لماذا أصر الغفوري على تفيد حقوق الشهداء الأوائل في تعز..؟!
إن التاريخ النزيه أمانة أخلاقية ووطنية كبرى لا تقبل التزييف، ولا تخضع لارتهانات الأيدولوجيا.
وحين يتنكر التدوين الصحفي أو الأدبي لبطولات الأوائل، يغدو كشف الحقيقة واجباً يفرضه الضمير الوطني.
من هنا يأتي هذا المقال لتفكيك المغالطات التي وردت في كتابات الدكتور مروان الغفوري حول نضالات تعز.
نضع الحقائق الموثقة في نصابها الناصح، إنصافاً للشهداء والجرحى، وحفظاً لذاكرة النضال الجمهوري.

•••
تفاجأت بمقال كتبه الدكتور مروان الغفوري في 21 أغسطس 2018 بعنوان "تعزغراد بعد ألف معركة"[1]..!
كانت المقالة في غاية الجمال من حيث المعنى والمبنى، ما عدا هفوات قاتلة ما كان ينبغي اقترافها، وتجنباً للإطالة سأكتفي فقط بذكر مأخذين اثنين وردا فيها، وهما:
•••
أولاً: المأخذ الأول:
يتمثل هذا المأخذ في إقحام اسم اللواء 35 مدرع ضمن الألوية التي حشدها التحالف الحوثي وصالح لاحتلال تعز، لا سيما عندما أورد عبارتة: "اللواء 35 بكل تفريعاته"..!
وهذا الطرح يجافي الحقيقة تماماً ويجانب الصواب؛ لأنه أطلق تعميماً جائراً دون أن يستثني الكتيبة الوطنية المرابطة في معسكر المطار القديم بتعز، حيث مقر قيادة اللواء.
وهي كتيبة باسلة تجمعت من الأفراد والضباط الصامدين الذين توافدوا من بقية معسكرات اللواء ومواقعه التي سقطت بيد قوات صالح ومليشيات الحوثي؛ كمعسكر لبوزة ومعسكر خالد.
وكان عدد أفرادها يتجاوز أربعمائة فرد، ثم تنامى عددهم وفق الشهادات الموثقة لقائد معركة المطار والضباط والأفراد المشاركين ليصل إلى زهاء 600 فرد..؟
وسوف آتي لمناقشة هذا المأخذ باستفاضة لاحقاً.
•••
ثانياً: المأخذ الثاني:
قال الغفوري في مقاله: "تتذكرون معارك (دبابة البريد وفندق الإخوة)؟ أسابيع طويلة"..؟
وفي موقع آخر من المقال أضاف: "بدبابة واحدة ووحيدة هرب بها جندي بطل من معسكر اللواء 35 والتحق بالمقاومة، ذلك الجندي الوحيد هو الذي حفظ شرف الجندية، وشرف الجيش، ويبدو أنه سقط شهيداً فيما بعد"..!
ويكمن المأخذ الجسيم هنا في تكراره اسم اللواء 35 مدرع، وتعمد التأكيد على "معسكر اللواء 35" قاصداً معسكر المطار القديم الذي كان مقر القيادة.
بل أقدم على افتراء واضح حين قال: "بدبابة واحدة ووحيدة هرب بها جندي بطل من معسكر اللواء 35"..!
والأكثر سوء هو ما قاله:
«ذلك الجندي الوحيد هو الذي حفظ شرف الجندية، وشرف الجيش»
تختزل هذه العبارة تعميماً جائراً لا يقع فيه حتى أنصاف الكُتّاب، فكيف بكاتب بحجم مروان الغفوري..؟ إذ يُشير صراحة إلى أن الجندي الذي قاد الدبابة هو الشريف الوحيد، بما يعني ضمنياً أن بقية المرابطين في معسكر المطار القديم — والذين ناهز عددهم ستمائة مقاتل — بلا شرف..! وكأن الشهداء والجرحى الأوائل الذين سقطوا في أولى مراحل المواجهة لحماية شرف الجندية، كابن مديرية القفر الشهيد يحيى العمري، وابن ذمار الشهيد نصيب الجهراني، والشهيد العقيد محمد العوني، والشهيد القائد عدنان الحمادي، لم يكونوا أصحاب شرف عسكري ولا موقف جمهوري..!
