في اليمن.. كيف تُباع الكتب دون علم مؤلفيها؟

في العاشر من يونيو/حزيران الماضي، أعلنت الباحثة والكاتبة اليمنية أروى عثمان عزمها اتخاذ إجراءات قانونية ضد مواقع ومكتبات إلكترونية قالت إنها تعرض مؤلفاتها وإصدارات «بيت الموروث الشعبي» للبيع دون موافقتها أو الحصول على إذن منها.
وقالت عثمان، في بيان تحذيري نشرته عبر «النداء»، إنها فوجئت بعرض بعض المكتبات التجارية كتباً وإصدارات سبق أن أتاحت تحميلها مجاناً للقراء عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي منذ سنوات، لكنها ظهرت لاحقاً على مواقع إلكترونية بأسعار محددة بالدولار.

واعتبرت ما حدث انتهاكاً لحقوقها الفكرية، مشيرة إلى أن تلك الإصدارات كانت ثمرة سنوات من العمل والجهد في ظروف صعبة، خصوصاً بعد إغلاق متحف «بيت الموروث الشعبي» في صنعاء عام 2014.
ولم تكن عثمان وحدها. فالمؤرخ والأكاديمي اليمني الدكتور أحمد قايد الصايدي، وهو صاحب عشرات المؤلفات في التاريخ والفكر والسياسة، يقول لـ«النداء» إنه وجد عدداً من كتبه معروضاً للبيع عبر الإنترنت دون موافقته.
أما الروائي والباحث اليمني نبيل الخضر، فيقول لـ«النداء» إن دور النشر التي طبعت ستة من مؤلفاته أخبرته بأنها لم تبع تلك الكتب، وإنما عرضتها مجاناً لجمهور القراء.

تكشف هذه الوقائع جانباً من إشكالية حقوق المؤلف في اليمن، في ظل انتشار المنصات والمتاجر الرقمية وصعوبة الرقابة عليها، فيما أضعفت سنوات الحرب المؤسسات المعنية بحماية الملكية الفكرية وأثقلت كاهل الكتّاب والناشرين على السواء.
في هذا التحقيق، تتتبع «النداء» شكاوى عدد من المؤلفين اليمنيين بشأن عرض مؤلفاتهم وبيعها دون علمهم، وتستمع إلى الطرف الآخر، وتبحث في موقف القانون والجهات الرسمية من هذه الممارسات.
من المستفيد؟
يصف الشاعر أحمد عباس، مدير النشر في دار «عناوين بوكس»، وهي دار نشر عربية تنشط في القاهرة ومسجلة في بريطانيا، بيع كتب لمؤلفين يمنيين دون علمهم بأنه «سرقة واحتيال».
لكن الروائي اليمني عمار باطويل يرى أن المسألة قد تنطوي على جوانب أكثر تعقيداً، لافتاً في حديثه مع «النداء» إلى أن دور النشر اليمنية والعربية تواجه في الوقت الراهن مشكلات اقتصادية وصعوبات متعددة تعترض حركة النشر والتوزيع.
وبين استنكار مؤلفين وتفسيرات ناشرين وموزعين، تظل المشكلة قائمة، فيما يقول متضررون إنهم لا يعرفون الجهة التي تحصل على عائدات بيع كتبهم المعروضة إلكترونياً.
ويكشف الدكتور أحمد قايد الصايدي عن عدد من مؤلفاته التي وجدها معروضة للبيع بالدولار على متاجر ومواقع إلكترونية دون موافقته، من بينها كتاب «حركة المعارضة اليمنية في عهد الإمام يحيى بن محمد حميد الدين»، الذي صدرت طبعته الأولى عن دار الآداب في بيروت عام 1983، والثانية عن مركز الدراسات والبحوث اليمني في صنعاء عام 2004.

وتشمل القائمة أيضاً «المادة التاريخية في كتابات نيبور عن اليمن»، الصادر عن دار الفكر المعاصر في بيروت عام 1990، و«من القرية إلى عدن.. جسر بين عصرين»، الصادر عن مركز عبادي للدراسات والنشر عام 2010، و«الرهان الثالث» الصادر عن المركز ذاته عام 2012، إضافة إلى كتاب «اليمن في عيون الرحالة الأجانب».
ويقول الصايدي إن الكتاب الأخير يصعب العثور على نسخة مجانية منه على الإنترنت، ولا يعرف ما إذا كان ذلك مرتبطاً بكونه معروضاً للبيع.
ولا يبدو الصايدي منشغلاً كثيراً بالعائد المالي بقدر رغبته في معرفة الجهة المستفيدة من بيع مؤلفاته. ويقول لـ«النداء»: «المردود المالي للبيع صفر في جميع الأحوال؛ حتى عندما أعطيت نسخاً ورقية للمكتبات، كانت النتيجة أن أصحاب المكتبات رأوا أنهم بحاجة إلى قيمتها أكثر من المؤلف».
ويرى الصايدي أن ضبط هذه الممارسات يبدو صعباً في الظروف الراهنة، كما أنه لا يعرف جهة محددة يمكن اللجوء إليها بصورة فاعلة لإنصافه من الاعتداء على حقوقه الفكرية.
في المقابل، تقول أروى عثمان إنها تتابع القضية حالياً مع عدد من زملائها بهدف رصد ما تعتبره انتهاكات طالت مؤلفاتها، مؤكدة عزمها اللجوء إلى القضاء لملاحقة من وصفتهم بـ«قراصنة وسرّاق الكتب الإلكترونية».

