الجمعة 2 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • لم يعد مجرد روبوت دردشة: أين وصل الذكاء الاصطناعي في سبتمبر 2026؟

لم يعد مجرد روبوت دردشة: أين وصل الذكاء الاصطناعي في سبتمبر 2026؟

قبل سنوات قليلة فقط، كان السؤال الذي يثير دهشتنا هو: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة مقال جيد؟ هل يستطيع رسم صورة تبدو حقيقية؟ هل يستطيع كتابة برنامج أو اجتياز امتحان جامعي؟

في أكتوبر 2026 تبدو هذه الأسئلة قديمة على نحو مدهش.

فالسؤال لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقول؟

بل: ماذا يستطيع أن يفعل؟ وكم من الوقت يستطيع أن يعمل وحده؟ وهل يستطيع أن يكتشف شيئًا لم يكن البشر يعرفونه أصلًا؟

خلال الأشهر الأخيرة حدثت قفزة يصعب اختزالها في إصدار نموذج جديد أو ارتفاع بضعة أرقام في اختبارات الأداء. نحن نشهد انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة «المجيب الذكي» إلى مرحلة أكثر عمقًا: الوكيل الذي يفكر، ويبحث، ويستخدم الحاسوب، ويكتب البرامج ويختبرها، ويتعامل مع أدوات حقيقية، ويقسم العمل إلى خطوات، ويراجع أخطاءه، بل ويساهم في إنتاج معرفة علمية جديدة.

من حل المسائل إلى اكتشاف الرياضيات

لعل أوضح مثال على حجم التحول جاء من الرياضيات.

في أغسطس 2026 أعلنت OpenAI مجموعة من عشرة نتائج حققها نموذج غير معلن آنذاك، أصبحنا نعرفه لاحقًا بوصفه جزءًا من الطريق إلى GPT-6 Astra. لم تكن الأسئلة مسائل مدرسية أو أولمبياد رياضيات، بل مشكلات مفتوحة في الرياضيات وعلوم الحاسوب النظرية؛ بعضها حُل، وفي بعضها الآخر تحقق تقدم حقيقي على أفضل ما كان معروفًا للبشر.

ثم جاءت نتائج Astra اللاحقة أكثر إثارة. فقد ساعد في تحسين الحد المعروف لمشكلة الفجوات الصغيرة بين الأعداد الأولية: بعد أن كان معروفًا أن هناك عددًا لا نهائيًا من أزواج الأعداد الأولية التي لا تتجاوز المسافة بينها 246، ثم حُسّن الحد بشريًا إلى 240، ساعد Astra في الوصول إلى 186. كما ساهم في تحسين جزء من نتيجة تتعلق بالفجوات الكبيرة بين الأعداد الأولية ظل دون تغيير لأكثر من ثمانين عامًا.

وعلى FrontierMath Tier 4، وهي مجموعة من المسائل الرياضية الأصلية شديدة الصعوبة التي قد يحتاج الباحث المتخصص إلى ساعات أو أيام لحل الواحدة منها، سجل Astra نحو 97.6% وفق Epoch AI.

هذه نقطة تحول فلسفية بقدر ما هي تقنية.

فالآلة لم تعد فقط تسترجع الرياضيات التي كتبها البشر، بل أصبحت تدخل إلى المنطقة التي تبدأ عندها حدود المعرفة البشرية الحالية.

الذكاء الاصطناعي أصبح يستخدم الحاسوب

التغير الثاني ربما يكون أكثر تأثيرًا في حياتنا اليومية.

النماذج الحديثة لم تعد تنتظر أن تنسخ إليها المعلومات ثم تعيد إليك جوابًا. تستطيع أن ترى الشاشة، وتفتح التطبيقات، وتتصفح المواقع، وتتعامل مع الملفات، وتملأ النماذج، وتكتب البيانات في البرامج، وتشغل أدوات التحليل، وتنتقل بين عدة تطبيقات حتى تنتهي من المهمة.

GPT-6 Astra مثلًا يستطيع تنفيذ أعمال متعددة الخطوات على الحاسوب: البحث، وتحليل البيانات، وإنشاء الرسوم، والعمل داخل البرمجيات، وبناء موقع واختباره، وتثبيت برامج وتشخيص المشكلات التي تظهر أثناء العمل.