إن هذا السقوط أتى نتيجة الاستعراض البلاغي الذي يطغى على كتابات الغفوري إلى حدٍ يجعله في نظر كثير من الناقدين كاتباً استعراضياً يضحي بالدقة والتأسيس النظري من أجل الشكليات اللغوية، بحيث تتهاوى أطروحاته عند إخضاعها لمعايير النقد الأدبي والتحقيق التاريخي المحايد. لقد أعماه الاستعراض البلاغي والتحيز الأيديولوجي، وحوّلا قلمه إلى أداة تُصادر تضحيات الأوائل وتُزوّر التاريخ الميداني؛ حتى انتهى به المطاف إلى حصر شرف المؤسسة العسكرية بأكملها في فرد واحد.
•••
إني لأستغرب أشد الاستغراب كيف يسقط كاتب بحجم مروان الغفوري هذا السقوط المدوي في التدوين التاريخي، وهو الذي يتطلع القراء إلى كتاباته للتأصيل للأحداث وفق حقائقها الناجزة دون تحريف أو إعادة كتابة خارج سياقها الواقعي..؟
لا أدري ما الذي يدفع أديباً وطبيباً بحجم الدكتور مروان الغفوري، الذي يُعد من أبرز الأصوات الأدبية والصحفية اليمنية المعاصرة، إلى الوقوع في مثل هذه الكبوة..؟
مبدع استطاع الجمع بنجاح بين مهنة الطب وجماليات الأدب وعمق الطرح الصحفي والسياسي..؟
أفلا يُستغرب أن يقع صاحب هذه المكانة الإبداعية في هكذا زلل..؟
لا أدري ما الذي يجعل كاتباً تشكل أعماله روافد مهمة في المشهد الثقافي اليمنية والعربي، وتتنوع بين الشعري والروائي والنقدي، ينساق وراء هذه المغالطات..؟
كاتب قدم في الشعر نصوصاً تتسم بالكثافة الوجدانية والرمزية التاريخية والدينية، كما في ديوانيه "ليال" و"في انتظار نبوءة يثرب".
وقدم في الرواية والقصة أعمالاً تناولت التحولات الاجتماعية والسياسية والحروب والصدمات الإنسانية بأسلوب سردي تعمق في تفاصيل الهوية والذاكرة؛ كروايات "جدائل صعدة"، "كود بلو"، "تغريبة منصور الأعرج"، "طريق الحوت"، و"خمسة منازل لله وغرفة لجدتي".
وقدم في الفكر والسياسة كتباً ومقالات تحليلة تشرح الواقع السياسي والظواهر الاجتماعية؛ كأعماله الجدلية "الفاشية للمبتدئين" و"على مقام الصبا"..؟
•••
كيف لكاتب يمثل إنتاجه الممتد لأكثر من عقدين تجربة استثنائية تعكس القدرة على بلورة أزمات مجتمعه في قالب أدبي وفكري رصين، أن يهوي فجأة من هذه القمة الإبداعية ليصادر حقوق أبطال وشهداء وجرحى كانوا هم أصحاب الوثبة الأولى لمواجهة المشروع الحوثي، وأصحاب الصرخة الثورية الوطنية الأولى الرافضة لتسليم المعسكرات..؟
لقد كان أولئك المقاتلون هم أحدث بقايا الجيش الجمهوري الذي حافظ على الجندية والشرف العسكري اليمني..؟
وإذا ما أصر الدكتور مروان الغفوري على ما كتبه ولم يبادر بالاعتذار وتصحيح هذه الأخطاء التاريخية، فسيغدو في تقديري وتقدير كل من عايشوا تفاصيل تلك الحقائق لحظة بلحظة في تعز كاتباً يتعمد تزوير التاريخ..!
وسيبدو كمن يسطو على بطولات وتضحيات أصحاب الوثبة الأولى في مواجهة المشروع السلالي الحوثي..!
وهو بهذا يغدر بحق الأبطال الأوائل الذين أطلقوا الرصاصة الأولى في وجه المليشيات بتعز، بعد أن كانت القوات المسلحة قد تهاوت واستسلمت بكل عتادها من صنعاء حتى عدن، دون أن تصمد في وجوههم ثواني معدودات، باستثناء ذلك القائد العسكري ومعه كتيبة بطلة تجمعت يوم 1 إبريل 2015 في معسكر المطار القديم معلنة الرفض البات للخنوع، ومجمعة أمرها على اختيار العقيد عدنان الحمادي قائداً لها.
•••
وما إن وصل خبر ذلك الموقف الوطني الصلب حتى صدر قرار جمهوري بتعيين عدنان الحمادي قائداً للواء 35 مدرع في 2 إبريل 2015.
