اليمن و"جماعات ما دون الدولة"
منذ عام ٢٠١٥، شاع في القاموس السياسي اليمني وصف التشكيلات العسكرية التي نشأت بعد انهيار سلطة الدولة بـ"الجماعات أو الفاعلون ما دون الدولة". ويُطلق هذا المصطلح على قوى المقاومة المحلية، والعسكريين الجنوبين السابقين ممن تم طردهم بعد حرب ١٩٩٤ وعادوا إلى المشهد ضمن صفوف مقاومة اجتياح الحوثي-صالح، والتشكيلات القبلية، واللجان الشعبية، والألوية التي تأسّست بدرجاتٍ متفاوتةٍ من الدعم المحلي والخارجي. وقد يبدو المصطلح، من وجهٍ ما، مفيداً تحليلياً؛ فهو يُميّز هذه التشكيلات عن الدولة المعترف بها رسمياً، ويلفت الانتباه إلى تفتت السلطة المركزية، غير أن تطبيقه على الحالة اليمنية وعلى نحوٍ غير متمايزٍ، وبدون تمعّن كافٍ بالسياق، يُنتِج تشوّهاً مفاهيمياً واسعاً، وتضليلاً لطبيعة الواقع.
فالإشكالية الأساسية في مثل هذا التصنيف "جماعة أو فاعل ما دون الدولة" في إنه يفترض مسبقاً وجود دولة فاعلة سبق أن مارست سلطتها، ثم جرى إزاحتها بالكامل واستعاضة بديلاً عنها، من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، يميل إلى اعتبار التشكيلات المسلحة حديثة النشأة بوصفها جوهر المشكلة، في حين تُعامل المؤسسات الأقدم – الجيش، الأجهزة الأمنية، سلاسل القيادة الرسمية – باعتبارها وطنيةً لمجرّد امتلاكها أسماءً قانونيةً، وزيّاً موحّداً، وميزانيات، وقرارات، على أن التمعن في التجربة التاريخية لليمن تُشير إلى واقعٍ أكثر تعقيداً. ففي شمال اليمن على وجه الخصوص، لم تكن الدولة نسقاً مؤسسياً مستقلاً يعلو المجتمع، فقد كانت مؤسساتها الرسمية مخترقة بعمق بشبكات قبلية وعائلية وجهوية وإيديولوجية وعسكرية، بمعنى آخر، فقد كانت الجمهورية العربية اليمنية "دولة ما دون الدولة"، وبامتياز. بعد ٢٠١٥، ساح جزءٌ كبيرٌ من هذه المؤسسات داخل عباية الإمامة الجديدة، وجزءٌ آخر اكتفى بالحياد عن كل يجري في البلد، فنشأ فراقٌ كبيرٌ كان لا بد من ملئه.
على العموم، يؤدي هذا المصطلح عملاً تصنيفياً صارماً، فهو يضع التشكيلات المسلحة في مرتبةٍ أدنى من الدولة في هرم الشرعية، ويتصوّر ضمنياً الدولة بوصفها الفاعل الطبيعي والقانوني والوطني، في حين تُقدَّم التشكيلات بوصفها انحرافاً خطيراً عن كينونة الدولة. ولا خلاف حول هذه المقاربة من حيث حججها أو وجاهة مبرراتها النظرية، لكن تطبيقها على السياق الواقعي اليمني يجعلها تقع بسهولة في اعتلالٍ كبيرٍ؛ فهي تحاول التأسيس لتباينٍ حادٍ بين دولةٍ قائمة ومتماسكة افتراضياً وبين قوى صُنِفت ليس على أنها تتعارض مع مفهوم سلطة الدولة ووظيفتها فحسب، بل هي مانعةٌ لها، وبشكلٍ قطعي ودائم.
على المستوى النظري، وعند التمّعن في المصطلح، سنكتشف ثلاث غموضات أساسية تكتنفه:
أولاً، قد يُشير "ما دون الدولة" إلى الوضع القانوني؛ جماعةٌ أو فاعلٌ لم تَصْدُر به قرارات جمهورية، أي لم يعترف الدستور به كمؤسسة وطنية، أو قد يكون العكس؛ هو لا يعترف بالدستور ولا بـ"الوطنية" القائمة أو الممنوحة.
