أمين الواسعي.. عنوان للأدب والرقي وشموخ القيم النبيلة

في زمن تختلط فيه المعايير وتتلاشى القيم بين ضجيج الحياة وأهوائها، يطل علينا الأستاذ الدكتور أمين محمد أحمد الواسعي، أستاذ تكنولوجيا الأغذية، رئيس قسم التقانة الحيوية وتكنولوجيا الأغذية في كلية الزراعة بجامعة ذمار، كشخصية استثنائية تنطق بالأصالة والرفعة، جمع بين فكر متميز وأخلاق سامية، فجسّد نموذجًا فريدًا من الإنسان النبيل الذي ينتصر على نزعات الغرائز وضوضاء التبعية والتقليد.
حين نتحدث عن القيم، لا أؤمن لها بأن تكون مُتناسلة بِيولوجيًا كصفات تنتقل من الآباء إلى الأبناء بصورة ميكانيكية أو تلقائية. القيم كما أراها هي خصائص فردانية، حالة اكتساب لا يُحظى بها إلا من آثر السمو على الانجراف، ومن رفع الهمة فوق المادية ومغريات النفس. فالأدب، في جوهره الحقيقي، هو انتصار الاستقلالية الذاتية، وعزّة النفس، وسمو النفس على ما دون ذلك. وهذا بالضبط ما يجعل شخصية الدكتور أمين الواسعي استثناءً بعيدًا من العبثية والانصياع.
هو ابن نبل وبيت علم حصين، سليل أسرة نبيلة كانت وستبقى عاصمة للقيم وموردًا للشرف والأخلاق الرفيعة. من والده، رحمه الله، ورث أمين الواسعي ليس فقط مكانة اجتماعية مرموقة، بل أسمى صفات الكرامة والصدق والموثوقية، تلك التي تسكن النفوس الراقية وترتقي بها فوق الجناح الغرائزي، وتسهم في إرساء دعائم شخصية متزنة مدنية، ذات حضور خالد في محيطها.
من يتعامل معه، يلمس فورًا تحمل الشخصية لهيبة مستقلة، نبل فريد يعانق لطفًا ومودة شخصية راقية. بل هو المثال العصري للإنسان الرصين، بعقل راشد ووجدان متفتح، أضاء مسيرة العلم بألقه وشموخه، متجاوزًا توقعات الحيّز الأكاديمي الضيق نحو فضاءات أرحب من العطاء والإنسانية.
سمة الرقي وأدب التعامل التي يتمتع بها ليست مجرد ممارسة اجتماعية عابرة، بل هي فلسفة حياة، وتعبير صادق عن الذات المتحررة. فهو ليس فقط استقامة كاملة، وأدبًا تامًا، بل هو عزّة نفس تجعله يرفض المساومة على كرامته، ورشد عقل يمنعه من التملق لمجرد الوصول، أو المنافق لكي يبقى في موقع وظيفي أكثر مما يجب، كما نشاهد في كثير من السلوكيات الانتهازية التي جرت على ألسنة الأكثرية.
في مجال العلاقات الإنسانية، هو "نسيج وحده"، لا يشبه أحدًا في تعامله وأصالته، و"سلطان زمانه" في عزة وكرامة تفرض احترامها أينما حلّ. قد يعاب عليه أحيانًا انطواؤه الذي ينشأ من التزامه الشديد بواجبه الأكاديمي والمهني؛ لكن من يعرفه عن قرب، يدرك أن الألفة والتجانس والأنس له مكانة خاصة في قلبه، ولطف المجالسة يملأ له مجلسه.
بعيدًا عن الضغوط الحزبية وهمومها، نجح الدكتور أمين الواسعي في حماية صفاء فكره وصيرورته السياسية من مزالق الانحياز والتعصب. رفض مبكرًا أن يكون بندًا في لعبة حزبية تخلط الحابل بالنابل وتبعد الشخص عن الأهداف السامية. فاندفاعه نحو العلم والمعرفة، ورغبته في المجد الأكاديمي، وضعته على مسافة واحدة من كل كرنفالات الأيديولوجيا ودوائر المناكفات السياسية العقيمة.
ذلك التجرد من التشبث الحزبي لم يجعل منه مجرد متفرج سلبي، بل تعامله مع الظروف الحزبية كان عقلانيًا وواقعيًا، يحكمه الوفاء البسيط للجيرة والعرف والقيم الاجتماعية، لا عقلية الانتماء الأعمى. وقد عكس ذلك مواقف واضحة خلال دراسته في العراق، حيث واجه محاولات مكثفة لاستقطابه أيديولوجيًا وقوميًا، لكنه انتصر لفطرته السليمة ونقاء سريرته التي كانت الدرع ومانعة للوقوع في دوامة الاستقطاب.
مرحلة الدراسة في جامعة الموصل في أواخر تسعينات القرن الماضي تظل، في نظره، أخصب الفصول التعليمية وأعمقها تأثيرًا. هناك تعمق في الحس العلمي، وصقل للانضباط المنهجي، فضلًا عن احتكاك مباشر بثقافة علمية عميقة اتسمت بالدقة والصرامة. ولم تكن مرحلة الدكتوراه في جامعة دمشق أقل قيمة رغم الظرف السياسي والتحديات التي رافقتها، حيث كان العلم هو المنارة التي لا تنطفئ وسط متاهات السياسة.
بعد اجتيازه تلك المراحل بكفاءة عالية، عاد إلى وطنه ليصبح مدرسة علمية متفردة تميزت في كلية الزراعة بجامعة ذمار، راعيًا لقسم تقانة الأغذية ومشاركًا فاعلًا في القطاع الخاص، مقدّمًا أبحاثه الرصينة ومساهماته الجادة التي ما زالت تكبر وتزدهر.
هكذا هو الدكتور أمين الواسعي: رمز النبل، ووتد الأخلاق، ومرآة الرقي الأكاديمي، الذي يغبطه الجميع على فردانيته، ويجله الجميع تيمّنًا بقدّارته الفريدة على الجمع بين العلم والخلق، الشخص والرسالة، الاستقلالية والثقافة، في وحدة إنسانية استثنائية لا يُنكرها إلا من يغض الطرف عن الحق.



