تعز لا تكسر
خلال أكثر من خمسين عامًا من عمري، منذ أن بدأت أعي ما يجري حولي، عرفت أبناء تعز في عدن وصنعاء وتعز والحديدة، وفي بلدان كثيرة خارج اليمن. وما رأيت أحدًا ممن عرفتهم منهم إلا وجدت لديه حسًا وطنيًا واضحًا، ونفورًا من الظلم، وتطلعًا إلى دولة يسودها العدل والقانون. ومع مرور السنوات، أدركت أن ما كنت أراه في الأشخاص لم يكن مجرد صفات فردية، وإنما امتدادًا لتاريخ طويل من الحضور السياسي والفكري والاجتماعي لأبناء تعز في الحياة اليمنية.
فمنذ بدايات الحركة الوطنية اليمنية الحديثة، برزت تعز وريفها بوصفهما من أهم البيئات الحاضنة للنشاط السياسي والفكري. ولم يكن ذلك مقتصرًا على العمل المسلح، وإنما شمل التعليم والصحافة والعمل المدني والسياسي والتنوير الفكري. وقد امتد هذا الدور إلى مراحل النضال ضد الحكم الإمامي، وصولًا إلى الثورة الدستورية عام 1948، ثم حركة 1955 التي شهدت تعز واحدة من أبرز محطاتها عندما تحرك أحمد الثلايا وقواته ضد الإمام أحمد. وتؤكد الدراسات التي تناولت تاريخ الحركة الوطنية اليمنية أن أبناء تعز شاركوا في مختلف مراحل النضال الوطني منذ الثلاثينيات وحتى قيام ثورتي سبتمبر وأكتوبر.
وعندما قامت ثورة 26 سبتمبر 1962، لم تكن تعز بعيدة عن الحدث، بل كانت من البيئات التي احتضنت الحركة الجمهورية وأسهم أبناؤها في الدفاع عنها وتثبيت نظامها. وكانت الثورة، في حقيقتها التاريخية، نتيجة تراكم طويل من المقاومة السياسية والفكرية لنظام الإمامة، ثم تحولت إلى مواجهة عسكرية وسياسية استمرت سنوات حتى انتصرت الجمهورية.
ولم يتوقف دور أبناء تعز عند حدود الشمال. فقد كانت تعز بحكم موقعها وصلاتها البشرية والسياسية إحدى الحواضن المهمة للنضال ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب. وبعد قيام الجمهورية في الشمال عام 1962، أصبحت الثورة سبتمبر قاعدة إسناد مهمة للنضال الذي انفجر في الجنوب بثورة 14 أكتوبر 1963، وتذكر المصادر التاريخية أن مقاتلين من ردفان كانوا قد توجهوا إلى صنعاء للمشاركة في الدفاع عن الجمهورية، ثم عادوا إلى الجنوب بعد انتهاء مهمتهم، لتبدأ من هناك شرارة ثورة 14 أكتوبر. كما تشير الدراسات إلى الدور الفكري والمادي والتنظيمي الذي لعبه أبناء تعز في دعم الثورة الجنوبية.
وهنا تكمن أهمية تعز في التاريخ اليمني: لم يكن انتماؤها الوطني محصورًا في جغرافيا المحافظة. كان ابن تعز يرى اليمن وطنًا أوسع من مدينته وقريته، ولذلك وجدناه في عدن، وفي صنعاء، وفي الحديدة، وفي حضرموت، وفي مختلف مناطق اليمن. وحين هاجر اليمنيون إلى الخارج، حمل أبناء تعز معهم هذا الارتباط بالوطن، وارتبط انتشارهم في مختلف المدن والبلدان بالتجارة والتعليم والعمل والخدمة العامة.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في تجربة أبناء تعز هو اقتران النضال بالعلم والعمل. فقد كانت تعز من البيئات التي ارتبط فيها التعليم بالصعود الاجتماعي وبناء الوعي الوطني. وليس مصادفة أن ارتبط اسمها في العقود الأخيرة بالحركة المدنية والسياسية وبنشاط النقابات والمنظمات والشخصيات الوطنية؛ فالدراسات التي تناولت تاريخ المحافظة تصفها بأنها من أبرز مراكز النشاط السياسي والمدني والثقافي في اليمن.