ثانياً، قد يُشير إلى الاستقلال التنظيمي؛ جماعةٌ تمتلك قيادةً وتمويلاً وتجنيداً وسلطة إقليمية خاصة بها
ثالثاً، قد يُشير إلى التوجّه السياسي؛ الجماعة تخدم إقليم أو فصيل أو حزب أو راعي، ولا تخدم البلد ككل.
وهذه الأبعاد لا تتداخل بالضرورة، فقد تكون القوة مدمجة قانونياً في المؤسسة الرسمية، لكنها مجزأة سياسياً (أبرز مثال على ذلك الفرقة الأولى مدرع قبل العام ٢٠١٤). وقد تكون محلية النشأة والقاعدة، لكنها وطنية التوجه، بالمفهوم الذي تُرى به الوطنية، ولن أشير هنا إلى التشكيلات الجنوبية كمثال باعتبارها تتعارض مع الحالة المدرسة، ولكن لنأخذ التشكيلات الموجودة في مأرب، وهي محليةٌ إلى أبعد حد، ومع ذلك تُقدَّم في الخطاب السياسي اليمني كجوهر للشرعية أو ما تبقى من أسس الدولة الجمهورية. وقد تكون وطنيةً "رسمياً"، لكنها مرتبطة وظيفياً بعائلة أو حزبٍ أو قبيلةٍ أو قائده. ومعاملة كل هذه الحالات بوصفها "جماعات ما دون الدولة"، يُخفي الكثير من حقائق الواقع.
استخدام المصطلح في أتون هذا الخطاب يَحمِل أيضاً تحيّزاً زمنياً، فالجماعات حديثة التشكيل تُوسَم بـ"ما دون الدولة" لأن أصولها مرئية؛ فقد نشأت أثناء أزمة معينة، وجُنِّدت محلياً أو تلقت دعماً خارجياً. أمّا التشكيلات الأقدم فيُقبَل بها بسهولةٍ أكبر بوصفها مؤسسات دولة لأن تواريخها طُبِّعت منذ زمنٍ. غير أن الاستمرارية التاريخية لا يُمكن استنتاجها من العمر المؤسسي وحده. فالوزارة أو المنطقة العسكرية أو اللواء لا يصير وطنياً بمجرد بقائه على مخطط تنظيمي.
إذن، من المفيد في هذا السياق التمييز بين ثلاث مستويات للحكم:
- الاعتراف الدستوري عن طريق القرارات الرسمية
- شكل وهيكل البنية التنظيمية
- العقيدة الوطنية، المسئولية، والوظيفة الفعلية.
تُركِّز معظم التحليلات اليمنية على المستويين الأول والثاني، وعلى أهميتها وحيويتها في بناء الدول الحديثة، لكن في الحالة اليمنية لطالما شاهدنا كثيراً من المؤسسات الرسمية بدون فاعلية، وقرارات لا تستطيع خلق مسئولية أو ولاء وطني، وجيوش تمتلك كل شيء باستثناء العقيدة الوطنية. لهذه الأسباب، فإن المستوى الثالث يغدو بالغ الأهمية أثناء الأزمات. فعندما يكون البلد في وضعٍ طبيعيٍّ أو شبه طبيعيٍّ، قد تكفي السلطة الرسمية والبنية التنظيمية القائمة لإخفاء مواطن الضعف في الأداء والالتزام الوطني، لكن مسئولية هذه المؤسسات ووظيفتها تصبح مرئية أكبر بكثير أثناء الحروب والأزمات.
