الثلاثاء 22 سبتمبر 2026

موت يليق ببلادنا

على هذه الأرض

ولدت من ضلع السؤال

لا أبي حمل الراية

ولا أمي صاحت هذا هو الفتى المنتظر

جئت كما تأتي الريح من فج الغياب

أحمل في دفتري صورة لعكا

وخرابًا مكتوبًا بخط عثماني على باب مدرستي

قالوا هذا زمن العساكر

قلت وأنا زمن القصيدة

كلما سقط حجر من جدار

نبتت في قلبي نافذة

وكلما غاب وجه

تذكرت أمي تمشط شعر البلاد بأصابعها

فهل هذا يكفي

هل يكفي أن أمشي بين الرصاص

وأحمل على ظهري تابوتًا يشبه وطني

وأقول:

أنا الشاهد والمشهود

ولدت على حافة خريطة

لا الشمس كانت أمي

ولا النجمة دلتني على مهد

ولا الأذان كان يعرف اسمي

علقوا على باب خيمتنا لافتة

ممنوع الحنين

ممنوع الكلام

باللهجة القديمة

ممنوع أن تتذكر

أبي كان يسعل وطنًا

وأمي ترضعني أغنية مهجورة من بيادر حيفا

وأنا

أنا كنت أحلم بخارطة لا تنزف حين أمزقها

قال لي المعلم:

اكتب اسم بلدك

كتبت: منفى

قال: هذا لا يحسب وطنًا

فمزقت الدفتر

وكتبت على الجدار:

وطني ليس سؤالًا في الامتحان

بل هو كل الامتحان

سمِّني إن شئت

لاجئًا في دفاتر الأمم

أو رقمًا على بطاقات الإغاثة

لكنني حين أنام

أرى في المنام راعيًا

ينشد بين التلال

وأحمل زنبقة وكتابًا

وأكتب فوق تراب الخيمة:

العودة يوتوبيا بل موعد تأخر فقط

نسيت وجه جدي

لكنني أذكر صوته وهو يدفن مفاتيح الدار

تحت لسانه

ويقول:

سيموت المفتاح

لكن الباب لا يموت

كبرت

وكبر فيَّ الخوف من النشيد الوطني

كل نشيد كان يسألني:

من أنت؟

فأقول:

أنا ابن الغبار

وحفيد التاريخ الذي لم يروَ

أخو البرتقالة في دمها

ورفيق بندقية

ضاعت بين اتفاقيات السلام

نظرت في المرآة

فرأيتني لا أنا

نصف وجهي

يبحث عن بيته بين المخيمات

والنصف الآخر

خريطة تمزقت في أخبار التاسعة

لا لون لجلدي

يشبه ترابًا عالقًا

في حذاء جندي عبر الحدود

لا اسم لي

سوى ما تمنحه لي المعاني

لاجئ مقيم

بصفة مؤقتة

مسافر إلى حين

سألني الليل:

من أنت؟

فقلت:

أنا قصيدة كتبها وطن

ونسيت أن تنشر

في جيبي صور بلا وجوه

وأغانٍ كانت لنا

لكنها صارت لغتي

في لهجات لا أعرفها

تعلمت أن أكتب

اسمي باللغات جميعها

إلا لغتي

وتعلمت أن أقرأ الخرائط

لكنني لم أعثر يومًا على وجه أمي فيها

كل المرايا كاذبة

حتى مرآة غرفتي

تقول لي كل صباح:

أنت هنا

لكنك لست هنا

أستيقظ من حلمي لأرتدي كوفيتي

كأنها جلد ثانٍ

وأقول للهوية الممزقة:

أنا أنت

حتى لو مزقوك ألف مرة

لم نولد من رحم الحرب

بل من رحم الانتظار الطويل

لكن حين تأخر السلام عن موعده

أنجبنا حجرًا

وربينا الرصاصة كما تربى القصيدة

بحذر وبدموع الأمهات

في الزقاق

تعلمنا أن نكتب اسم الوطن

على الجدران

بالحبر أو بالدم

لا فرق

علمتني أمي:

حين يغلق التاريخ الباب عليك

اكسره

أو اكتب له بابًا جديدًا

فكتبت:

هنا مر الفتى الذي لم يملك شيئًا إلا إرادته

كنا نغني في المسيرات:

يا بلدنا لا تهتزي

إحنا فداك من النطفة

وكان الرصاص بين أكتافنا

كأنه يعرف أسماءنا

وكان الشهداء يصعدون بلا وداع

فقط يتركون قمصانهم معلقة

على أسلاك النسيان

ويقولون:

نحن الأمل حين ينسى العالم أن يأمل

ما عاد الشعر يكفيني

ولا المذياع

ولا صلاة الجمعة

وحدها الأكف الصغيرة

كانت تعيد ترتيب الفصول

في الانتفاضة

لا عمر للثوار

طفل بعمر الليمونة

يهتف باسم البلاد

ويربك وزيرًا على الهواء المباشر

كأن الحقيقة أخيرًا

نطقت بلغتنا:

سجل

أنا لست جثة تبحث عن تابوت

ولا خيمة تنتظر بيان الإدانة

أنا الحي بأعجوبة

من بين ألف نداء للموت

الحي رغم القصف

رغم أن الشظايا كانت تعرف اسمي

وتلاحق ظلي

ككلب مدرب

سجل

لم أمت بعد

مازلت أسمع دقات قلبي

كأنها طبل في جنازة لا تنتهي

ومازلت أرى

يد أمي تمتد من بين الركام

لتعيد ترتيب صورتي فوق الجدار

قال الطبيب:

لم يبقَ غير الدعاء

فرفعت أصابعي

لا نحو السماء

بل نحو العالم الذي نام

على خرائط موتنا

وقلت:

أفيقوا فالدم لا ينتظر

سجل

إنني مازلت أكتب

بحبر من فم الجرح

ومازلت أحفظ أسماء القرى

التي أحرقتها الكاميرات

واحدًا واحدًا

كأنني أعد إخوتي قبل النوم

أنا الذي عاد من الجنازة

ليتفقد أسماء الشهداء

ويهمس في أذن طفل مازال حيًا:

كن آخر الموتى

وأول العائدين

لم نرث الكتب

بل ورثنا رمادها

لم يدرسونا كيف نقرأ التاريخ

بل كيف نحنيه

كيف نغلق فمه

حين يتكلم بغير لغتنا

نحن الذين لم يجدوا سطرًا

عن آبائهم في المناهج

فكتبنا أسماءهم على الحيطان

وخططنا وجه جداتنا على الخبز اليابس

نحن الذين

لا تذكرهم نشرات الأخبار

ولا تقرأهم الجغرافيا

إلا كـ.. نزاع حدود

لكننا كتبنا التاريخ

لا بالحبر

بل بالسكين

في الليل

نفتح بطن الخريطة

ونعيد ترتيب شرايينها

فنقول:

هنا كنا وهنا سنكون

وهنا كانت الشمس تخجل

أن تغيب عنا

نحن أحفاد

الذين قالوا

وهم حفاة

بلا طائرات

بلا بث مباشر

بلا توقيع على معاهدات الموت البطيء

نحن من حملوا الحكاية على أكتافهم

لا لتروى

بل لتواصل المشي

وفي كل جرح كتبنا:

لسنا ضحايا

نحن البداية

لا نعرف إن كنا نجونا

أم تأقلمنا مع الجرح

لا نعرف إن كنا نحب الحياة

أم فقط خفنا من الموت أكثر

لكننا رغم كل شيء

بقينا هنا

نربي الأمل

كما يربى يتيم في بيت بلا جدران

ونقول للريح:

مري على من تبقى من الحلم

وبلغي السلام

سلامًا على الذي لم يغنِّ

لكن دموعه كانت نشيدًا

سلامًا على من خبأ وجه الوطن

في كيس خبز

أو في دفتر المدرسة

سلامًا على من صمت

لا خوفًا

بل لأن القصيدة

لا تُكتب تحت القصف

بل تولد من بعده

سلامًا على يد

لم ترفع بندقية

لكنها دلت الطفل على الطريق إلى بيته

سلامًا على الذين قالوا

نموت ليحيا المعنى

وسلامًا على من لا يزال يكتب

لا ليسجل الهزيمة

بل ليقول:

كنا هنا

ومازلنا

وإن نسينا وجهنا ذات مرة

في مرآة الوطن

فالوطن لا ينسى وجوهنا