«سوء تقدير»
تتبعت «النداء» عدداً من المواقع والمتاجر التي تظهر فيها كتب للصايدي وعثمان، وتواصلت مع القائمين عليها للحصول على ردودهم. لم يستجب بعضهم، بينما رد عبد العليم الحزمي، صاحب متجر إلكتروني لبيع الكتب اليمنية، معتبراً أن نشاطه لا يضر بالمؤلفين، بل يسهم في نشر مؤلفاتهم وتوسيع دائرة قرائها.
ويقول الحزمي إن فكرة إنشاء المتجر بدأت بعدما لاحظ القائمون عليه أن كتباً يمنية وصفها بالقيمة أصبحت تباع على الأرصفة بأسعار زهيدة، فاشترت الدار مجموعة منها وشحنتها جواً إلى القاهرة.
وبعد تراكم الكتب هناك، بحسب الحزمي، ظهرت فكرة إنشاء متجر إلكتروني لتصريف المخزون وإتاحة الكتب اليمنية لجمهور أوسع خارج البلاد.
ويضيف أن المتجر أُطلق ليكون منفذاً لبيع الكتب اليمنية بمختلف أنواعها وطبعاتها، مؤكداً أن المشروع لم يواجه، في بدايته، اعتراضاً من المؤلفين الذين عرفوا به، وأن القائمين عليه نظروا إليه باعتباره وسيلة لخدمة الكتاب والمؤلف اليمني وكسر العزلة التي فرضتها الحرب على حركة النشر والتوزيع.

ويرفض الحزمي اتهام القائمين على المشروع بالاستيلاء على حقوق المؤلفين، ويقول: «بدلاً من التقدير والاحترام والشكر، نُقابل بالاتهام دون التأكد من الموضوع وتفاصيله، وبرغم الحرب وما نمر به، فإننا نستمر في العمل».
ويدعو الحزمي أروى عثمان إلى زيارة «الدار اليمنية للكتب» في القاهرة والاطلاع على طبيعة عملها وتقديم أي ملاحظات أو مقترحات، مؤكداً أن الدار تتشرف بعرض كتبها وإصداراتها، ومضيفاً: «لو عرفت الأستاذة أروى الفكرة لأيدتها تماماً».
ومع ذلك، يقر الحزمي بأهمية تنظيم عملية البيع الإلكتروني من خلال الاتفاق مع أصحاب الحقوق، مشيراً إلى أن لدى الدار خططاً لتطوير نشاطها وعرض الكتب وبيعها إلكترونياً بعد الاتفاق مع أصحابها وإبرام عقود رسمية معهم.
ويبدي عبدالعليم الحزمي استعداده لحذف أي كتاب من المتجر إذا اعترض مؤلفه على عرضه أو بيعه، معتبراً أن التواصل المباشر كان سيتيح توضيح طبيعة المشروع ومعالجة الاعتراض.
حقوق يحميها القانون
لا يترك القانون اليمني للمكتبات ودور النشر حرية إعادة إنتاج المصنفات أو توزيعها وبيعها خارج نطاق الحقوق والتراخيص الممنوحة لها من أصحابها، إذ يكفل للمؤلف حقوقاً أدبية ومالية على إنتاجه، بما يشمل نشره وإعادة إنتاجه وتوزيعه واستغلاله تجارياً.
ويقول المحامي إيهاب باوزير لـ«النداء» إن شكاوى الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية في اليمن تزايدت خلال سنوات الحرب، وفقاً للقضايا والشكاوى التي تصل إليه، لكن معظم المتضررين لا يفضلون اللجوء إلى المحاكم والمؤسسات القضائية بسبب الظروف التي أفرزتها الحرب.
وينظم القانون رقم (15) لسنة 2012 بشأن حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة هذه الحقوق، بعدما كان التشريع اليمني قد عرف تنظيماً سابقاً للحق الفكري بموجب القرار الجمهوري بالقانون رقم (19) لسنة 1994.
وبحسب باوزير، يمنح القانون المؤلف حقوقاً مالية وأدبية تخوله تقرير نشر عمله وإعادة إنتاجه وتوزيعه واستغلاله، بما في ذلك عبر الوسائط والمنصات الإلكترونية.
ويوضح أن الاعتداء على تلك الحقوق قد يرتب عقوبات مالية، ويمكن أن تتشدد العقوبة في حالات يحددها القانون، إلى جانب مصادرة النسخ محل المخالفة ووقف تداولها، كما يستطيع صاحب الحق اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية الناجمة عن استغلال مؤلفاته دون موافقته.
ويبدي باوزير استعداده للترافع طوعاً أمام المحاكم اليمنية في القضايا المتعلقة بالاعتداء على الحقوق الفكرية والمالية للمؤلفين والكتّاب اليمنيين.
أين وزارة الثقافة؟
تضطلع وزارة الثقافة، بموجب التشريعات النافذة، بدور في تنظيم وتوثيق حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، بما في ذلك تسجيل المصنفات وإصدار الشهادات والقيام بالإجراءات الإدارية المرتبطة بحماية الملكية الفكرية.
ويقول عبد الرحمن النهاري، وكيل وزارة الثقافة لقطاع حقوق الملكية الفكرية، لـ«النداء»، إن الوزارة تتعامل مع الشكاوى التي تصل إليها بشأن الاعتداء على الملكية الفكرية وفقاً لأحكام قانون حق المؤلف والحقوق المجاورة.
ويوضح أن الإجراءات تبدأ باستقبال البلاغ ودراسة الوثائق المؤيدة له، ثم التواصل مع الجهات ذات العلاقة سعياً إلى معالجة النزاع، فيما يُوجَّه أصحاب الحقوق، عندما تستدعي القضية ذلك، إلى اتخاذ الإجراءات أمام الجهات القضائية المختصة.

