وزارتا الزراعة والصحة رأس الأفعى
في منشور سابق على صفحتي في الفيسبوك، كتبت تحت عنوان: «العشرة المبشرون بغضب الله» عشرة نماذج أخضعتها لغضب الله، وهم:
مسؤولو وزارتي الزراعة والصحة.
أمين العاصمة ومحافظو المحافظات المتغاضون عن سقي المزارع بمياه المجاري، ورش المحاصيل الزراعية بالسموم.
تجار الحروب والأسلحة.
تجار المبيدات الزراعية.
تجار وصنّاع الأدوية والمحاليل المغشوشة.
المزارعون الذين يسقون مزارعهم من مياه المجاري.
الأشخاص الذين يقومون بتدوير زيوت المحركات وزيوت الطبخ المستخدمة، ويعيدون بيعها للاستخدام الآدمي.
شركة النفط وموردو الوقود المغشوش.
تجار الألعاب النارية.
بعض الأطباء، وأغلب مديري المستشفيات العامة، ومُلّاك ومديرو وأطباء المستشفيات الأهلية والخاصة.
وأجد أنه لابد من أن أوضح مبررات ودواعي وبواعث ذلك المنشور، ولن يتأتى هذا إلا ببيان خطورة كل نموذج من هذه النماذج العشرة على الإنسان والمجتمع، صحيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، بل وسياسيًّا.
ولأن الجريمة منظمة وصامتة، قررت أن أفككها في عدة حلقات، نتناول في كل حلقة فئة من هؤلاء العشرة، لأبين: كيف يدمر هؤلاء صحة الإنسان؟ وكيف يخربون اقتصاد الأسرة؟ وكيف يفككون نسيج المجتمع؟ وكيف يتحول فسادهم في النهاية إلى خطر سياسي يهدد بقاء الدولة نفسها، على فرض وجود دولة؟
سأتناول كل واحد منها بشيء من البيان والتفصيل المنطقي الرصين في حلقات متتابعة، حتى لا يكون كلامي رجمًا بالغيب أو نزقًا عابرًا، بل تشخيصًا لجريمة قتل بطيء تمارس كل يوم ضد هذا الشعب المكلوم المظلوم.
الحلقة الأولى:
وزارة الزراعة ووزارة الصحة.. المسؤولية الأصلية
يثار تساؤل مشروع:
هل وزارتا الزراعة والصحة وحدهما هما المسؤولتان عن الكوارث التي تسبب السرطانات والفشل الكلوي والعديد من الأمراض الخطيرة التي تفتك باليمنيين؟
والجواب القانوني الدقيق: لا، ليستا وحدهما، ولكنهما رأس المنظومة؛ لأنهما الجهتان الرئيسيتان في الدولة المناط بهما مهمة ضمان صحة الناس ومنع وصول السم إلى أفواههم، وهما في هذه المسألة بمكانة الحارس. وانتشار هذه الأمراض بين الناس بمختلف أعمارهم بالصورة المخيفة التي يشهدها الواقع، يوجب بالضرورة مساءلتهما برلمانيًّا وقضائيًّا، وأقل ما يمكن قوله: إنهما يتواطآن مع مسببات الأمراض.
فإذا تواطأ الحارس، دخل القاتل آمنًا.
ومع أنني لم أطلع على القوانين ذات الصلة بهاتين الوزارتين، غير أنني أثق أن القانون موجود، واللوائح موجودة، والدستور موجود. بمعنى أن المشكلة ليست في غياب النص، بل في غياب ضمائر المكلفين بتطبيق النص في هاتين الوزارتين بصورة أساسية.
ولا أنكر أن هناك جهات مسؤولة، ولا يجوز إغفال مسؤولياتها، غير أن هاتين الوزارتين هما رأس الأفعى، المسؤولتان مباشَرةً عن قتل الناس بالمبيدات والسموم وسقي المجاري والأدوية والمحاليل المغشوشة، ويمثلان رأس الهرم في مسؤولية حياة الناس عن هذه الآفات؛ فإن صلحتا صلح جسد المجتمع، وإن فسدتَا فسد الجسد كله.