وفي عام 2011، ظهر هذا الدور بصورة جديدة. خرجت تعز إلى ساحات الاحتجاج، وأصبحت ساحة الحرية فيها أحد أبرز رموز الثورة الشعبية اليمنية، حتى ارتبط اسم المدينة في الذاكرة السياسية بتلك المرحلة بوصفها إحدى أهم مراكز حركة التغيير.
ثم جاءت الحرب الأخيرة لتضع تعز أمام اختبار جديد. تعرضت المدينة للحصار والحرب، ومع ذلك ظل حضورها الجمهوري والمدني قائمًا. وحتى في السنوات الأخيرة، بقيت تعز مرتبطة في الذاكرة اليمنية بفكرة الجمهورية؛ ففي سبتمبر 2026، عادت مشاهد الاحتفاء بذكرى 26 سبتمبر في تعز لتؤكد أن ذاكرة الثورة والجمهورية ما زالت حاضرة في المدينة، رغم الحرب والانقسام.
ومن خلال تجربتي الشخصية، أستطيع أن أقول إنني لم أرَ في أبناء تعز الذين عرفتهم ذلك النوع من الوطنية المرتبطة بالمصلحة أو الظرف السياسي. رأيت أناسًا يعملون ويتعلمون ويكافحون أينما وجدوا، لكنهم يحتفظون بعلاقة عميقة بأرضهم ووطنهم. قد يعيش ابن تعز في أقصى الأرض، لكنه لا يشعر أن اليمن أصبح بعيدًا عنه.
ولهذا تعرض أبناء تعز، مثل غيرهم من أبناء الحركة الوطنية، للملاحقة والسجن والتعذيب والقمع في ظل مراحل مختلفة من تاريخ اليمن. لكن التجربة أثبتت أن القمع قد يسكت فردًا، لكنه لا يستطيع إلغاء فكرة راسخة في مجتمع بأكمله.
ومن يظن أنه يستطيع كسر تعز وأبنائها فهو واهم. ومن يظن أنه يستطيع أن يحكم اليمن ويستقر له الحكم بعيدًا عن تعز وأبنائها فهو واهم ألف مرة. فتعز ليست مجرد محافظة ذات كثافة سكانية كبيرة، وليست مجرد مدينة تقع في قلب الجغرافيا اليمنية؛ إنها، في جانب مهم من تاريخ اليمن الحديث، إحدى خزانات الوعي الوطني والجمهوري والمدني.
ولذلك فإن الدفاع عن تعز ليس دفاعًا عن مدينة ضد مدينة، ولا عن منطقة ضد منطقة، وإنما هو دفاع عن فكرة اليمن التي عرفناها: دولة لكل أبنائها، لا ملكًا لعائلة، ولا غنيمة لجماعة، ولا مشروعًا لفئة أو منطقة.
لقد كانت تعز في محطات كثيرة من تاريخنا جزءًا من صناعة التحولات الكبرى، من مقاومة الإمامة إلى الثورة الدستورية، ومن ثورة سبتمبر إلى إسناد ثورة أكتوبر، ومن الحركة الوطنية الحديثة إلى انتفاضة 2011، وصولًا إلى مقاومتها في الحرب الأخيرة. وليس من المنطقي أن يُطلب منها اليوم أن تقف على هامش صناعة مستقبل اليمن.
ستنتصر تعز كما عودتنا، ليس لأنها تبحث عن انتصار على الآخرين، وإنما لأنها تحمل فكرة تتجاوزها: فكرة الجمهورية والدولة والمواطنة. وبانتصار هذه الفكرة يمكن أن تستعيد الجمهورية معناها، ويستعيد اليمن عافيته، وينتهي زمن الصراع على السلطة الذي جعل الوطن ساحة مفتوحة للحروب.
وسيكتشف الذين راهنوا على تمزيق اليمن وبث الكراهية بين أبنائه أن الجغرافيا يمكن أن تُقسّم مؤقتًا، وأن السياسة يمكن أن تفرق الناس سنوات، لكن التاريخ المشترك والمصالح المشتركة والذاكرة الوطنية أعمق من ذلك كله.
تعز قد تُحاصر، وقد تُدمّر بعض بيوتها، وقد يُقتل أبناؤها، وقد تُرهقها الحروب، لكنها لا تُكسر؛ لأن تعز التي أعرفها ليست حجارةً وشوارع وجبالًا فقط، وإنما هي فكرة وطن. والأفكار لا تُحاصر، ولا تُقتل، ولا تموت.