فقاد تلك النواة الوطنية في معركة شرسة استمرت لأكثر من أسبوعين دون توقف ليلاً ولا نهاراً، ونشر خلالها 7 دبابات في محاور المدينة.
وتجدر الإشارة هنا إلى تفنيد التقولات التي لا أساس لها من الصحة والمفتعلة من قبل "محمد مارش"، والتي ادعى فيها أن عدنان الحمادي كان رافضاً إخراج الدبابات وأن العقيد محمد العوني هو من نشرها.
فهذا القول يتنافى تماماً مع منطق الحقائق العسكرية؛ إذ كان العوني قائد كتيبة بينما الحمادي هو قائد اللواء، ويستحيل تنفيذ تحركات عسكرية بهذا الحجم دون قرار القائد.

ومن أراد التثبت فليُعد إلى الحوارات الموثقة المنشورة مع الشهيد القائد عدنان الحمادي قبل استشهاده.
•••
ولأن الدكتور مروان الغفوري يُعرف عنه استخدام الاستعراض اللغوي والمعرفي لإبهار القراء، وإقحام مصطلحات في غير موضعها، فقد شبه مدينة تعز بـ "تعزغراد" نسبة إلى "ستالينغراد" الروسية..!
وهو تشبيه لا ينطبق شكلاً ولا مضموناً؛ لأن معركة ستالينغراد شيء وحصارها شيء آخر..؟
فالمعركة استمرت 200 يوم وليلة (من 17 يوليو 1942 حتى 2 فبراير 1943)[2]، [3]، بينما الحصار المشهور في الأدبيات التاريخية لم يكن حصار الجيش الألماني للمدينة، بل حصار القوات السوفيتية للجيش الألماني السادس المحاصر داخلها، والذي امتد لـ 72 يوماً.
ووفق هذه الحقائق الدقيقة، يغدو مصطلح "تعزغراد" مجرد استعراض مجهد للعضلات الثقافية لا يحتاجه كاتب بمكانته، بل ويضعه تحت طائلة النقد التفكيكي الذي يقلل من القيمة العلمية لطرحه..!
•••
خاضت ستالينغراد معركة لمدة 200 يوم فقط، بينما تعز -وفق تاريخ المقال المنشور في 21 أغسطس 2018- خاضت معارك متواصلة منذ أول إبريل 2015 امتدت لـ 1238 يوماً، أي ما يعادل 3 سنوات و4 أشهر و20 يوماً..!
وفي ستالينغراد تحول جيش هتلر إلى محاصَر من قبل الجيش السوفيتي وانتهى الأمر بهزيمة المانيا وكسر شوكتها..!
أما تعز فلم تتحول إلى محاصِر للمليشيات، بل أُطبِق عليها الحصار الجائر من أربعة اتجاهات منذ بداية الحرب، ولم يُفتح سوى المنفذ الجنوبي، فيما تقع بقية المنافذ تحت الحصار لأكثر من 11 عاماً..!
•••
وعوداً على بدء، تتداعى الأسئلة المحيرة للبحث عن سبب واحد يدفعه إلى التهجم على القائد الشهيد عدنان الحمادي، والشهيد القائد محمد عبد الله العوني، وعلى أكثر من سبعين شهيداً سقطوا في معركة المطار القديم الأسطورية، فضلاً عن مئات الجرحى..؟
ما الذي يدفع كاتباً كبيراً إلى الادعاء العاجل بأن دبابة واحدة هي من قاتلت وأن جندياً فر بها من اللواء، بينما تؤكد الوقائع الوقائعية أن الحمادي نشر سبع دبابات خاضت المعارك حتى دُمّر بعضها واستُبسل في البقية..؟
•••
وللمزيد من الإيضاح التاريخي الموثق في مختلف الوسائل الإعلامية، أسرد النقاط التالية التي يمكن للغفوري أو غيره التثبت منها بالعودة لأرشيف حوارات الشهيد الحمادي، وكتابات القادة العسكريين، شهادات الشيخ حمود سعيد المخلافي قائد المقاومة الشعبية بنفسه:
1 _ بدأت شرارة المقاومة الشعبية في تعز بشكل عفوي وغير منظم عبر جهود ذاتية للأهالي بالتزامن مع عاصفة الحزم في مارس 2015 داخل أحياء كالروضة والشماسي ووادي القاضي، لحماية الأحياء.
