البؤساء: النسخة اليمنية تُنسج خيوطها أمام أعيننا

كان الله في عون هذا الأب، وعون كل الآباء في هذه الظروف التي أقل ما يُقال عنها إنها قاهرة على الجميع، بل أشد من القهر، وكاتب السطور أحدهم. يكاد العام الثاني ينقضي، وما زال البحث جاريًا عن كيفية شراء جهاز كمبيوتر أصبح ضرورة لا غنى عنها في بعض التخصصات الجامعية.
أتمنى أن يكون للجامعات دور في وسيلة تُمكّن طلاب هذه التخصصات، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، من الحصول على أجهزة بالتقسيط؛ علمًا أن ما كان يُعدّ تقسيطًا مريحًا في الظروف العادية لم يعد كذلك في هذه الظروف القاهرة لمعظم الآباء.
ويمكن أن يتم ذلك بالتعاون مع إحدى الشركات الموردة، مع إعفاء هذه الأجهزة من الجمارك والضرائب، وتخصيصها لاستخدام طلاب الجامعات، وأن يكون التقسيط رمزيًا، بهامش ربح معقول وفي متناول الأسر، بما يخفف عن الطلاب وأسرهم أعباءً أصبحت فوق الاحتمال.
فهل من حياةٍ عند من ننادي؟ وهل من يسمع هذا النداء؟
وكان الله في العون.
لقد طرح هذا الأب النبيل مكتبته التي تحتوي على أمهات الكتب، وهناك من باع كل ما لديه، وهناك من اضطر، في ظل هذه الظروف القاسية، إلى أن يضع جانبًا بعض ما يؤمن به من قيم ومبادئ ووطنية وأخلاق، بحثًا عن وسيلة يؤمّن بها حياته وحياة أسرته.
وهذه، في جوهرها، إحدى صور المعاناة التي أفرزتها الحرب، وأثقلت بها كاهل الناس، وأبقتهم في مواجهة احتياجات الحياة الأساسية. بل إن إطالة أمد الحرب واستمرار استنزاف المجتمع في صراعاتها يوسّع دائرة هذه المعاناة، ويدفع الناس إلى دوامة من الاحتياجات والخيارات القاسية التي لا تنتهي.
وحين تطول الحروب وتحتدم الصراعات، لا يقتصر أثرها على القتل والدمار، بل يمتد إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، واستنزاف القيم، ودفع الناس إلى خيارات قاسية لم يكونوا ليقبلوا بها في ظروف طبيعية.
ومع استمرار الصراع، تتسع المسافات بين أبناء المجتمع، ويصبح ترميم الثقة واستعادة روح التعايش أكثر صعوبة. ومن هنا، فإن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يكون مجرد وقفٍ للقتال، بل يجب أن يكون مدخلًا لاستعادة الإنسان، وحماية المجتمع، وردم ما خلّفته سنوات الصراع من جراح وانقسامات.
وهذا يتطلب صحوة ضمير، إن كانت لا تزال هناك بقية من إنسانية لدى المتصارعين محليًا، ولدى من هم مشاركون أو لهم تأثير في محيطنا الإقليمي.
فالحرب لا تقتل الناس فقط؛ أحيانًا تدفع الأحياء إلى بيع كتبهم، والتخلي عن مقتنياتهم، والتنازل عن بعض أحلامهم، بل قد تدفعهم إلى التنازل عن بعض ما كانوا يعدّونه من ثوابتهم، فقط لكي يتمكنوا من مواصلة الحياة.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
ويبقى السؤال الأشد إيلامًا: هل ما نراه من هذا الانهيار في حياة الناس مجرد نتيجة للحرب وإطالة أمدها، أم أننا أمام مسارٍ أصبح يُعيد تشكيل حياة اليمنيين، وقيمهم، وأولوياتهم، على نحوٍ لم يعد بالإمكان تجاهله؟



