اليمن واستقراره في القاهرة.

كان المحققون يعرفون، بحسب ما أبلغوا أحمد، أن محمد أسس شركة في مصر، وأرادوا معرفة السبب. لم يكن أحمد يعرف تفاصيل نشاطه هناك، فأجابهم بذلك. وقال لهم إن "تأسيس شركة في مصر، إذا ما تأكد فعلا، ليس أمرا محرما أو ممنوعا"، كما يوضح محمد.

لكن ذكر اسم عدنان الحرازي جعل الحديث أكثر حساسية. فقد كان الحرازي، وهو رجل أعمال، معتقلًا منذ يناير 2023 حتى اليوم، وكانت شركاته قد أوقفت وصودرت ممتلكاته، فيما وجهت إليه تهمة الخيانة. عندما قال أفراد الجهاز إن محمد حسين "يريد أن يكون مثل عدنان الحرازي"، فهم أحمد العبارة بوصفها تحذيراً مما يمكن أن يحدث لرئيس المؤسسة إذا استمر غيابه ونشاطه خارج البلاد.

في الاجتماع نفسه، طلب منه أفراد الجهاز تقديم تقارير وسجلات مختلفة عن أنشطة "برسنت". حاول أحمد شرح وضع المؤسسة، وقال إن أنشطتها في مناطق سيطرة الحوثيين متوقفة منذ أكثر من عامين ونصف، وإن المؤسسة اضطرت إلى منح أكثر من عشرين موظفا إجازات مفتوحة وتسريح عدد آخر.

لم يكن التوقف، بحسب إدارة المؤسسة، نتيجة قرار مفاجئ، وإنما جاء بعد سنوات من تقلص التمويل وتعقيدات إجراءات العمل في مناطق الحوثيين، خصوصا أن معظم عمل "برسنت" كان يتعلق بالبحث والرقابة، وهي أنشطة أصبحت أكثر حساسية في تلك المناطق.

كانت المؤسسة مسجلة رسمياً ولديها التراخيص القانونية اللازمة، كما كانت تحصل على تصاريح لأنشطتها من المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي "سكمشا"، الجهة التابعة للحوثيين والمسؤولة عن تنظيم عمل المنظمات المحلية والدولية والأنشطة المدنية في مناطق سيطرتهم.

بعد الاجتماع، اتصل أحمد بمحمد حسين الموجود في القاهرة. لم ينقل إليه كل تفاصيل الحديث في البداية، وقلل من خطورة الأمر، ربما بحكم أن الاستدعاءات الأمنية كانت قد أصبحت جزءا من الحياة اليومية للعاملين في المؤسسات المدنية. لكنه طلب منه في الوقت نفسه أن يسرع في العودة إلى صنعاء حتى لا يتسبب غيابه في مشكلة عليه وعلى المؤسسة.

كان محمد قد غادر اليمن إلى القاهرة برفقة أسرته، وكانت زوجته تتلقى العلاج هناك. وبعد انتهاء المرحلة الأولى من علاجها، حجز تذاكر العودة إلى صنعاء في 10 يونيو. لكنه لم يصل إلى ذلك الموعد.

صباح الاقتحام

في 6 يونيو، وقبل أربعة أيام فقط من الموعد الذي كان يفترض أن يعود فيه محمد إلى صنعاء، حاصرت القوة الأمنية المبنى الذي يسكن فيه أحمد.

بحسب إفادات أفراد من عائلته ومديرة المنزل، وصلت أربع عربات عسكرية تحمل جنوداً ملثمين، إلى جانب ثلاث سيارات أخرى تابعة لجهاز الأمن والمخابرات. لم يكن واضحاً لأسرة أحمد في تلك اللحظة ما الذي تبحث عنه القوة، لكن سرعان ما اتضح أن هدفها لم يكن بغية طرح أسئلة جديدة.

بعد كسر باب الشقة، بدأ التفتيش. طُلب من أحمد فتح الخزنة، وكانت تحتوي على أموال كان يحتفظ بها بصفته مسؤولا عن إدارة نفقات المؤسسة، إلى جانب مبلغ يخص والده ومجوهرات زوجته ووثائق ملكية لأراضٍ وعقارات تخصه وبعض أقاربه.