ونؤكد أن كلامنا عن هاتين الوزارتين ومسؤولياتهما الدينية والأخلاقية والدستورية والقانونية، ليس بدافع التشهير، ولا هو مجرد انفعال جراء لحظة غضب، بل دعوة لتشخيص معاول الهدم فيهما، التي تمارس القتل العمد مع سبق الإصرار، ولكن ببطء وخبث.
بعد أن أصبح واقعنا اليوم يشهد ازديادًا ملحوظًا في حالات الوفيات بالجلطات، وتفشي أمراض السرطان والفشل الكلوي بين الشباب خاصة، فإن المواطن اليمني اليوم لا يموت جوعًا فقط، أو برصاصة في الجبهة، أو بقذيفة عدوان، بل يموت بجرعة كيماوي إسرائيلي مغشوش، وبطماطم وخضروات مسقية بماء مجارٍ، وبقرص دواء لا مادة فعالة فيه، وبليتر بنزين مغشوش، وكلها تباع في أسواقنا علنًا.
فوزارة الزراعة هي المسؤولة عن توفير كل ما يلبي حاجات المواطنين في مجال الاقتصاد الوطني من مختلف المنتجات الزراعية النظيفة الصحيحة السليمة، وتقع عليها المسؤولية الرئيسية في تحقيق الأمن الغذائي لأبناء الشعب.
ويدخل في صميم مسؤوليتها العمل على ضمان خلو المنتجات الزراعية المحلية من مختلف الآفات والأمراض والأوبئة، وعدم الترخيص باستيراد الأسمدة والمبيدات الخطرة والمحرمة دوليًّا، وهي المعنية بالإشراف على ضمان حسن استخدام المبيدات.
وقد زوّد القانون هاتين الوزارتين بعدد من هياكل القطاعات والمسؤولين الفنيين والإداريين والخبراء والمعامل، المخولة بالعديد من الصلاحيات الكفيلة بضمان إغراق السوق بالعديد من المنتجات الزراعية السليمة، المحلية وغير المحلية، ولتحقيق وفاء الحكومة والدولة بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية في ضمان تقديم الخدمات الصحية الوقائية والتشخيصية والعلاجية والتأهيلية، وإنشاء المنشآت الصحية اللازمة لذلك، ولما تجرأ عديمو الضمائر من العاملين في مجال التطبيب والمعالجة على المتاجرة بصحة وأرواح الناس.
فوزارة الصحة العامة والسكان هي المسؤولة عن مدخلات الاستهلاك: غذاء، ودواء، وماء شرب، ومنشأة صحية. وهي التي يفترض أن تقول: هذا الدواء مغشوش، وتمنع بيعه؛ وهذا المستشفى يذبح الناس، يجب حماية الناس منه؛ وهذا الزيت المكرر نتلفه لأنه يسبب الفشل الكلوي.
ويدخل في مسؤولياتها أيضًا التنسيق مع الجهات ذات العلاقة للقيام بالإشراف الصحي على جميع شبكات الصرف الصحي ومحطات معالجة المياه العادمة، والفحص الدوري لمياه الشرب ومصادرها.
لذلك، فعندما تصمت وزارة الزراعة ووزارة الصحة، تكون النتيجة ما نسمع وما نراه اليوم.
اليمن من أعلى دول العالم في الفشل الكلوي والكبدي والسرطانات، و40 بالمئة من حالات الفشل الكلوي في مستشفيات صنعاء وعدن سببها تلوث غذائي ودوائي ومياه ملوثة، حسب تقديرات أطباء الكلى أنفسهم.
مبيدات محرمة دوليًّا تدخل وتُرش على القات والخضار، وتستقر في دم الأم الحامل وتنتقل إلى الجنين.
أدوية مهربة ومنتهية، ومحاليل وريدية مغشوشة بماء غير معقم، تقتل في غرف العمليات ولا أحد يحاسب. والمسؤول الذي يوقّع على إدخالها أو يغض الطرف عنها، ليس فاسدًا إداريًّا، وإنما هو شريك في جريمة قتل عمد، ويجب مساءلته؛ حتى لا يجد المواطن نفسه تحت ظل سلطة جباية لا تحمي خبزه ودواءه، فتسقط شرعيتها الأخلاقية في قلبه. ويصبح لسان حاله: إذا كانت الوزارة التي مهمتها أن تحميني من السم هي نفسها التي تسمح بدخوله، فلمن أشكو؟
ومن هنا تتأصل وتنتشر فكرة: «الكل لصوص»، ويفقد الناس الثقة بالجمهورية نفسها. فيقول:
ما الفرق بين الإمامة التي كانت تقول: موتوا جوعًا؟ وبين جمهورية ترغمني على أن آكل مجاري وأموت سرطانًا؟
هذا هو الخطر السياسي الأكبر.
