الجمعة 18 سبتمبر 2026

الفرز الذي لا يحتمل المجاملة

هذه الحرب في اليمن تحتاج إلى فرز حقيقي، لا إلى هذا العبث الذي يجعلنا نخلط بين من يريد إسقاط مشروع الولاية، ومن يريد فقط إسقاط الحـ..وثي ليحتفظ بالفكرة نفسها ويعيد إنتاجها بوجه آخر.

المشكلة ليست في اسم الحوثي وحده، ولا في الشعار الذي يرفعه، بل في الفكرة التي تقف خلفه: فكرة أن الله اصطفى فئة من البشر، وأن لها حقًا خاصًا في الحكم، وأن اليمنيين ليسوا متساوين في حقهم السياسي. هذه الفكرة يجب أن تُسمّى باسمها، وأن يُكشف أصحابها، وألا تُمنح حصانة لمجرد أنهم يقفون مؤقتًا في صف الجمهورية.
ومن يعتقد أن الحكم حق للسلالة، أو أن النسب يمنح صاحبه امتيازًا سياسيًا، ثم يقف في الصف الجمهوري، فعليه أن يعرف أن الجمهورية ليست محطة انتظار حتى يستعيد مشروعه سلطته. لا يمكن أن نحارب الولاية في الجبهات ونحرس أفكارها في مؤسسات الدولة، ولا أن نرفع شعار الجمهورية بأفواهنا ونترك أبوابها مفتوحة لمن يعمل على تفريغها من مضمونها.
آن الأوان لأن يتوقف النفاق السياسي.
لا نريد صفًا جمهوريًا يجمع المتناقضات تحت شعار «كلنا ضد الحوثي» ثم يختلف أعضاؤه سرًا على السؤال الأهم: ماذا ستكون اليمن بعد سقوط الحوثي؟
نريد صفًا يعرف ماذا يريد قبل أن يعرف من يريد إسقاطه.
نريد يمنيةً سياسيةً لا تعترف بمواطنة من الدرجة الأولى ومواطنة من الدرجة الثانية. لا ولاية، ولا بطنين، ولا سلالة، ولا طائفة، ولا منطقة، ولا قبيلة، ولا شلة، ولا قرية تمنح صاحبها حقًا إضافيًا في حكم اليمنيين.
من أراد أن يحكم اليمن فليدخل من باب المواطنة والانتخاب والدستور، لا من باب النسب والاصطفاء الإلهي.
ومن أراد جمهوريةً على مقاس جماعته، فليقل ذلك صراحة، حتى يعرف اليمنيون من يقاتلون ومن يساندون.
أما الجيش الذي سيواجه الحوثي، فلا يجوز أن يكون خليطًا من الولاءات المتصارعة. نريد جيشًا وطنيًا واحدًا، لا جيوشًا تتجاور تحت علم واحد. ولاؤه للدولة أولًا، وللجمهورية والدستور، وعقيدته القتالية واحدة، وسلاحه ليس ملكًا لحزب أو شيخ أو منطقة أو قائد.
فالخطر ليس أن يسقط الحوثي ثم نكتشف أننا أبقينا مشروعه حيًا في عقول من كانوا يرفعون شعار مقاومته.
الخطر الأكبر أن ننتصر على الحوثي عسكريًا، ثم نخسر الجمهورية سياسيًا.
ومن هنا يبدأ الفرز الحقيقي:
من مع الجمهورية ودولة المواطنة المتساوية، فأهلًا به في الصف الجمهوري.
من مع الولاية وامتياز السلالة وحكم الجماعة، فليكن صريحًا مع نفسه ومع اليمنيين.
لقد دفع اليمنيون ثمنًا باهظًا، وليس من حق أحد أن يحوّل كل هذه الدماء إلى مجرد معركة لتغيير الحاكم، بينما تبقى فكرة الاستعلاء على اليمنيين كما هي.
نريد إسقاط مشروع الولاية، لا استبدال أصحابها.
نريد جمهوريةً لا وريثًا جديدًا للولاية.
ونريد دولةً يكون فيها اليمني مواطنًا، لا تابعًا.