2 _ في 1 إبريل، أجمع ضباط وأفراد مقر قيادة اللواء 35 مدرع على رفض تسليم اللواء للمليشيات، واختاروا عدنان الحمادي قائداً خلفاً لمنصور معيجر بعد ثبوت نيته تسليم المعسكر. وفي اليوم التالي صدر القرار الجمهوري بتعيينه رسمياً..!
وشرع الحمادي في إعداد العتاد، فنشر 7 دبابات وعربات مصفحة وأطقم تحمل مضادات 23 ومدافع، ووزع ذخائر للشيخ حمود المخلافي والعميد صادق سرحان للانتشار في جبل جرة والستين والروضة ونادي الصقر وجولتي المرور ووادي القاضي. كما صرف أكثر من 600 قطعة سلاح فردي مع الذخائر، وهي الذخيرة والعتاد الأول الذي استندت عليه المقاومة الشعبية بتعز في مواجهة ألوية الحرس الجمهوري والمليشيات.
3 _ في 4 إبريل 2015، تصاعدت المواجهات بعد فرض نقاط تفتيش تابعة للواء 35 مدرع في جولة المرور وجولة وادي القاضي، واللتين شكلتا النواة العسكرية لمعركة المطار القديم. حيث حاولت أطقم حوثية التسلل عبر نقطة جولة المرور، وعند مطالبة أفراد اللواء بإثبات هوياتهم اندلعت اشتباكات مباشرة أسفرت عن استشهاد الرقيب يحيى العمري (من إب) كأول شهيد في مدينة تعز، ولحق به المساعد نصيب الجهراني (من ذمار)، لتبدأ رسمياً المواجهة المسلحة ضد الانقلاب.
4 _ في 9 إبريل 2015، أُعلن في تعز عن تشكيل "مجلس إسناد الدولة وحماية السلم" برئاسة الشيخ حمود سعيد المخلافي[4]، وصدر بيان عن حلف قبائل وأبناء الحجرية يدعم الشرعية وعاصفة الحزم، لتأخذ المقاومة شكلاً أكثر تنظيماً.
5 _ دارت معارك شرسة في وادي القاضي الشريان الرابط بين شمال المدينة ووسطها، حيث جرت قتال شوارع عنيف لصد محاولات الالتفاف الحوثية، وتخللتها خيانات مثل قيام النقيب سليمان مغلس ببيع موقعه وتسليم طقمه العسكري للمليشيات..! وفي هذه الأثناء كان الشيخ حمود المخلافي يحشد المجاميع القبيلية والشبابية لإسناد نقاط اللواء 35 مدرع بالرجال والعتاد.
6 _ في 15 إبريل 2015، برزت قيادات ميدانية شبابية وعسكرية قادت المواجهات المباشرة، وفي مقدمتهم الشهيد محمد الصهيبي، والشهيد اليوسفي، والقائد وهيب الهوري.
7 _ في صباح يوم الخميس 23 إبريل، سقط معسكر اللواء 35 بيد الحوثيين بعد معركة أسطورية استمرت 18 يوماً.
ويشهد العقيد علي النقيب رئيس القوى البشرية باللواء 35 مدرع على التفاصيل بقوله:
"أتذكر أنه قبيل انفجار الوضع، أخذ الأخ القائد، رحمة الله تغشاه، يُحَرِّك دبابات إلى (حارة الزنقل)، وإلى (جبل جرة)، بالإضافة إلى تواجدنا السابق في (مفرق شرعب)، و(موقع النصر)، و(مفرق بني عون)، و(وادي القاضي)، وشركة النفط. إلى جانب ذلك، كان لنا أطقم دورية متحركة، وقوة موجودة لحماية فرع البنك المركزي في مدينة تعز.
في تلك الأثناء، بدأ القائد يوسع نفوذه خارج (المطار)، فقام بتوزيع أسلحة وذخائر، وصواريخ لو، إلى العديد من الشخصيات، منها الأخ اللواء يوسف الشراجي، والشيخ أكرم القاسمي.
طبعاً.. قبيل بدء (معركة المطار) كان الانقلابيون قد استهدفوا أفرادنا الموجودين عند مبنى فرع البنك المركزي، وجُرح أيمن الطيب، واستهدفوا أفرادنا، أيضاً، في (جولة المرور)، حيث استشهد الرقيب يحيى العمري، واستهدفوا أفرادنا، كذلك، في (نقطة وادي القاضي)، واستشهد المساعد نصيب الجهراني من ذمار، واستهدفوا أفرادنا، أيضاً، في (حارة الزنقل)، واستشهد المساعد مجيب عباد، وأصابوا وجرحوا عدداً كبيراً أيضاً، واستولوا على طقم فورد مسلح 14.5، وأسروا أفراده في (جولة وادي القاضي).
