حلم المواطنة وضرورة الاختيار: بين إلحاد البخيتي والإسلام السياسي
كلنا نعرف أن أكثر من يهاجم الأخ علي البخيتي هم إخواننا الإصلاحيون، وبخاصة أولئك الذين لم يتجاوز تكوينهم الفكري كتب فتحي يكن، ورسائل حسن البنّا، وأدبيات عبدالله عزام، إلى جانب بعض متون الفقه والعقيدة وما شابه ذلك.
لكن يبدو أن الصراعات الأخيرة في اليمن، وما كشفت عنه من أدوار محورية لجماعات الإسلام السياسي، قد دفعت بعض أتباع هذه الجماعات إلى إعادة النظر في عدد من قناعاتهم، خصوصًا بعدما أظهرت التجربة السياسية صورًا من الفشل، والتنازع، وتغليب المصالح التنظيمية في أحيان كثيرة على المصلحة العامة.
قبل فترة، التقيت بأحد الإصلاحيين المخضرمين؛ وهو أكاديمي بارع ومثقف حصيف، فدار بيننا نقاش طويل، تحول في بعض مراحله إلى جدال، حول قدرة الجماعات ذات المرجعية الدينية على بناء دولة مدنية حديثة، في ضوء تجاربها التاريخية المختلفة.
كان الرجل متمسكًا بقناعاته، ويرى أن المشكلة ليست في الجماعات الدينية من حيث المبدأ، وإنما في خصومها ومنافسيها، وأن جماعته قادرة، متى أتيحت لها الظروف، على تقديم النموذج الأفضل. وهذا ما تستدل به أي جماعة أخرى تسعى للوصول إلى السلطة.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى الإشكالات التي كنت أحاول مناقشتها معه: حين تصبح كل جماعة دينية مقتنعة بأنها وحدها تمثل الفهم الصحيح، وأن إخفاق التجارب الأخرى لا يعنيها، فإن الخلاف لا يعود خلافًا حول الوسائل السياسية فحسب، بل يتحول إلى صراع بين جماعات تعتقد كل منها أن امتلاكها للحقيقة يمنحها أحقية خاصة في تمثيل المجتمع سياسيًا.
وبعيدًا عن هذا النقاش، باغتُّه بسؤال افتراضي مباشر: ماذا لو أُجريت انتخابات، ووجدت نفسك أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تنتخب علي البخيتي، الذي يعلن موقفًا لا دينيًا، أو شقيقه محمد البخيتي، المسلم المنتمي إلى التيار الزيدي؟
فأجاب سريعًا، وبلا تردد: علي البخيتي طبعًا، وبلا شك!
وهذه الإجابة لم تكن بالنسبة لي مجرد مفارقة عابرة، بل بدت كأنها تفتح سؤالًا أوسع عما قد يقوله الفرد، وما قد تقوله الجماعة.
أولًا: ماذا تقول إجابة الفرد؟
لو كان الانتماء الديني هو المعيار الحاسم في اختيار الحاكم، لكان من الصعب تفسير هذه الإجابة.
فقد يكون الرجل، في لحظة الاختيار السياسي، قد وضع معايير أخرى فوق معيار الهوية الدينية: تصور الدولة، والحريات، والحقوق، والمواطنة، وطبيعة النظام السياسي، أو موقف المرشح من المجتمع والدولة.
وهنا تظهر المفارقة الحقيقية: إذا كان المسلم يستطيع، في الاختيار السياسي، أن يقدم مرشحًا غير متدين على مرشح مسلم، لأن الأول -في تقديره- أكثر ملاءمة لبناء الدولة التي يريدها، فمعنى ذلك أن الدين ليس بالضرورة المعيار السياسي الأعلى الذي يحكم اختياره. ولا يعني بالضرورة أنه تخلى عن دينه، لكن الأمر يكشف عن مسافة بين الانتماء الديني بوصفه هوية شخصية، وبين المعايير التي تحكم الاختيار السياسي.
ثانيًا: ماذا تكشف المسألة عن الجماعات الدينية؟
هنا ينتقل السؤال من الفرد إلى الجماعة.
لطالما قدمت تيارات الإسلام السياسي نفسها باعتبار أن المرجعية الإسلامية قادرة على أن تكون أساسًا للنظام السياسي، وأن المشكلة تكمن غالبًا في سوء التطبيق، أو في انحراف الجماعات المنافسة، أو في عدم وصول الجماعة "الصحيحة" إلى السلطة.
لكن التجارب المتعاقبة تطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا:
ماذا يحدث عندما تتعدد الجماعات التي تدعي امتلاك الفهم الصحيح للإسلام، ثم تتحول الخلافات بينها إلى صراعات سياسية، ويصبح الانتماء التنظيمي أو المذهبي معيارًا لتحديد الصديق والخصم؟
هنا لا تعود المشكلة مجرد فشل جماعة بعينها، وإنما تظهر مشكلة أوسع تتعلق بإمكانية تحويل المرجعية الدينية إلى مشروع سياسي تتنافس عليه جماعات بشرية مختلفة، لكل منها تفسيرها ومصالحها الخاصة وأولوياتها.