ففساد هاتين الوزارتين هو الذي يجعل الناس تكره الدولة، ويجعلها تتمنى أي بديل، حتى لو كان مليشيا؛ لأنه يعدها، على الأقل، بالأمن.
ولهذا هما رقم واحد في قائمة غضب الله وغضب الشعب.
ومع ذلك، فلهما شركاء في ارتكاب هذا الجرم في حق الوطن، مثل:
الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة: وهي من أناط بها القانون أن تفحص الشحنة في الميناء وتقول: إنها مطابقة أو مغشوشة.
وزارة المياه والبيئة – الهيئة العامة لحماية البيئة: وهي المسؤولة عن مراقبة تلوث التربة والمياه ومحطات معالجة مياه المجاري.
وزارة الصناعة والتجارة ومصلحة الجمارك: مسؤولة عن منع دخول المبيدات المحظورة والأدوية المهربة.
أمانة العاصمة والمحافظات والمديريات – السلطة المحلية: مسؤولة مباشرة عن الأسواق والمطاعم والمسالخ ومزارع حزام المدن.
يعني أن الجريمة التي نراها اليوم، وتفتك بأرواح الناس وصحتهم، هي جريمة تواطؤ منظومة كاملة، وليست وزارة واحدة، ولكن تظل المسؤولية الأصلية على الوزارتين المذكورتين.
وأخيرًا، نذكر بجريمة مستشفى الكويت التي لم ينسها اليمنيون:
ففي أواخر سبتمبر 2022، تم حقن نحو 50 طفلًا من مرضى سرطان الدم بجرعة دواء ملوثة ومهربة «ميثوتريكسيت» في وحدة اللوكيميا. توفي منهم 18 طفلًا باعتراف منظمات محلية ودولية، بينما اعترفت وزارة الصحة في صنعاء بعشرة فقط، ثم أُغلق الملف بعد سنة بحكم هزلي قضى بسجن ثلاثة صيادلة سنة واحدة مع وقف التنفيذ، ودفع ديات، دون مساءلة أي مسؤول كبير في الوزارة أو الهيئة العليا للأدوية في ولاية المتوكل حينها.
فإلى أين وصلتم بهذه القضية، يا حكومة صنعاء؟ وهل أرواح أطفال السرطان أرخص من كراسيكم؟
ومفارقة عجيبة في وزارة الزراعة:
فإن المهندس عبد الملك الثور، الوزير السابق لوزارة الزراعة، كشف في قاعة مجلس النواب فضيحة تراخيص استيراد السموم والمبيدات الممنوعة دوليًّا، فكوفئ بتغييره.
نعم، هكذا هو الحال في جمهورية العجائب هذه:
يكافأ من يستورد الموت، ويعاقب من يبلغ عنه.
فأي دولة ننتظر منها أن تحمينا من السرطان، وهي تحمي تجار السرطان؟
الخاتمة
صالح بن صالح، صانع محتوى في الفيسبوك، يستحق منا الشكر والتقدير لدوره الوطني المستمر في فضح مستثمري حياتنا.
أنظف الناس فينا ليس من يغسل الخضار الملوثة وهو ساكت، بل هو من لا يسكت عن من لوّثها.
وأشرفنا من يفضح تواطؤ السلطات المفضوح في دخول المبيدات المسرطنة إلى البلاد والتكسب من السكوت عن بيعها علنًا في الأسواق، ومن يفضح كذلك المزارع المجرم الذي يسقي خضارنا بمياه المجاري ليقتلنا بثمن بخس، والمسؤول الذي يراه ويسكت لأنه شريكه في التربح من جريمة إبادتنا.
غسل الخضار قد يحميك ليوم، وكشفهم يحمي شعبًا كاملًا بكل تأكيد.
والله غالب على أمره.