يقول شقيقه طه إن القاضي المرافق للقوة حرر محضراً بالمبالغ التي جرى التحفظ عليها، وإن قيمتها، وفق ما ظهر في الأوراق، بلغت قرابة 15 ألف دولار، موزعة بين الريال اليمني والريال السعودي. لكن أحمد، بحسب أسرته، هو الأقدر على تحديد المبلغ الذي كان موجودا في الخزنة قبل التفتيش.

يقول محمد كان "المال الذي يحتفظ به أحمد في الخزنة لتغطية نفقات مؤسسة برسنت التي يعمل مديرا تنفيذيا لها"، في وقت أصبحت فيه العمليات المصرفية في صنعاء معقدة، والحصول على مبالغ بسيطة من البنوك قد يستغرق أياما.

ولم يكن المال وحده ما أثار اهتمام القوة الأمنية للحوثيين. كانت الأوراق والأجهزة جزءا أساسيا من عملية البحث، ولذلك سأل أفرادها أحمد عن أي مستندات تخص مؤسسة "برسنت".

أخبرهم أن الوثائق الرسمية موجودة في مقر المؤسسة، وأن بعض الأوراق قد تكون لدى شقيقه طه، الذي يعيش في شقة أخرى داخل المبنى.

انتقل أفراد من القوة إلى شقة طه. فتشوا المكان، وطلبوا منه الأوراق المتعلقة بالمؤسسة، فأخبرهم بأنه لا يحتفظ في منزله بملفات العمل، وإنما لديه ذاكرة إلكترونية تحتوي على بعض الأعمال التي كان ينجزها من المنزل. فتشوا أجهزته وهاتفه، ثم اصطحبوه إلى شقة أحمد.

بعد نحو ساعة ونصف من التفتيش، أُعيدت بعض الممتلكات الشخصية. أعيدت مجوهرات زوجة أحمد بعد توقيعها على استلامها، كما أعيد المبلغ الخاص بوالده وبعض صكوك الأراضي إلى طه، بعد أن رفض القاضي المرافق للقوة اعتبارها من ممتلكات المؤسسة.

أما أحمد، فغادر منزله برفقة القوة. لكن وجهته التالية لم تكن مقر الجهاز. كانت مؤسسة "برسنت".

المؤسسة في دائرة التحقيق

عندما وصل أحمد إلى مقر المؤسسة، لم يكن التفتيش قد انتهى. طلب أفراد الأمن والمخابرات من موظف شؤون الموظفين قائمة بأسماء العاملين، ثم أرادوا من أحمد وطه مرافقتهم إلى منازل الموظفين لإحضارهم.

لم يستجيبا لتنفيذ ذلك، وأبلغوهم بأنهم لا يعرفون أماكن إقامة جميع العاملين. عندها طُلب منهم الاتصال بالموظفين ودعوتهم إلى الحضور إلى المكتب.

كان خمسة موظفين موجودين في مقر المؤسسة وقت الاقتحام، ثم حضر سبعة آخرون بعد الاتصال بهم. أما ثمانية موظفين فلم يتمكنوا من الوصول، بعضهم كان في تعز وعدن، وبعضهم خارج اليمن.

وبمجرد اكتمال حضور الموظفين، بدأ التحقيق.

طُلب من العاملين الاثني عشر، تسليم كلمات المرور الخاصة بأجهزتهم، وفُتشت هواتفهم، كما أُلزموا بالتوقيع على تعهد بعدم العودة إلى العمل حتى يتلقوا إشعاراً من جهاز الأمن والمخابرات يسمح لهم بذلك. أما الموظفون الذين لم يتمكنوا من الحضور، فطُلب منهم إرسال أجهزة اللابتوب الموجودة بحوزتهم إلى الجهاز لفحصها.

ثم اتسعت عملية المصادرة لتشمل البنية التقنية للمؤسسة نفسها.

صودرت أكثر من 80 جهاز لابتوب، وأكثر من 120 هاتفاً ذكياً كانت تستخدم في العمل الميداني، ونحو 80 جهاز "Power Bank"، إضافة إلى السيرفر المحلي وجميع المستندات والوثائق المالية وملفات أعمال المؤسسة.

بالنسبة إلى مؤسسة تعتمد على المعلومات والبحث والعمل الميداني، لم تكن هذه مجرد أجهزة. كانت تحمل أرشيف العمل اليومي، وبيانات الموظفين، والملفات المالية، والمراسلات، والمواد التي جمعتها المؤسسة خلال سنوات.