والأهم أن هذه القدرات لم تعد حكرًا على أغلى نموذج. ففي 29 سبتمبر كشفت OpenAI عن GPT-6.1 Sol الذي يقترب، وفق اختبارات الشركة، من أداء Astra في البرمجة الوكيلة واستخدام الحاسوب والعمل المهني، لكن بتكلفة تقل كثيرًا؛ وفي بعض الاختبارات اقترب منه بتكلفة تبلغ نحو خمس تكلفة Astra.

وهذا التطور في السعر والكفاءة قد يكون اقتصاديًا أهم من تحطيم رقم قياسي جديد في الذكاء.

لأن التقنية لا تغير العالم عندما تصبح ممكنة فقط، بل عندما تصبح رخيصة بما يكفي لاستخدامها على نطاق واسع.

البرمجة: من كتابة دالة إلى إدارة مشروع

ربما تكون البرمجة المجال الذي نستطيع فيه رؤية المستقبل قبل بقية المهن.

النماذج الأولى كانت تكمل بضعة أسطر من الكود. ثم أصبحت تكتب دوال وبرامج صغيرة. أما الوكلاء الحاليون فيستطيعون قراءة مستودعات برمجية ضخمة، والبحث عن مصدر المشكلة، وتعديل عدة ملفات، وتشغيل الاختبارات، ورؤية الأخطاء، والعودة إلى الكود وإصلاحها.

Anthropic أعلنت في سبتمبر عن عائلة Claude 5.5، وتقول إن أحد مختبري Opus 5.5 استخدمه في عملية ترحيل برمجية شملت نحو 680 ألف سطر من الكود في أقل من يوم، وهي مهمة قالت الشركة إنها كانت ستستغرق فريقًا هندسيًا أسابيع.

أما Claude Sonnet 5.5 فأظهر بدوره قفزة كبيرة في اختبارات البرمجة الوكيلة، مع تركيز واضح على السرعة وخفض التكلفة.

والمنافسة ليست بين OpenAI وAnthropic فقط. فقد طرحت xAI نموذج Grok 4.7 في سبتمبر مع تركيز صريح على المهمات البرمجية الطويلة، والتحقق من العمل وإدارة السياق لفترات أطول.

أصبح الاتجاه واضحًا: نحن ننتقل من AI يساعد المبرمج إلى AI يمكن إسناد جزء كامل من دورة العمل البرمجية إليه بينما يشرف الإنسان على النتيجة.

والأمر وصل إلى البحث العلمي

هنا تصبح القصة أكثر إثارة بالنسبة لي.

Google DeepMind طورت AlphaEvolve، وهو نظام يعتمد على Gemini ويبحث في فضاءات الخوارزميات ويطور الحلول ويختبرها.

النتائج لم تبق أوراقًا بحثية.

تقول Google إن خوارزميات اكتشفها AlphaEvolve دخلت بالفعل في بنيتها التحتية. وساعد النظام في تصميم أجزاء من الجيل التالي من معالجات TPU، وحسّن سياسات التخزين المؤقت، وقلل مساحة تخزين بعض البرمجيات بنحو 9%، وخفض write amplification في Google Spanner بنحو 20%.

وفي الفيزياء الكمية اقترح تحسينات سمحت بتشغيل محاكاة جزيئية على معالج Willow الكمي بدوائر ذات خطأ أقل بنحو عشرة أضعاف من خطوط الأساس التقليدية التي قارنت بها Google.

وفي علوم الحياة قدم DeepMind قبل أسابيع فقط AlphaGenome Atlas، الذي يتضمن تنبؤات بالتأثيرات الجزيئية لنحو تسعة مليارات تغير محتمل في حرف واحد من DNA البشري.

وفي سبتمبر أعلنت Anthropic بدورها أن Claude ساهم في اكتشاف نظام إنزيمي جديد ذي تكرارات شبيهة بـCRISPR.

وهكذا يبدأ الذكاء الاصطناعي في التحول من أداة لقراءة الأوراق العلمية إلى شريك في دورة الاكتشاف نفسها: اقتراح، حساب، محاكاة، اختبار، تعديل، ثم إعادة المحاولة.

ثم جاءت الروبوتات

كل ما سبق يحدث في العالم الرقمي، لكن الحدود بين الذكاء الرقمي والعالم الفيزيائي بدأت تضعف.

