الجمعة 2 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • من القصف إلى النزوح والنهب.. الوجه الإنساني للتصعيد في تعز والساحل الغربي

من القصف إلى النزوح والنهب.. الوجه الإنساني للتصعيد في تعز والساحل الغربي

من القصف إلى النزوح والنهب.. الوجه الإنساني للتصعيد في تعز والساحل الغربي

لم يكن الخروج من مناطق القتال في تعز والساحل الغربي يعني بالضرورة الوصول إلى الأمان. فمدنيون غادروا منازلهم تحت القصف وإطلاق النار وجدوا أنفسهم على طرق محفوفة بالخطر، بينما وصل آخرون إلى مواقع نزوح تفتقر إلى أبسط الاحتياجات، ثم تلقوا أنباء عن اقتحام منازلهم ونهب ما تركوه خلفهم.

هذه الصورة ترسمها شهادات ووقائع جمعها تقرير حقوقي جديد بعنوان «لم يعد هناك مكان آمن»، أصدرته منظمة سام للحقوق والحريات بالشراكة مع منظمة رصد للحقوق والحريات ومنظمة العدالة والإنصاف للتنمية وحقوق الإنسان، ووثق آثار التصعيد العسكري خلال الفترة من 3 يوليو/تموز إلى 22 سبتمبر/أيلول 2026، مع تركيز خاص على القتال الذي اتسع منذ مطلع سبتمبر في غرب تعز والساحل الغربي والمناطق المتصلة بباب المندب.
ويضع التقرير المدنيين في قلب المشهد، متتبعًا القتل والإصابة والنزوح والهجمات التي طالت أعيانًا مدنية، إلى جانب نهب الممتلكات والاعتقالات والقيود على الحركة وتجنيد الأطفال، في مناطق شهدت خلال أسابيع تغيرات عسكرية وموجات نزوح واسعة.

16 قتيلًا.. وحصيلة لم تكتمل

اعتمد التقرير على قاعدة رصد أولية تضم 85 سجلًا، بينها 70 سجلًا في القائمة الرئيسية و15 سجلًا إضافيًا من راصدي المنظمة في الحديدة، لكنه شدد على أن هذه السجلات لا تعني وقوع 85 حادثة مستقلة بسبب وجود تداخل وتكرار في بعض الوقائع.
وبعد مراجعة الأسماء واستبعاد التكرار، وثقت المنظمات مقتل ما لا يقل عن 16 مدنيًا وإصابة نحو 18 آخرين ممن أمكن تحديدهم بالأسماء، مع وجود ضحايا ومفقودين ومصابين آخرين لم تكتمل عملية التحقق والمضاهاة بشأنهم.
وكان القصف بالصواريخ وقذائف الهاون والأسلحة النارية من أبرز أسباب سقوط المدنيين، وفق التقرير، الذي سجل أيضًا وقائع قنص وإطلاق نار أثناء تنقل مدنيين أو محاولتهم الفرار، فيما كان أطفال تتراوح أعمار بعضهم بين أربع و15 سنة بين الضحايا.
ويشدد معدو التقرير على أن الأرقام تمثل الحد الأدنى مما أمكن توثيقه، وليست حصيلة نهائية، بسبب صعوبة الوصول إلى بعض المناطق وتغير السيطرة الميدانية وعدم اكتمال التحقق من حالات أخرى.

امرأة حامل وأسرة على طريق الفرار

وراء الحصيلة الرقمية تظهر قصص لأشخاص وجدوا أنفسهم وسط القتال.
في 12 سبتمبر، قُتلت مالية عبدالجليل مهيوب علي، البالغة من العمر 32 عامًا، وكانت في الشهر الثامن من الحمل، إثر سقوط قذيفة هاون في منطقة نقيل الحدة بالشقب، جنوب شرقي تعز. وبحسب المصادر التي استند إليها التقرير، أدى القصف إلى وفاتها وجنينها.
وقبل ذلك بيوم، كانت حافلة صغيرة تقل أسرة المهندس عبدالغني رزاح في طريقها باتجاه الخوخة عندما تعرضت لإطلاق نار. ووفق الإفادات التي أوردها التقرير، قُتل الطفل خالد عبدالغني رزاح، البالغ 15 عامًا، وشقيقته مارينا وجدهما، وأصيبت الأم وعدد من أفراد الأسرة.
وفي منطقة عكاد بمديرية المعافر، أصيب الطفل تركي هزاع أحمد حزام، 8 سنوات، بشظية في الوجه والرقبة بينما كان بالقرب من منزله.
ولم تكن طرق الفرار بعيدة عن الخطر. ففي ليلة 9 سبتمبر، تعرضت أسر مدنية كانت تحاول مغادرة مناطق القتال على الطريق بين باب المندب وذباب، قرب مثلث العمري، للقصف، بحسب مصادر وشهادات جمعتها «سام».
وتحدثت الإفادات عن قصف ثانٍ وقع أثناء محاولة إنقاذ المصابين، أعقبه انفجار صهريج وقود، وخلف إصابات ومفقودين من أكثر من أسرة. لكن التقرير أبقى المسؤولية عن هذه الواقعة مفتوحة للتحقيق، مؤكدًا أن تحديد الطرف المسؤول ونوع المقذوفات والحصيلة النهائية يحتاج إلى تحقيق فني وميداني إضافي.