ويشدد النهاري على أن الوزارة جهة تنظيمية وإشرافية، بينما يظل الفصل في النزاعات وتوقيع العقوبات من اختصاص القضاء.
وتستقبل الوزارة، بحسب النهاري، طلبات تسجيل المصنفات الأدبية والفنية وإثبات ملكيتها، وتصدر شهادات تسجيل من شأنها تعزيز المركز القانوني للمؤلف عند نشوء أي نزاع، إلى جانب تقديم الإرشاد القانوني بشأن الحقوق وإجراءات حمايتها.
ويشير إلى أن الوزارة تعمل على تطوير آلياتها بما يتناسب مع التحول الرقمي، وتوسيع التوعية بأهمية حماية الملكية الفكرية، وتعزيز التعاون مع الجهات القضائية والمؤسسات الثقافية لتوفير حماية أفضل للمبدعين اليمنيين.
ويرى النهاري أن العلاقة بين المؤلف ودار النشر ينبغي أن تستند إلى عقد قانوني واضح يحدد حقوق والتزامات الطرفين، بما فيها حقوق الطباعة والتوزيع والاستغلال الإلكتروني والعوائد المالية.
ويدعو دور النشر إلى الالتزام بالقوانين واحترام حقوق المبدعين، وفي الوقت نفسه يحث المؤلفين على توثيق حقوقهم وإبرام عقود نشر مكتوبة تحدد بدقة نطاق استغلال أعمالهم.
كما ينصح المؤلفين وأصحاب الحقوق الفكرية والفنية بتسجيل مصنفاتهم لدى الوزارة والحصول على شهادات إثبات الملكية، مؤكداً أن إجراءات التسجيل ميسرة إدارياً وفنياً وقانونياً بعد استيفاء الوثائق المطلوبة.
وبين مؤلف يرى كتابه معروضاً للبيع دون أن يعرف من وضع السعر أو يحصل على العائد، وموزع يعتبر ما يقوم به محاولة لإنقاذ الكتاب اليمني من العزلة، تبقى المسألة في جوهرها مرتبطة بسؤال أكثر وضوحاً: من يملك حق التصرف بالكتاب بعد نشره، وما الحدود التي تفصل بين الترويج للمؤلف واستغلال مصنفه دون إذنه؟
في بلد أضعفت الحرب مؤسساته الثقافية والقضائية، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً مع انتقال سوق الكتاب من رفوف المكتبات والأرصفة إلى متاجر إلكترونية تستطيع الوصول إلى القارئ في أي مكان، بينما قد يظل صاحب الكتاب نفسه آخر من يعلم أن مؤلفه أصبح معروضاً للبيع.