لا أستطيع ذكر بقية أسماء الشهداء عدا من ذكرت أسماءهم سابقاً لكونهم أول من عطروا بدمائهم الزكية مدينة تعز، والجرحى مع أنهم أغلى زملائنا. وسبب تحفظي عن ذكر أسمائهم يُعْزَى لدواعٍ أمنية، خاصة أن معظم الجرحى، وأسر الشهداء، يعيشون في مناطق لايزال العدو يسيطر عليها.
الحقيقة أن ظروفنا كانت صعبة للغاية، ولن أنسى تفاصيل تلك المعركة الأسطورية. كنا محاصرين من أربع جهات، جرحانا استشهدوا، وهم ينزفون دونما نستطيع إسعافهم، أو نأخذ أية مواد غذائية أو أدوية لعلاجهم.
الأفراد كانوا في تناقص مستمر.
الكهرباء ضُرِبَت، ومحطة البترول أحرقت.
أي تعزيز كان يأتي إلينا من الخارج لا يستطيع الوصول إلينا.
المياه نفدت، وكان هناك مسبح داخل المعسكر كنا نستخدم مياهه في الليل، دون أن يعرف الكثير من المقاتلين ذلك.
لقد عملنا، وبذلنا كل جهودنا لنصمد صموداً أسطورياً لمدة 23 يوماً.
لم يبق يقاتل معنا في المعركة إلا من كان لديه قناعة وإيمان بعدالة القضية، ويرى أنه صاحب الحق.
أتوا يقاتلونا من أطراف البلاد، ونحن في مقر أعمالنا، وكان هذا الإحساس هو ما يقوي عزائمنا.
سقط (معسكر المطار) لأن طبيعة المعسكر لم تكن مهيأةً للقتال أصلاً، فالعدو كان قد سيطر على كل الأماكن المهمة حول المعسكر، وعوامل أخرى كثيرة لا يتسع المقام هنا لذكرها – سبق أن ذكرها القائد في كثير من حواراته يمكن العودة إليها.
أتذكر نهار يوم الثلاثاء، 21 أبريل 2015، بعد الظهر، بينما كُنتُ مخزِنَاً مع الأخ القائد بغرفة صغيرة بالطابق الأول لمبنى قيادة اللواء في (معسكر المطار)، وكان موجوداً معنا الأخ الشيخ توفيق الوقار.
للغرفة نافذة زجاجية صغيرة في الاتجاه الغربي للمبنى. تفاجأنا بمقذوفة من نوع 14.5 تخترق الشباك الزجاجي من النصف، ويسكن بالجدار المقابل لنا. ساعتها، غَيَّرنا المكان، وانتقلنا إلى سلالم البدروم.
أما في عشية نفس اليوم، فقد كَثَّفَ العدو هجومه علينا من جميع الجهات، دون أي انقطاع، بمختلف الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة.
أحرقوا الأرض، وكنا قد قمنا بتوزيع معظم الذخائر التي في المخازن إلى قطاعات المقاتلين في المتارس والخنادق، لأن العدو كان يحاول استهداف المخازن والقيادة بضربهما.
عند الساعة الثانية بعد منتصف تلك الليلة، خففوا الضرب لمدة 21 دقيقة تقريباً، ربما لغرض تبديل مقاتليهم بآخرين حيث استأنفوا الكرة بالهجوم علينا.
كانت أصوات إطلاق النيران لا تنقطع إطلاقاً، وأفرادنا يردون ويقاتلون باستماته.
لم نقدر نسوي أي شيء لشهدائنا، وجرحانا داخل الخنادق، والمتارس.
وأخيراً أُجبرنا على الخروج.
أنا شخصياً خرجت في حدود الساعة الثامنة والنصف صباح يوم الأربعاء، 22 أبريل 2015.
خرجت أنا، والأخ العميد عبدالملك الأهدل. سمعته ونحن منسحبين يرد على اتصال يقول:
ما عد باقي إلا أنا وعلي النقيب.
لم أعرف مع من كان يتكلم[5]"
8 _ في 1 مايو 2015، تم الإعلان رسمياً عن تشكيل "مجلس تنسيق المقاومة الشعبية" لتوحيد القيادات الميدانية والمدنية الموالية للشرعية[6].