وبعد ذلك جرى تجميد أرصدة المؤسسة في البنوك الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

المكتب تحت الحراسة

استمر التفتيش والتحقيق حتى الساعة 11:30 ليلا. بدأ الموظفون في المغادرة تباعا منذ نحو الثامنة مساء، وبحلول نهاية الليل كان الجميع قد غادر، باستثناء أحمد.

اقتيد المدير التنفيذي إلى أحد معتقلات جهاز الأمن والمخابرات.

كان يفترض أن تنقل القوة جميع المضبوطات من مقر المؤسسة، لكن بسبب تعدد المواقع التي كانت قد جرت مداهمتها في ذلك اليوم، تقرر إبقاؤها داخل المكتب. وُضع ثلاثة أفراد من الأمن والمخابرات لحراسة المقر، ومنعوا الموظفين من الدخول إليه.

لم يعد المكتب مكانا يذهب إليه الموظفون كل صباح. لقد أصبح مكانا يخضع للحراسة، وتعود إليه عناصر الجهاز من وقت إلى آخر لتفتيش الملفات والحصول على مستندات أو معلومات محددة، وفقا لمقربين من أحمد.

حتى سيارتا محمد حسين وزوجته، اللتان كانتا متوقفتين في فناء المؤسسة قبل سفرهما إلى القاهرة، بقيتا تحت التحفظ. طُلب من طه تقديم أوراق ملكيتهما لإثبات أنهما ملكية شخصية وليستا ملكاً للمؤسسة. قدم الأوراق في اليوم التالي، لكن السيارتين لم تعودا حتى كتابة التقرير.

استمرت المطالبات بإعادتهما، لكن القاضي الذي شارك في عملية التفتيش، أبلغهم في وقت لاحق، بأنه لم يتمكن من الوصول إلى ضابط الأمن والمخابرات المسؤول عن ملف "برسنت".

أربعة أيام قبل العودة

كان محمد حسين قد حجز تذكرة عودته إلى صنعاء في 10 يونيو.

لم يكن يعرف، وهو يستعد للعودة من القاهرة بعد علاج زوجته، أن مقر مؤسسته ستصبح مغلقة قبل وصوله، وأن مديرها التنفيذي سيكون في المعتقل، وأن أجهزة الموظفين وملفات المؤسسة وحساباتها المصرفية أصبحت جميعها في قبضة جهاز الأمن المخابرات. وعندما صدم بالخبر ألغى حتى فكرة العودة.

أما أحمد حسين، الذي بدأ ذلك الصباح بمحاولة معرفة من يقف خلف باب منزله، فقد انتهى يومه في المعتقل.

وبين اللحظتين، انتقل التحقيق من سؤال عن رئيس مؤسسة موجود في القاهرة إلى تفتيش منزل مديرها، ثم إلى تفكيك مقر المؤسسة ومصادرة أدوات عملها واحتجاز مديرها التنفيذي.

ظل أحمد مغيباً ومختفي قسرياً لازيد من ستة أشهر، دون معرفة مصيره، وبعد ذلك سمح لاسرته فقط بزيارة واحدة لمدة ساعة كل أسبوعين. وحتى الآن، لم يتم إحالته إلى النيابة والقضاء ولم توجه إليه أي اتهامات.

وبحسب الاسرة فإن جهاز الأمن والمخابرات حوّل أحمد وجميع المعتقلين لديه إلى مشاريع استثمارية، فبينما لا توفر لهم جهات الاعتقال أي نوع من أنواع التغذية الملحّة مثل الاكل والشرب، فإنهم يجبرون اسرهم على تقديم أموال ضخمة لمواجهة مصاريف المعيشة في الاعتقال حيث يبيعونهم كل شيء وبأسعار سياحية تتجاوز عشرة اضعاف ثمنها الحقيقي خارج المعتقلات.

مضى عامان وثلاثة أشهر تقريبا، وما تزال الاجابة عن انتهاء محنة ومعاناة اسرة أحمد حسين وبرسنت، معلقة دون طائل، برغم المطالبات بإطلاق سراحه وإعادة ممتلكاته وحقوق المؤسسة وعودة العمل والموظفين إلى أعمالهم.

لم يكن أحد داخل "برسنت" وبين أسرة أحمد يتوقع أن ينتهي استدعاء روتيني، كما بدا لهم في البداية، بباب مكسور ومكتب مغلق ومؤسسة كاملة تحت الحراسة.