129 ألف نازح

أحد أكبر أوجه الكلفة الإنسانية للتصعيد ظهر في موجات النزوح.
وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة التي استند إليها التقرير، بلغ عدد النازحين المسجلين حتى 21 سبتمبر 129,438 شخصًا، يمثلون 21,573 أسرة.
نازحون ـ منصات
نازحون ـ منصات
وأورد التقرير أرقامًا أعلى سجلتها الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، وصلت في بعض التحديثات إلى نحو 158,109 أشخاص، لكنه حذر من جمع الرقمين، موضحًا أن الاختلاف يعود إلى تفاوت فترات ونطاقات ومنهجيات التسجيل.
وتوزع النازحون على محافظات تعز ولحج وعدن والحديدة وأبين وحضرموت ومأرب، بينما عبر أكثر من 3,100 شخص من اليمن إلى جيبوتي.
وتكشف شهادات النازحين أن رحلة الخروج نفسها تحولت إلى جزء من المعاناة. تحدثت أسر عن مغادرة منازلها خلال ساعات أو تحت إطلاق النار، وعن السير لمسافات طويلة مع انعدام وسائل النقل أو الوقود، ثم الوصول إلى مناطق النزوح من دون خيام أو فرش أو غذاء كافٍ.

«خرجنا بملابسنا»

من بين تلك القصص شهادة سلمى محمد عبدالله عفيسة، وهي أرملة وأم لثلاثة أطفال، غادرت المخا صباح 10 سبتمبر على عجل، وهي تعتقد أنها ستعود إلى منزلها سريعًا.
لكن الرحلة طالت. ومع ندرة وسائل النقل، اضطرت مع أطفالها إلى ركوب شاحنة تستخدم لنقل المواشي، قبل أن تصل إلى موقع للنزوح يفتقر إلى الاحتياجات الأساسية.
لاحقًا، علمت أن منزلها تعرض للنهب وأن مقتنياتها وأغراض زوجها الراحل قد اختفت.
وتكررت صور مشابهة في شهادات أخرى وثقها التقرير: أسر خرجت سيرًا على الأقدام، وعائلات وصلت من دون خيام أو بطانيات، وأخرى اضطرت إلى تقاسم منزل واحد مع عدة أسر.

المنازل لم تسلم بعد رحيل أصحابها

خصص التقرير جانبًا واسعًا لبلاغات نهب الممتلكات والاستيلاء عليها في مناطق الساحل الغربي عقب تغير السيطرة العسكرية.
وتلقت «سام» شهادات عن اقتحام منازل ونهب أثاث ووثائق وأجهزة وممتلكات شخصية، فضلًا عن بلاغات طالت مرافق قضائية وطبية وإنسانية.
ومن بين الحالات التي أوردها التقرير منزل عمر دبلة في المخا، الذي قال إنه تعرض للنهب بعد مغادرته المنطقة، بما في ذلك وثائق شخصية وصور عائلية ومقتنيات.
كما تلقت المنظمة بلاغات بشأن نهب معدات وأجهزة ووثائق من ميناء ومطار المخا، والاستيلاء على مركبات تابعة للأمم المتحدة، إلى جانب وقائع طالت منشآت قضائية في حيس والخوخة ومرافق طبية وإغاثية ومستودعات للغذاء ومواد الإيواء ومشاريع للمياه.
وتحدث التقرير عن تقديرات تفيد بتعرض مئات المنازل للنهب، لكنه امتنع عن اعتمادها كحصيلة نهائية لعدم توفر مسح مستقل وشامل، داعيًا إلى حصر الممتلكات المنهوبة وتحديد أصحابها ومصيرها حالة بحالة.

