الأربعاء 23 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • تردّي الحياة وضياعها في رواية «ريالات المشجبي» لحورية الإرياني

تردّي الحياة وضياعها في رواية «ريالات المشجبي» لحورية الإرياني

تردّي الحياة وضياعها في رواية «ريالات المشجبي» لحورية الإرياني

الملاحظ أن معنى الحياة ظهر بقوة عند الجدة نعمة، إضافةً إلى ابنها الذي استمد من معايشته أجواء ذلك المعنى، وما لبث أن تضاءل وانتهى. بعده، فقدت الحياة طابعها الحيوي، ابتداءً من ثابت وانتهاءً بولديه وأحفاده. كأن الحياة توقفت في العقول والأذهان، وتحولت الأيام والسنوات إلى سديم ليلي بهيم، لا فرق بين الحي والميت، والغني والفقير، والمجنون والصاحي.

الأمل لم يحضر كضياع أو فقدان، بل نحن أمام حالة أكبر، ألا وهي انعدام غاية العيش. الفرق كبير بين السوداوية واليأس وبين انعدام الغايات، ليس من داخل الشخصيات، بل من خارجها. نحن أمام معضلة لـ«تردّي الحياة» قبل الإنسان، والتردي هنا ليس سوء العيش والحظ قطعًا؛ فله مضمون وشكل مختلفان. كأن العالم السردي وصل إلى حالة من فقدان الارتباط بمقومات الحياة كمنبع للحب والكراهية، وتحولت الشخصيات إلى أنساق باردة منفّرة. فلم تعد الشخصيات مهيأة للسعي (حركةً) للامتلاء بدوافع جديدة، بقدر ما باتت بؤرًا مطفأة لا نبض فيها.
السؤال: إذ لم ينطوِ عالم السرد على منابع الحياة، فما الذي بقي؟
لم يبقَ سوى أخاديد بائدة، ومعالم سقيمة؛ الذات تعادل اللاشيء، وأشتات متطايرة لا تمثل حيزًا فاعلًا.
أريد هنا أن أخوض في مفهوم تردّي الحياة. كلنا يتذكر بطل رواية «الطاعون» لألبير كامو؛ فحين نسي البطل (ريو) تناول لقاح الطاعون، أُصيب بالداء، وحينها بدا واثقًا من نهايته. هذا يمكننا تسميته «تردّي الأمل» لسبب موضوعي؛ فالتردي هنا حالة انهيار وسقوط مفاجئ لمعنى قائم.
أما في رواية «ريالات المشجبي»، فيبدو «تردّي الحياة» سياقًا ثقيلًا مسترسلًا لأسباب غامضة (ليست موضوعية أو ذاتية، حالة انعدام ضمني)، لأن البعض قد يفهمه كسوء عيش؛ قطعًا لا، لأنه هنا بمثابة تردّي (صيرورة) كإطار حيوي لاحتواء الكائنات، كأن العالم السردي وجد نفسه خارج المعاني الساحرة والجوهرية، بسبب عوامل غير مدركة ألقت بظلالها على الجزء الأكبر من النص. ولهذا لم يتمكن الإنسان من التعاطي مع الحياة كوشائج غريزية أو عاطفية أو عقلانية، بقدر ما يولد ويذبل ويبهت بنزعات فاقدة للحيوية.
حورية الإرياني
حورية الإرياني
إذن، نحن أمام نمط لا يخضع لظروف سياسية واجتماعية، نسق لا يتأثر ولا يدرك ولا يستوعب، أشبه ببيئة لا تساعد على الفعل والحركة؛ كائنات متآكلة، أو بالأحرى فيض من تآكل لانهائي يداهم كل ما تقع عليه عيناك. هنا، وفي هذا الشكل الغريب، تتوسع دوائر اللاشيء، وتغدو منبعًا لمسميات لا تنطوي على أي من دوافع البقاء.
نص بدأ بسيرة ومسميات مبهجة، وما لبث أن تحول إلى بؤرة كئيبة لالتهام مقومات عالمه قبل شخوصه؛ حالة من استشراء اللاشيء، واللاعقل، واللاكيان، واللاغاية، واللاعاطفة، واللاوشائج، تمكنت من تقويض الحياة ذاتها قبل الإنسان. حيث بدت شخصية زهر كبؤرة مستميتة لتلقّف تجريفات تردٍّ مهول لأكثر من بنية، وأكثر من زمن، وأكثر من جائحة، ليس كرافد منوط به اعتلاء الموجة، قطعًا لا، بل كهوية مساندة لحياة ما تنفك تتهاوى. وباتت زهر طرفًا في رسم ثبات حياة متلاشية، لا شكل لها ولا معالم، ضرب من تحولات الموت والحياة، حين تتداخل ملامحهما في أتون شره لم يقوَ سياق الحياة على احتواء زفراته.
