اليمن لا يحتاج منتصراً فوق الأنقاض
رسالة إلى الحـ..وثي والسعودية و«شرعية الفنادق»
من يجلب لبلده الخراب والدم والكراهية لا يقدم بالضرورة دليلاً على القوة؛ أحياناً يقدم دليلاً على أن العقل السياسي غادر غرفة القيادة، وترك المكان للمدافع والبيانات!
في اليمن، صار لكل طرف «نصر» خاص به، لكن المواطن لديه تعريف مختلف تماماً للنصر: بيت لم يُقصف، راتب وصل، طريق فُتح، وطفل ذهب إلى مدرسته دون أن يسمع صوت الحرب.
أما الانتصار الذي يحتاج إلى أنقاض كي يُحتفل به، فذلك انتصار يحتاج إلى طبيب نفسي سياسي!
إلى السعودية: الجار لا يُدار بالصواريخ
السعودية واليمن جاران، وهذه حقيقة جغرافية لا تحتاج إلى مؤتمر ولا تحالف.
إذا كان الهدف هو الأمن والاستقرار، فإن استمرار الحرب ليس حلاً دائماً. رفع القيود الاقتصادية، وتخفيف معاناة المدنيين، وفتح قنوات التفاوض يمكن أن تكون جزءاً من طريق مختلف: طريق المصالح المشتركة بدلاً من الاستنزاف المتبادل.
اليمن ليس ملفاً أمنياً فقط؛ إنه شعب وجار واقتصاد وحدود وتاريخ ومصالح متشابكة.
ومن الحكمة السياسية أن تسأل الرياض نفسها: هل نريد يمنياً ضعيفاً ومنهكاً إلى الأبد، أم يمنياً مستقراً يمكن بناء علاقة طويلة الأمد معه؟
وإلى الحوثي: القوة ليست في إطالة الحرب
الحوثي أيضاً أمام امتحان سياسي.
الحوار ليس هزيمة، ووقف الحرب ليس استسلاماً.
إذا كانت القوة قد أوصلتكم إلى طاولة التفاوض، فلماذا يصبح الجلوس إليها عيباً؟
اليمن لم يعد يحتمل مشروعاً عسكرياً مفتوحاً بلا نهاية. وكلما طال النزاع، اتسعت فاتورة الخسائر على اليمنيين.
القوة الحقيقية ليست فقط في القدرة على خوض الحرب؛ بل في القدرة على إنهائها عندما تصبح كلفتها أكبر من فائدتها.
أما «شرعية الفنادق»... فهنا تبدأ الكوميديا السوداء!
تتحدث عن تحرير صنعاء، بينما صنعاء في مكان آخر!
بيانات عن الحسم، واجتماعات عن الحسم، وتصريحات عن الحسم...
والحسم نفسه يبدو أنه ضلّ الطريق إلى صنعاء!
المشكلة ليست في الفندق؛ فالفندق مكان إقامة وليس جريمة سياسية.
المشكلة عندما تصبح السلطة بعيدة عن شعبها، وعندما يصبح القرار السياسي مرتبطاً بالداعم أكثر من ارتباطه بالمواطن.
فالشرعية ليست غرفة اجتماعات، ولا صورة جماعية، ولا بياناً سياسياً.
الشرعية الحقيقية تُختبر بقدرة السلطة على تمثيل شعبها، واتخاذ قرارها، وبناء مؤسساتها، وتحمل مسؤولية أفعالها.
والشعب يقول للجميع: كفى!
اليمني لا يريد أن يعرف من سيرفع علمه فوق مبنى حكومي بعد عشر سنوات.
يريد أن يعرف متى يعود إلى بيته؟ متى يأكل دون قلق؟ متى يحصل على راتبه؟ متى يرسل أبناءه إلى المدرسة دون خوف؟
والسعودي أيضاً يريد أمناً واستقراراً ومستقبلاً بعيداً عن الحروب.
لذلك فإن تحويل اليمن إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية لن يصنع سلاماً دائماً.
السؤال الذي يجب أن يخيف الجميع
ليس السؤال:
من سينتصر؟
السؤال الحقيقي:
ماذا سيبقى من اليمن إذا استمر الجميع في البحث عن النصر؟
الحوثي يحتاج إلى مراجعة حساباته.
والسعودية تحتاج إلى مراجعة سياستها وأدواتها.
والقوى اليمنية خارج البلاد تحتاج إلى مراجعة علاقتها بالأرض والقرار الوطني.
أما الشعب، فقد دفع الفاتورة بما يكفي.
كفى حرباً باسم الوطن، وكفى خراباً باسم الانتصار.
اجلسوا إلى الطاولة.
تفاوضوا.
افتحوا الطرق.
خففوا القيود الاقتصادية.
أوقفوا نزيف الدم.
واتركوا لليمن فرصة أن يعيش.
فاليمن لا يحتاج منتصراً فوق أنقاضه؛ اليمن يحتاج أن يبقى اليمن.