وبالعودة إلى تجربة الجمهورية العربية اليمنية باعتبارها النموذج الذي ساد في اليمن، فإن التوسط أو التداخل العارم الذي ساد بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية يجعل منها واحد من تجارب الدول الفريدة في العالم المعاصر حيث تبدو "دولة ما دون الدولة"، ليس بالمعنى المجازي للمصطلح، بل على جميع الأصعدة، لدرجة أن امتلاك قوى اجتماعية لدبابات ومدفعية تستطيع أن تتحدى بها الحكومة في كل وقتٍ وحينٍ، وحتى في العاصمة نفسها، وربما تهزمها، لم يتم النظر إليها بكل هذه الحدّة بوصفها "فواعل ما دون الدولة"، وبالطريقة التي عومِلت بها التشكيلات التي ظهرت بعد ٢٠١٥، فقد كان يُنظر إليهم كجزء من نظام الحكم الهجين، واستقلاليتهم كسمة داخلية للنظام، مع اختلاف أدوار ووظائف القوى الاجتماعية في واقع ما قبل ٢٠١٥، والتشكيلات الجديدة التي ظهرت فيما بعد (وليست المشكلة في تشكيل القوى الاجتماعية لحالة موازية مع مؤسسات الدولة، بل أيضاً لو أردنا البحث والتعمق أكثر في عمق هذه المؤسسات، سنجد كثير من التمثلات صادمة، فعند أبسط نزاع بين الدولة والقبيلة، يترك أفراد القبيلة الدولة فوراً وينضمون إلى قبائلهم، وبمجرد انتهاء المشكلة، يعودون إلى أماكنهم في المؤسسات، وبدون أي مشكلة).
على أن ما يلفت النظر في قراءة ومراجعة هذه التجربة التاريخية المهمة هو أن المؤسسات العسكرية الرسمية ومنذ تأسيس الجمهورية في العام ١٩٦٢ نادراً ما كَسِبت أي معركة خاضتها بمفردها، وغير مضاف إليها "قوى ما دون الدولة"، بل كانت مشاركة الأخيرة شرطاً أساسياً لأي انتصار تحقق. بدءاً من الحروب التي امتدت من العام ١٩٦٢-١٩٧٠، وحروب السبعينيات مع الجنوب، وحروب صعدة، والمعركة مع الحوثي العام ٢٠١٤ للسيطرة على صنعاء، وحتى هذ اللحظة. في حرب ١٩٩٤، لعبت فواعل ما دون الدولة من قبائل وجهاديين، فضلاً عن القوات الجنوبية التي نزحت إلى الشمال بعد كارثة ١٩٨٦، وظلّت حتى الحرب خارج المؤسسة الرسمية، دوراً محورياً في الانتصار. تم الاستعانة أيضاً بما سمّي بقوات "البشمركة" خلال حروب صعدة. وفي هذا السياق، لدينا مثالان لا بد أن يخضعا لدراسات معمقة: الطريقة التي ابتلع فيها الحوثي مؤسسات الدولة، واعاد تدجينها داخل إطار أجهزته المختلفة، وصنعت تمدده ونفوذه، ونموذج الفرقة الأولى مدرع خلال هذه الفترة.
لا تحاول هذه المقالة القصيرة الدفاع عن الوضع القائم وتبريره أو تبرير أي وضعٍ مختلٍ، بقدر ما تحاول الوقوف على بعض المفاهيم وأدوات التفسير التي تُستخدم في السياق اليمني بطريقةٍ مختزلة، وتوظيفية حرجة أو على الأقل بطريقة غير مُعتنى بها، فتعمل على تعتيم الواقع أكثر بدل من إزاحة أكوام الالتباسات المزمنة والمتوالِدة لفتح الطريق أمام فهمه بطريقة تُساعد على ابتكار حلولٍ عمليةٍ ناجعة. وهي قصيرة لأن الموضوع بحاجة إلى دراسات كثيرةٍ ومعمّقة لكونه يرتبط بأهم عَصَب التحولات في البلد. هناك حاجةٌ ماسةٌ لدراسة الواقع الجديد بصورةٍ مختلفة، وبعيداً عن أي معايير أو نماذج سابقة صارت في طي النسيان أو مُعلقة على أسنة الأوهام السياسية. نحتاج إلى نموذجٍ شامل لدراسة الحالة في كليتها، ومن جميع جوانبها وتجلياتها، ومراقبة الطريقة التي تتطور بها بدقةٍ، وبموضوعيةٍ، وبدون توظيف أو تزييف، وهي مهمةٌ جليلةٌ.