ثمة أفكار مسبقة حاولت جزافًا رصد وتفسير صعود المجتمع وانهياره، تمثلت في تكريس الجذور النقية باعتبارها الامتداد الحقيقي للمجتمع الأصيل. وهنا تشكل مثلث «الهوية المرجوة»: الذكورة، والأرض، والأصل النقي، كمقومات منوط بها منح الإنسان المكانة اللائقة. وحين لم تتحقق، نحت الوقائع باتجاه مغاير يتمثل في إتلاف كل ما من شأنه إزاحة القناعة المترسخة، أشبه بحالة ارتداد عكسي لوأد كل إمكانية مغايرة تبدو كفيلة باستعادة القوة والإرادة. وباتت الحياة تفيض بـ«نقائص» مسترسلة لا لزوم لها، لكن في الاتجاه المقابل نمت مثل هذه «النقائص» بعيدًا عن أعين المجتمع وأمنياته، وصارت تجسد ولادة الإرادة من رحم «أقل مكانة»، كما حصل في أسرة «حنا»، والتي تشابه إلى حد ما ولادة الإرادة في ثلاثية محفوظ، بغض النظر عما إذا كانت قادرة على إنتاج قيم جديدة. فثمة فرق جوهري بين ولادة الإرادة بدون القيم والأخلاق وبين ولادتها جنبًا إلى جنب مع المثل، وكلا الحالتين لم تتحققا في «ريالات المشجبي».
لكن النص نحا وتوسع في تقصي تردّي الحياة وتلاشيها، ولم يفسح المجال البتة لاستيعاب الحياة المغايرة في الجانب الآخر، كأن المجتمع التقليدي بات معنيًا بمحاكمة نفسه، أو بالأحرى كأن فشل تحقق «الهوية المرجوة» تحول إلى حالة انتقامية للفتك بالذات دون هوادة.
من هنا تتضح فلسفتان في عالم النص: قيم القبيلة (المعترف بها) كمعيار اجتماعي وتاريخي، وهي التي سيطرت وحاكمت المجتمع، وباتت هي المفسر والقارئ للأحداث؛ وقيم مطلوبة (ليبرالية غير متوفرة وغير معترف بها لتجاوز معضلات متفاقمة)، تؤمن بقدرة الفرد وحريته في تسيير حياته، والتي لم تظهر داخل النص إلا لمامًا.
وهذا يقودنا حتمًا إلى كيفية استلهام الحرية والإرادة من جنبات المجتمعين التقليدي وغير التقليدي، وكيف تتحول القيم التقليدية إلى مشنقة للحياة في بيئة لم تنتصر للحرية بقدر ما تستمدها من روافد خانقة، كأن النص يعكس بطريقة لا شعورية حجم المأساة، بحشد كل المسببات لاستجلاء القيم من نمط عيش تقليدي وجد نفسه غارقًا، منتقمًا بصورة مرضية، محيلًا كل الخسائر والانتكاسات إلى جذور المشجبي، جنبًا إلى جنب مع ازدراء نجاح الشق الأنثوي في الضفة الأخرى.
وهنا تشكل مثلث مغاير للهوية الجديدة في شذرات ضئيلة غير مستحبة داخل النص: الأصل غير النقي، والأنثى، واللاأرض أو اللامكان، بمعزل عن وجدان السارد، رغم عدم توفر مساحة معقولة لتقصي الحياة المغايرة من نسل الأنثى (حنا)، والتي هاجرت وتعاطت مع الحياة بواقعية تناقض الإيمان بالضوابط المتوارثة للهوية التقليدية.
السؤال: هذا «التردي»، هل يمثل سياقًا اجتماعيًا، أم بمثابة رصد جمالي لبيئة غير سوية، أم هو حالة تفسخ تاريخي داهم جمال الحياة والفن على السواء، مولّدًا هذا الخراب؟
باعتقادي، «ريالات المشجبي» أتت لتكمل سردية تاريخية في مخيلة مثقلة بندوب كثيرة، أشبه بمحاولة لسبر جسد مثخن بالبحث عن جذور علله، كمن يفتح نافذة في ليل عاصف، ليجد نفسه وسط حطام هائل لا طائل للخروج منه. هنا تتجلى ملامح التردي بوضوح؛ فحين يصل المرء إلى حالة من فقدان الاتزان، حتمًا ستغدو الرؤية بوابة لجحيم لا يطاق.