الجمعة 2 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • ثقافة الانتظار: لماذا نؤجل حياتنا حتى تتحسن الظروف؟

ثقافة الانتظار: لماذا نؤجل حياتنا حتى تتحسن الظروف؟

من أكثر العبارات التي نرددها في حياتنا اليومية: "عندما تتحسن الأوضاع".
عندما تتحسن الأوضاع سأبدأ مشروعًا.
عندما تتحسن الأوضاع سأكمل دراستي.
عندما تتحسن الأوضاع سأتعلم مهارة جديدة.

عندما تتحسن الأوضاع سأهتم أكثر بأطفالي، وبصحتي، وبمستقبلي.

ومع مرور السنوات، قد تتحول هذه العبارة من مجرد تأجيل مؤقت إلى طريقة في التفكير، فنجد أنفسنا ننتظر حياة أخرى حتى نبدأ حياتنا الحالية.

لا أحد يستطيع أن ينكر صعوبة الظروف التي يعيشها اليمنيون، ولا حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تراكمت خلال سنوات طويلة. وهناك أمور كثيرة تتجاوز قدرة الفرد، مهما امتلك من إرادة أو طموح. لكن المشكلة تبدأ حين نمنح الظروف سلطة كاملة على حياتنا، فنقتنع بأن لا شيء يمكن فعله قبل أن يتغير كل شيء.

وهنا ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا: هل يجب أن تتغير البلاد أولًا حتى نبدأ نحن بالتغيير؟ أم أن التحولات الكبيرة تبدأ، في كثير من الأحيان، من أفعال صغيرة يقوم بها الناس كل يوم؟

المجتمع ليس شيئًا منفصلًا عنا. إنه مجموع البيوت والمدارس والشوارع وأماكن العمل، وهو أيضًا طبيعة العلاقات التي تربط الناس بعضهم ببعض. وإذا أردنا مجتمعًا أكثر تعاونًا ونزاهة ورحمة، فإن هذه الصفات لا تظهر فجأة بقرار إداري أو خطاب سياسي، بل تنمو حين تصبح جزءًا من سلوك الناس اليومي.

قد لا يستطيع الإنسان إصلاح الاقتصاد، لكنه يستطيع أن يتقن عمله. وقد لا يستطيع إنهاء خلافات المجتمع، لكنه يستطيع ألا يزيدها بكلمة متعصبة أو إشاعة جارحة. وقد لا يمتلك المال لإنشاء مدرسة، لكنه ربما يستطيع مساعدة طفل في دراسته. وقد لا يستطيع تغيير مستقبل جيل كامل، لكنه قد يكون سببًا في أن يرى شاب واحد إمكاناته بطريقة مختلفة.

قد تبدو هذه الأعمال صغيرة أمام حجم المشكلات التي نواجهها، وربما يظن البعض أنها غير مؤثرة. لكن المجتمعات في حقيقتها لا تُبنى بقفزات مفاجئة فقط، بل بتراكم مئات وآلاف التصرفات الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى ثقافة عامة.

نحن نميل غالبًا إلى تصور التغيير باعتباره حدثًا ضخمًا يأتي من الأعلى: حكومة أفضل، اقتصاد أقوى، مؤسسات أكثر كفاءة، أو ظروف سياسية أكثر استقرارًا. وكل ذلك مهم بلا شك. لكن هناك نوعًا آخر من التغيير يبدأ من داخل المجتمع، بهدوء، عندما يتعلم الناس التعاون بدل الخصومة، والخدمة بدل اللامبالاة، والحوار بدل التعصب، والمبادرة بدل الانتظار.

ولعل أخطر ما تصنعه الأزمات الطويلة ليس الفقر وحده، بل شعور الإنسان بالعجز. فعندما يقتنع الفرد بأن جهده لا قيمة له، يبدأ بالانسحاب تدريجيًا من مسؤوليته تجاه محيطه. ثم تتسع دائرة الانتظار: كل شخص ينتظر الآخر، والآخر ينتظر الدولة، والدولة تنتظر الظروف، وفي النهاية يبقى الجميع في المكان نفسه.

الأمل في مثل هذه الظروف لا يعني تجاهل الواقع، ولا الادعاء بأن الأمور سهلة. الأمل الحقيقي أكثر واقعية من ذلك؛ لأنه يعني أن نرى المشكلات بوضوح، وأن نعترف بحجمها، ثم نبحث رغم ذلك عن المساحة التي ما زال بإمكاننا أن نتحرك فيها.

وربما لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الوعود بقدر حاجتنا إلى ثقافة جديدة تقول للإنسان: ابدأ بما تستطيع.

إن كنت طالبًا، فتعلم شيئًا جديدًا حتى لو تعثرت مؤسسات التعليم. وإن كنت أبًا أو أمًا، فازرع في أطفالك احترام الآخرين وحب المعرفة. وإن كنت صاحب مهنة، فاجعل الإتقان جزءًا من أخلاقك، لا مجرد وسيلة للرزق. وإن كنت شابًا يملك وقتًا وطاقة، فابحث عن مساحة تخدم فيها حيّك أو قريتك أو مجتمعك.

والأهم أن نتعلم النظر إلى بعضنا بوصفنا شركاء في بناء حياة واحدة، لا جماعات متنافسة تبحث كل واحدة منها عن خلاصها منفردة. فالمجتمع الذي تفتك به العصبيات يصعب عليه أن يبني مستقبلًا مستقرًا، مهما امتلك من المال والموارد. أما المجتمع الذي يتعلم أفراده التعاون، واحترام التنوع، والشعور بالمسؤولية تجاه بعضهم بعضًا، فإنه يصنع أساسًا يمكن البناء عليه مهما اشتدت الظروف.

لسنا بحاجة إلى انتظار اللحظة المثالية، لأن اللحظات المثالية نادرًا ما تأتي.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في نهاية كل يوم ليس: متى ستتغير البلاد؟

بل: ما الشيء الذي أستطيع أن أفعله اليوم لكي تصبح الحياة من حولي أفضل قليلًا؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن كثيرًا من التحولات الكبيرة في حياة المجتمعات تبدأ من إجابات صغيرة يكررها آلاف الناس كل يوم.

فالأوطان لا تُبنى بالانتظار وحده، ولا تتحول بالأمنيات وحدها. إنها تبدأ حين يقرر الناس، وسط صعوبة الواقع، ألا يجعلوا الظروف عذرًا دائمًا للتوقف، وأن يضيف كل واحد منهم، بما يستطيع، لبنة صغيرة في بناء الغد.