الأربعاء 16 سبتمبر 2026

حين تتحول الكراهية إلى مشروع صراع

ما صدر من هذا الشاب من سب وقذف وإساءة إلى نساء من مناطق الشمال، ليس مجرد انفعال عابر، ولا يمكن التعامل معه باعتباره كلمة قيلت وانتهت. فحين تصل الإساءة إلى قذف المحصنات والتعرض لشرف النساء بسبب انتمائهن المناطقي، فنحن أمام مؤشر خطير على مستوى الانحدار الذي وصل إليه خطاب الكراهية في مجتمع أنهكته الحروب والصراعات.

الشاب الذي قذف النساء
الشاب الذي قذف النساء
السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده ليس فقط: لماذا قال هذا الكلام؟ بل: كيف تشكل الوعي الذي سمح له بأن يرى المرأة الشمالية، أو أي إنسان ينتمي إلى منطقة أخرى، هدفًا مشروعًا للإهانة والتشهير؟
هنا نصل إلى جذور المشكلة.
هذا الجيل لم يولد محملًا بهذه الكراهية بالضرورة، لكنه نشأ في بيئة سياسية واجتماعية غير صحية، تراكمت فيها آثار حرب 1994، ثم جرى تقديمها عبر سنوات باعتبارها صراعًا بين الشمال والجنوب، بدلًا من قراءة جذورها السياسية والصراع على السلطة الذي سبقها.
ومع استمرار الحروب والانقسامات، تحولت المظلومية السياسية لدى البعض إلى هوية مناطقية، ثم تحولت الهوية إلى فرز اجتماعي، وأصبح المختلف في المنطقة أو الجهة أو الانتماء يُعامل باعتباره خصمًا لمجرد أنه مختلف.
وهنا تبدأ الكارثة.
فالخلاف السياسي يمكن أن ينتهي بالحوار أو التسوية أو التداول السلمي للسلطة. أما حين يتحول الخلاف إلى كراهية مناطقية أو طائفية أو سلالية أو جهوية أو عقائدية، فإن الصراع يصبح أعمق وأشد خطرًا؛ لأنه لا يعود بين أحزاب ومشاريع سياسية، وإنما بين جماعات ترى في بعضها تهديدًا لوجودها.
وعندما تصل الكراهية إلى النساء وأعراض الناس، فإننا نكون قد تجاوزنا الخلاف السياسي إلى مستوى أخلاقي واجتماعي بالغ الخطورة. فالمرأة لا تصبح مسؤولة عن موقف سياسي لمجرد أنها تنتمي إلى منطقة معينة، وشرف الإنسان ليس ميدانًا للصراع السياسي.
المشكلة أن خطاب الكراهية لا يبقى خطابًا.
الكلمة التي تبدأ بإهانة المختلف قد تنتهي بإقصائه، والإقصاء قد يتحول إلى عنف، والعنف قد يتحول إلى صراع مفتوح بين الجماعات.
وهكذا ننتقل من صراع سياسي يمكن إدارته إلى صراع هوياتي يصعب احتواؤه.
لهذا فإن مواجهة هذا الخطاب ليست دفاعًا عن أبناء الشمال ضد أبناء الجنوب، ولا العكس. إنها دفاع عن المجتمع كله من أخطر ما يمكن أن تنتجه الحروب: أن يتحول الانتماء المناطقي والطائفي والسلالي والجهوي والعقائدي إلى معيار للحكم على الإنسان.
نحن بحاجة إلى أن نعيد الصراع إلى مكانه الطبيعي: صراع برامج ومشاريع سياسية، لا صراع أصول ومناطق وطوائف.
فالسياسي يمكن أن تختلف معه، وتعارض مشروعه، وتحاسبه على مواقفه، لكن لا يجوز أن تتحول أمه أو أخته أو زوجته أو نساء منطقته إلى أهداف للشتيمة والقذف بسبب موقفه أو انتمائه.
وإذا لم ننتبه إلى هذه الظاهرة اليوم، فقد نكتشف غدًا أننا لم نعد أمام خلاف سياسي بين اليمنيين، بل أمام مجتمعات متجاورة تحمل بعضها على بعض كراهية متوارثة، وتقاتل باسم المنطقة والطائفة والسلالة والجهة والعقيدة.
وهذا صراع أخطر بكثير من صراع السلطة.
لأن السلطة يمكن أن تتغير، أما الكراهية حين تستقر في وعي الأجيال، فإن اقتلاعها يحتاج إلى سنوات طويلة من إعادة بناء الإنسان والدولة والقيم.

لقد أسقطت الحروب الدولة، ولا ينبغي أن نسمح لها بأن تسقط ما تبقى من أخلاق المجتمع.