Gemini Robotics 2 من DeepMind يستهدف التحكم الكامل في جسم الروبوت، من الحركة الكبيرة إلى المهارات الدقيقة للأصابع، مع قدرة أفضل على فهم البيئة والتكيف معها والتعاون في أداء المهام.

وهذه خطوة شديدة الأهمية.

لأن النموذج اللغوي يستطيع التفكير، والنموذج متعدد الوسائط يستطيع الرؤية والسماع، والوكيل يستطيع استخدام الحاسوب. وإذا اتصلت هذه القدرات بجسم روبوتي يستطيع الحركة والإمساك بالأشياء، فإن الذكاء الاصطناعي يغادر الشاشة حرفيًا.

وحتى المحادثة نفسها تتغير

في 17 سبتمبر أطلقت Google نسخ Gemini 3.8 Live الجديدة، القادرة على التعامل مع الصوت والرؤية والاستدلال شبه الفوري أثناء المحادثة.

الفكرة هنا ليست تحويل النص إلى صوت فقط.

الهدف هو نظام يسمعك بينما تتحدث، ويرى ما تراه، ويفهم السياق، ويفكر في مهمة معقدة، ويواصل تنفيذ أعمال في الخلفية بينما تستمر أنت في الحديث معه.

وهذا يقربنا من شكل مختلف تمامًا للحاسوب: بدل أن تتعلم أنت كيف تستخدم عشرات التطبيقات، قد يصبح لديك وسيط ذكي تخبره بما تريد وهو الذي يتعامل مع التطبيقات نيابة عنك.

والأحدث حتى لحظة كتابة هذه السطور

سباق النماذج أصبح سريعًا لدرجة أن الأخبار المهمة لا تفصل بينها أشهر، بل أيام.

في 21 سبتمبر ظهر Grok 4.7.

وفي 22 سبتمبر أعلنت Anthropic نموذج Claude Opus 5.5.

وفي 28 سبتمبر تبعه Claude Sonnet 5.5 الأسرع والأقل تكلفة.

وفي 29 سبتمبر قدمت OpenAI نموذج GPT-6.1 Sol، محاولة نقل قدرات قريبة من Astra إلى تكلفة أقل بكثير.

ثم في 30 سبتمبر، أي بالأمس فقط، أعلنت Google عن Gemini 4 Argon، وهو نموذج موجه إلى المهمات المهنية المعقدة وطويلة الأمد في هندسة البرمجيات والتمويل والقانون والدفاع السيبراني، مع سياق يصل إلى مليون token.

نحن إذن لا نتحدث عن موجة تحديث سنوية، بل عن سباق تتحرك جبهته كل بضعة أيام.

لكن هناك جانب آخر للقوة

كلما أصبحت النماذج أكثر قدرة على العمل، أصبحت أخطاؤها أكثر أهمية.

البرنامج الذي يخطئ في الإجابة عن سؤال يمكن تصحيح جوابه. لكن الوكيل الذي يمتلك حاسوبًا ومتصفحًا وأدوات وصلاحيات يمكن أن يحول الخطأ من جملة غير صحيحة إلى فعل غير صحيح.

ولهذا كان أحد أكثر أخبار 2026 أهمية أن Astra وصل وفق إطار OpenAI إلى مستوى Critical في قدرات الأمن السيبراني.

تقول الشركة إن النموذج، إذا توفرت له الأدوات والصلاحيات المناسبة، أصبح قادرًا على العثور على ثغرات أمنية غير معروفة سابقًا وتطوير وسائل لاستغلالها في أنظمة محمية، دون حاجة إلى توجيه بشري لكل خطوة.

وهذه قدرة مذهلة للدفاع السيبراني، ومقلقة للغاية إذا أسيء استخدامها.

لذلك يصبح التقدم في الذكاء مصحوبًا بسباق آخر لا يقل أهمية: سباق السيطرة والمراقبة والعزل وتحديد الصلاحيات.

هل وصلنا إلى AGI؟

هنا ينبغي أن نتوقف عن الإثارة قليلًا.

لا يوجد حتى الآن تعريف علمي واحد متفق عليه للذكاء الاصطناعي العام AGI، ولا اختبار واحد يستطيع أن يخبرنا بأن البشرية عبرت خطًا محددًا في يوم معين.

النماذج الحالية خارقة في بعض المجالات، لكنها لا تزال تخطئ، ويمكن أن تفشل في مهمات تبدو للبشر أبسط من مسائل أخرى شديدة التعقيد تنجح فيها.