والأهم من ذلك أن الاعتراف بهذا الإشكال ينبغي ألا يقود إلى تحميل الدين نفسه كل أخطاء السياسة، بل إلى محاكمة الطريقة التي تُحوّل بها النصوص والمفاهيم الدينية إلى برامج سياسية وتنظيمات بشرية على أنها الحل الأمثل لبناء مشروع الدولة الناجح.
ثالثًا: تجربة الإسلام السياسي ليست هي الإسلام نفسه
وهذه نقطة أراها ضرورية.
ففشل جماعة سياسية ذات مرجعية دينية لا يعني تلقائيًا فشل الإسلام بوصفه دينًا، كما أن نجاح جماعة سياسية إن وجد، لا يثبت صحة تصورها الديني.
الجماعات والتنظيمات ظواهر بشرية وتاريخية؛ تخضع للمصالح، والصراعات، والظروف الاجتماعية، وتوازنات القوة، وأخطاء البشر.
لذلك فإن النقد الجاد ينبغي أن يتوجه إلى الإسلام السياسي بوصفه تجربة بشرية وتاريخية، وإلى مناهجه في التنظيم والحكم وإدارة الاختلاف، بدل القفز مباشرة من فشل جماعة إلى الحكم على الدين كله.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل تحتاج الجماعات الدينية إلى مراجعة علاقتها بالسياسة، وبالدين، وبالدولة، وبالتعددية، وبحق الآخرين في امتلاك تصورات مختلفة عنها للحياة العامة؟
وهل تستطيع الجماعة الدينية أن تقبل فعلًا بدولة لا تكون ملكًا لجماعتها، ولا امتدادًا تنظيميًا لها، وإنما دولة لجميع مواطنيها؟
رابعًا: ومن هنا يبدأ سؤال العلمانية
إذا وصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها أن الحاكم ينبغي أن يُختار بناءً على قدرته على إدارة الدولة وحماية حقوق المواطنين، لا بناءً على مذهبه أو دينه، فإننا نقترب من سؤال جوهري في الفكر السياسي الحديث: هل يمكن بناء دولة محايدة تجاه العقائد، بحيث يكون الدين شأنًا مكفولًا للفرد والمجتمع، بينما تبقى مؤسسات الدولة ملكًا لجميع المواطنين؟
هذا هو السؤال الذي تقود إليه المفارقة، وليس بالضرورة أن تكون إجابته محسومة سلفًا.
فالعلمانية، في هذا السياق، لا ينبغي اختزالها في موقف عدائي من الدين، وإنما يمكن مناقشتها بوصفها إحدى التصورات السياسية لفصل المجال الديني عن احتكار الدولة والسلطة بأيدي جماعات فاشلة ومتصارعة، بما يسمح للمواطن بأن يكون مسلمًا أو غير مسلم، سنيًا أو شيعيًا، مؤمنًا أو غير مؤمن، دون أن تتحول هويته العقائدية إلى شرط مسبق للمواطنة السياسية.
ومن هنا يصبح الانتقال من شعار "الإسلام هو الحل" إلى سؤال "ما النظام الذي يضمن دولة عادلة لجميع المواطنين؟"، انتقالًا من شعار أيديولوجي إلى سؤال سياسي قابل للنقاش.
أما الإجابة، فينبغي أن تترك للمجتمع وللفكر والتجربة التاريخية.
المفارقة الأخيرة...
علمت مؤخرًا أن صديقي الإصلاحي هذا قد هاجر إلى بلاد العلمانية بحثًا عن حياة كريمة.
وهنا لا أستطيع منع نفسي من التعجب أمام هذه المفارقة!
الرجل الذي كنا نختلف معه حول طبيعة الدولة التي ينبغي أن نعيش فيها، وجد نفسه في نهاية المطاف يبحث عن حياة تشبه ـ من حيث مستوى المعيشة، والنظام، والحقوق، والخدمات ـ تلك الحياة التي توفرها مجتمعات ظل الخطاب الديني الذي كان يدافع عنه ينظر إليها بوصفها النموذج السيئ الذي لا يصلح معنا ولا يناسبنا.
وأنا هنا لا أريد أن أجعل من هجرته دليلًا على شيء.
فالهجرة بحثًا عن حياة كريمة لا تعني بالضرورة تبني فلسفة سياسية معينة.
غير أن المفارقة تظل قائمة، والسؤال الذي أثارته إجابته في ذلك اللقاء ما يزال قائمًا أيضًا: حين نضع الإنسان أمام الاختيار الحقيقي، بعيدًا عن الشعارات الجوفاء، أيّ معيار يتقدم عنده: دين الحاكم، أم عدالته؟ مذهبه، أم كفاءته؟ هويته العقائدية، أم طبيعة الدولة التي يريد أن يبنيها؟
ربما يكون الجواب على هذه الأسئلة أكثر أهمية من الإجابة على السؤال: من انتصر في ذلك النقاش؟