أطفال إلى الجبهات

وفي موازاة القتل والنزوح، وثق التقرير إفادات لأطفال عن تجنيدهم واستخدامهم في أعمال عسكرية.
وتحدث طفل يبلغ 13 عامًا عن استقطابه بواسطة مشرف محلي مقابل وعود مالية، وقال إن أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عامًا كانوا معه قبل نقله إلى جبهة في تعز وتكليفه بأعمال مراقبة وحراسة.
كما أفاد طفل آخر، يبلغ 16 عامًا، بأنه خضع لمعسكر تدريب استمر قرابة 55 يومًا، تضمن التدريب على الأسلحة والرماية وتمارين عسكرية ودروسًا دينية وسياسية، قبل نقله إلى مواقع عسكرية.
ويربط التقرير بين قابلية الأطفال للاستقطاب وبين الفقر وفقدان مصادر الدخل وتعطل التعليم والضغط الأسري والاجتماعي والتعبئة العقائدية.
وفي الوقت نفسه، أورد بيانات لليونيسف تفيد بأن أكثر من 137 ألف طفل في سن الدراسة واجهوا اضطرابات كبيرة في التعليم نتيجة التصعيد.

بين التوثيق وإسناد المسؤولية

يقول التقرير إن تركيزه الأكبر انصب على الوقائع المنسوبة إلى جماعة الحوثي، بالنظر إلى طبيعة الشهادات والبلاغات التي جُمعت عن سلوك الجماعة خلال العمليات العسكرية وبعد انتقال السيطرة إلى مناطق جديدة.
لكنه يميز بين توثيق وقوع الضرر وبين تحديد المسؤولية عنه، ويؤكد أن التركيز على الانتهاكات المنسوبة إلى الحوثيين لا يعفي الحكومة اليمنية أو القوات المتحالفة معها، أو أي طرف آخر، من التزاماته بموجب القانون الدولي الإنساني.
واعتمد معدو التقرير على توثيق ميداني لأكثر من 20 حالة عبر مقابلات مع ضحايا وناجين وأفراد أسرهم وشهود، إلى جانب الصور والوثائق والمعلومات الطبية والبيانات الرسمية والأممية والمصادر المفتوحة.
استخدم التقرير معيار «الأسباب المعقولة للاعتقاد» في تقييم الوقائع، موضحًا أن هذا المستوى من التوثيق لا يعادل معيار الإثبات الجنائي ولا يكفي بمفرده لإسناد المسؤولية الجنائية الفردية.

تحقيقات وحفظ للأدلة

يرى التقرير أن الوقائع التي جمعها تكشف عن أضرار وانتهاكات محتملة تستدعي تحقيقات مستقلة وفعالة، تشمل قتل وإصابة المدنيين وتجنيد الأطفال والاعتقال والاحتجاز والهجمات على الأعيان المدنية والطبية واقتحام ونهب المنازل والمرافق وانتهاك حرمة الموتى.
وطالب جماعة الحوثي بوقف الهجمات غير المشروعة على المدنيين والأعيان المدنية، وإنهاء تجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال، والإفراج عن المحتجزين تعسفًا والكشف عن مصير المفقودين والمخفيين، وإعادة الممتلكات والوثائق والمساعدات المستولى عليها.
كما دعا الحكومة والقوات المتحالفة معها إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين والتحقيق في أي انتهاكات تنسب إلى قواتها، وتأمين طرق النزوح ومناطق الاستقبال وحماية ممتلكات النازحين.
وطالب الأمم المتحدة والجهات الدولية بدعم تحقيقات مستقلة وضمان الوصول إلى الضحايا والشهود ومواقع الانتهاكات، فيما دعا المانحين والمنظمات الإنسانية إلى زيادة التمويل لخدمات المأوى والغذاء والمياه والصحة والتعليم والحماية.
وفي بلد تتغير فيه خطوط القتال سريعًا، يخلص التقرير إلى صورة تتجاوز الجبهة العسكرية نفسها، مدني ينجو من القصف لكنه يفقد منزله، وأسرة تفر بحثًا عن الأمان فتتعرض للخطر في الطريق، وأطفال ينتقلون من المدرسة إلى النزوح، أو من دورات التعبئة إلى معسكرات التدريب.