القيم في معادلة القوة
عندما تتصارع القوة لذاتها، وتكون مجردة من الغايات والقيم والمبادئ، فمن الطبيعي أن تكون الغلبة حليف الأقوى؛ حتى وإن أبدى الأضعف حينًا من الصمود، أو المقاومة المؤقتة، إذ إن المحصلة النهائية ستحسم، في الغالب، لصالح رجحان القوة وشراستها.
أما عندما يكون الصراع بين قوة عنجهية، وبين قيم ومبادئ، فإن معادلة الصراع تصبح مختلفة تمامًا؛ ذلك أن القيم والمبادئ لا تقاس بموازين القوة المادية وحدها، ولا تختزل نتائجها في انتصار عسكري عابر أو هزيمة ميدانية مؤقتة. فالقيم، حين تستند إلى الحق والإيمان، تمتلك من القدرة على البقاء والتأثير ما لا تملكه القوة المجردة من المعنى.
صحيح أن القوة المادية قد تحقق بعض التفوق العسكري في الميدان، وربما تحرز بعض الانتصار الآني على صعيد الجغرافيا، لكنها لا تستطيع، بمجرد تفوقها العسكري، أن تمنح الباطل مشروعية، أو تحول القهر إلى حق، أو تجعل الهزيمة المؤقتة للقيم هزيمة نهائية لها.
فكم من قوة عربدت في الأرض، واستعلت على الناس، وظنت أن امتلاكها السلاح والعتاد كفيل بمنحها الخلود، ثم انقضى سلطانها، وبقيت المبادئ التي حاربتها حاضرة في الذاكرة والوجدان والتاريخ.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في معادلة القوة: القوة قد تنتصر على الإنسان، لكنها لا تنتصر بالضرورة على الفكرة؛ وقد تستولي على الأرض، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تستولي على الوعي؛ وقد تفرض الصمت بالقهر، لكنها لا تملك إسكات الحقيقة إلى الأبد.
والتاريخ خير شاهد على ذلك؛ فما من قوة على وجه الأرض، مهما بلغت أوجها، إلا آلت إلى زوال، بينما بقيت القيم والمبادئ التي انتصر لها أصحابها، وإن دفعوا ثمنًا باهظًا في سبيلها. فالأشخاص والقوى والأنظمة عابرة، أما المبادئ الحقيقية فتبقى، لأنها لا تستمد وجودها من قوة حاملها وحدها، وإنما من قدرتها على الصمود في الوجدان الإنساني.
ومن ثم، فلا تثريب ولا قلق على أصحاب المبادئ والقيم، ولا على كل من اختار أن ينتصر لها، حتى وإن بدا في لحظة من اللحظات أن موازين القوة ليست إلى جانبه. فليست كل هزيمة في الميدان هزيمة في التاريخ، وليست كل غلبة عسكرية نصرًا حقيقيًا.
وإياكم والدخول في جدل أو صراع عقيم مع جهلاء القطيع، أولئك الذين يتبعون كل ناعق، ويقيسون الحق بميزان القوة والغلبة، فيرون في القوي حقًا لمجرد أنه قوي، وفي الضعيف باطلًا لمجرد أنه ضعيف. فالقوة في ذاتها ليست دليلًا على الحق، كما أن الضعف ليس دليلًا على الباطل.
إن معادلة التاريخ أعمق من معادلة السلاح، وميزان الحق أثقل من ميزان القوة.
فالنصر دومًا حليف القيم والمبادئ، وإن تأخر.
والله المستعان.