ولهذا فإن إعلان انتهاء عصر الإنسان أو ولادة «كائن واعٍ» ليس استنتاجًا علميًا مما نراه.

لكن في المقابل سيكون من الخطأ التقليل مما حدث.

لقد تجاوزنا بالفعل مرحلة كان فيها الذكاء الاصطناعي مجرد مولد للنصوص والصور.

ماذا أتوقع بعد ذلك؟

إذا استمر الاتجاه الحالي، فأنا لا أتوقع أن تكون القفزة التالية مجرد نموذج يجيب بنسبة 3% أفضل في اختبار ما.

أتوقع أن تكون المنافسة الحقيقية في الاستقلالية والزمن.

أي: كم ساعة، ثم كم يومًا، يستطيع الوكيل أن يعمل خلالها على هدف حقيقي دون أن يضيع أو يحتاج إلى تدخل الإنسان؟

اليوم نستطيع إعطاء بعض الأنظمة مشروعًا برمجيًا أو بحثيًا معقدًا وتركها تعمل خلال سلسلة طويلة من الخطوات. المرحلة التالية ستكون وكلاء يحتفظون بالذاكرة والسياق والأهداف لفترات أطول، ويتابعون المشاريع المستمرة بدل أن تبدأ علاقتهم بالعمل وتنتهي داخل نافذة محادثة واحدة.

وبالفعل بدأت البنية التحتية لهذا المستقبل تظهر. OpenAI أعلنت في نهاية سبتمبر عن وكلاء دائمين يمكن أن تكون لهم حواسيب سحابية خاصة ويواصلوا بعض الأعمال بين المحادثات، بينما تعمل شركات أخرى على الاتجاه نفسه.

ثم أتوقع انتقال المنافسة من نموذج واحد شديد الذكاء إلى فرق من الوكلاء: وكيل يخطط، وآخر يبحث، وثالث يبرمج، ورابع ينتقد النتائج، وخامس يعيد التجربة، بينما يعمل نموذج أعلى مستوى كمدير للمشروع.

وفي العلم ستكون النتيجة أعمق.

تخيل نظامًا يقرأ الأدبيات العلمية، ويحدد فجوة في المعرفة، ويضع فرضية، ويكتب برنامج المحاكاة، ويحلل البيانات، ويكتشف أن النتيجة لا تؤيد الفرضية، فيعدلها ويعيد التجربة آلاف المرات.

ثم صِل هذا النظام بمختبر آلي وروبوتات وأجهزة قياس.

عندها لن يكون السؤال: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي مساعدة العالم؟

بل سيصبح السؤال: كم من عملية الاكتشاف العلمي نفسها يمكن أن تصبح آلية؟

وأعتقد أن هذه ستكون إحدى أكبر التحولات في تاريخ العلم.

نحن في بداية شيء أكبر

عندما ظهر الإنترنت، اعتقد كثيرون أنه وسيلة أسرع لإرسال الرسائل وقراءة الأخبار. لم يكن من السهل آنذاك تصور أنه سيعيد تشكيل التجارة والإعلام والسياسة والعمل والعلاقات الاجتماعية.

وقد نكون اليوم أمام خطأ مشابه.

ربما ننظر إلى الذكاء الاصطناعي ونراه «ChatGPT أفضل» أو «روبوت دردشة أكثر ذكاءً»، بينما الشيء الذي يجري بناؤه أوسع بكثير:

طبقة من الذكاء القابل للتشغيل، تستطيع أن تقرأ وترى وتسمع وتفكر وتبرمج وتستخدم الأدوات والحاسوب، ثم بدأت الآن تدخل الرياضيات والعلوم والروبوتات والعالم المادي.

لا أعرف متى، أو حتى إن كان من الصحيح، أن نطلق على نقطة معينة اسم AGI.

لكنني أعتقد أن المؤرخين عندما يعودون إلى هذه السنوات قد لا يعتبرون الإنجاز الأكبر أن الآلة أصبحت تتحدث مثل الإنسان.

ربما سيعتبرون الإنجاز الحقيقي هو اللحظة التي انتقلنا فيها من برامج نستخدمها بأيدينا، إلى ذكاء نعطيه هدفًا فيبدأ هو بالبحث عن الطريق.

وما نراه في خريف 2026 يوحي بأننا دخلنا بالفعل البدايات الأولى لهذه المرحلة.