•••
ثالثاً: قد يتساءل البعض: لماذا لم أرد على مقالة الغفوري فور نشرها عام 2018..؟
والإجابة ببساطة: أنني كنت حينها مرابطاً ومرافقاً للواء 35 مدرع في جبهة الصلو نخوض معارك التحرير تحت قيادة الشهيد عدنان الحمادي.
ولم أطلع على مقالته إلا قبل أيام قلائل حين أعاد أحدهم نشرها.
وكم تملكني الألم وأنا أطالعها، خصوصاً أنها نُشرت بالتزامن مع الحملات التحريضية والتخوينية المكثفة التي استهدفت القائد الحمادي ورجاله من قبل بعض الوسائل الإعلامية، والتي لم تتوقف إلا بعد استشهاده..؟
فكيف ارتضى مروان الغفوري لنفسه أن يكون جزءاً من تلك الحملة الضارية التي اتهمت شهداء المطار القديم بالتبعية لصالح والحوثي..؟
على الغفوري أن يدرك أن الكتابة في الشأن التاريخي والوطني تتطلب أعلى درجات التثبت، والتحلل من التموضع الأيدولوجي الحزبي.
فالكلمة التي تُلقى جزافاً قد تتلاشى في حينها، لكن الحقيقة تأتي لتنسف الزيف وسوء التقدير، وأسوأ ما في الأمر أن تخدم تلك المقالات حملات تشويه طالت أنبل المناضلين.
•••
نعم.. كيف تسقط هذه السقطة يا أخ مروان وأنت كاتب عرفناه حريصاً على الحقيقة ومحارباً لتزييف الوعي..؟
كيف تسقط وأنت الذي عشت سنوات في مجتمعات متحضرة تحترم الحقيقة وتزدري التزييف وتشويه الوقائع..؟
أما كان يفترض أن تمنحك تلك التجربة حصانة ضد الانزلاق في هذا المسار..؟
ما الذي يدفع قلمك ومكانتك العلمية والأكاديمية والإنسانية إلى هذا الزلل..؟
أيعقل بدلاً من أن تكون رافعة للتنوير والتثوير، أن تتحول إلى متفيدٍ لحقوق وبطولات شهداء وجرحى سبقوا الجميع في التضحية، لتهب أمجادهم لمن أثبتت الأيام أنهم تجار حرب وطالبي مصالح شخصية ضيقة..؟
•••
إنني أدعو الدكتور مروان الغفوري إلى مراجعة شجاعة لمنشوراته، ولما أورده في ذلك المقال الذي تجنى فيه على النواة الأولى للجمهورية بتعز.
تلك النواة الصلبة من أبطال اللواء 35 مدرع وفي مقدمتهم الشهيد الحمادي والشهيد العوني وكافة الشهداء والجرحى.
وإنني أتساءل: كيف ينعم المرء بالهدوء والنوم الوثير وهو يسلب حقوق أبطال ما زال بعضهم عاجزاً عن العودة إلى دياره وقراه في إب وحجة وعمران وصنعاء منذ معركة المطار القديم في إبريل 2015 وحتى اليوم..؟
أي ضمير يسمح بممارسة هذا الإجحاف الفكري بحق أناس قدموا أرواحهم فداءً للوطن..؟
إن المستقبل الذي ننشده جميعاً يستوجب منا التطهر من تراكمات الزيف، وبناء مجتمع متعافٍ قائم على إنصاف الأبطال وصون الذاكرة الوطنية من كل تشويه.
•••
حواشي وهوامش:
1 _ مقال مروان الغفوري منشور يوم 21 أغسطس 2018 على الرابط التالي فيسبوك:
https://www.facebook.com/share/p/19adgfdeQo/
ومنشور بمنصة إكس على الرابط التالي:
https://x.com/malghafory/status/767470403711275008
2 _ ف. تشويكوف، ستالينغراد ملحمة العصر، ترجمة: محمد عدنان مراد، مراجعة وتدقيق: ماجد علاء الدين، (ط1، دمشق: مطابع الصباح، 1986م).
3 _ كورت زايتسلر، معركة ستالينفراد 1942 - 1943، ترجمة: أسامة محمود المهدي، (طبع بموافقة رئاسة أركان الجيش - مديرية التدريب العسكري، 1964م).
4 _ موقع الجزيرة يوم 9 إبريل 2015 على الرابط التالي:
https://www.aljazeera.net/news/2015/4/9
5 _ انظر صحيفة الشارع على الرابط التالي:
6 _ موقع الجزيرة يوم 1 مايو 2015 بعنوان "تشكيل مجلس تنسيق للمقاومة الشعبية في تعز".



