الخميس 17 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • اليمن في حرب المضائق.. من يملك باب المندب

اليمن في حرب المضائق.. من يملك باب المندب

ما يجري في اليمن لم يعد مجرد حرب داخلية على السلطة، بل أصبح جزءًا من صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه إيران والسعودية وإسرائيل ولبنان وسوريا والولايات المتحدة وروسيا والصين، مع صراع أوسع على الطاقة والممرات البحرية والأسواق العالمية. ويقف اليمن اليوم فوق واحدة من أكثر نقاط العالم حساسية، بينما يتحول باب المندب إلى ورقة ضغط تتجاوز حدود البلاد، وتتقاطع معه أزمة مضيق هرمز وأمن النفط الخليجي والغاز الروسي وأمن أوروبا والانتخابات الأمريكية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

لم يعد باب المندب مجرد موقع جغرافي، فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي والسيطرة على مواقع وجزر استراتيجية، بينها جزيرة ميون، أعادا اليمن إلى قلب الحسابات الدولية. ومع اضطراب هرمز، تزداد قيمة باب المندب كورقة بحرية واقتصادية بالنسبة إلى إيران وحلفائها، لأنه يتيح الضغط على طريق رئيسي للطاقة والتجارة العالمية.
وهنا تظهر «حرب المضائق». فهرمز شريان أساسي لصادرات الطاقة الخليجية، وباب المندب بوابة البحر الأحمر إلى خليج عدن والمحيط الهندي وقناة السويس. وأي اضطراب في هذه الممرات يرفع أسعار الطاقة وكلفة النقل والتأمين ويضغط على الاقتصاد العالمي.
السعودية تدرك خطورة هذه المعادلة، ولذلك أنشأت طريقًا بديلًا لصادراتها النفطية عبر خط شرق -غرب «بترولاين»، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز. لكن هذا البديل تعرض مؤخرًا لهجوم بطائرات مسيّرة، قالت السلطات العراقية إن مصدرها الأراضي العراقية، وأوقفت السعودية الضخ احترازيًا. ولم تُنسب الضربة رسميًا إلى الحوثيين، لكن الجماعة سبق أن هددت باستهداف منشآت نفطية وحيوية سعودية، ما يجعل أمن الطاقة السعودي جزءًا من حسابات الصراع الإقليمي.
وهنا تكمن المفارقة: السعودية تحاول تجاوز هرمز، بينما يزداد الضغط على الطريق الذي يصل إلى البحر الأحمر عبر باب المندب. وبذلك تتحول خطوط الأنابيب والموانئ والمضائق إلى أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن الصواريخ والجيوش.
ومع تغير موازين النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا، تزداد القيمة الاستراتيجية لليمن بالنسبة إلى طهران. وليس بالضرورة أن يكون ذلك انتقالًا كاملًا لمركز الثقل من لبنان إلى اليمن، وإنما لأن اليمن يمنح إيران وحلفاءها ورقة ضغط بحرية واقتصادية مختلفة، يمكن استخدامها في مواجهة خصومها، خصوصًا مع استمرار السعي إلى رفع العقوبات واستعادة القدرة الاقتصادية.
لكن اليمنيين هم من يدفعون ثمن هذه المعادلة. فكلما تحولت البلاد إلى ورقة في الصراع الإقليمي، تراجعت الدولة واتسع اقتصاد الحرب، بينما يستمر النزوح وتدهور الخدمات وضياع فرص العمل ومستقبل الأجيال.
ولهذا فإن السلام العادل لا يمكن أن يكون مجرد هدنة تؤجل الحرب، ولا يجوز أن تتحول المفاوضات إلى وسيلة لإطالة الانقسام وإعادة توزيع النفوذ. وفي المقابل، لا يمكن أن يكون الحسم العسكري ذريعة لإلغاء القانون أو إعفاء أي طرف من المحاسبة.
اليمن يحتاج إلى سلام ينهي الحرب، وعدالة تحاسب من ارتكب الانتهاكات بحق اليمنيين، أيًا كان انتماؤه السياسي أو العسكري أو الجهة التي دعمته. ولا ينبغي أن تتحول العدالة الانتقالية إلى غطاء لمسامحة مرتكبي الجرائم والفساد تحت مسميات المصالحة أو جبر الضرر، لأن السلام الذي يتجاهل حقوق الضحايا يترك أسباب الحرب قائمة.
كما أن شعارات الدين والوطن والمقاومة والسيادة لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لسلطة السلاح أو لخدمة مصالح خارجية تستنزف ثروات البلاد. اليمنيون بحاجة إلى دولة واحدة، وجيش واحد، وأمن واحد، وقانون واحد، ومؤسسات تحمي النفط والغاز والمعادن والموانئ والسواحل والجزر باعتبارها ملكًا للشعب وحقًا للأجيال.
هذه المعادلة اليمنية تتصل مباشرة بالصراع الدولي. فالولايات المتحدة تحسب كلفة اضطراب باب المندب وهرمز وأسعار النفط، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، حيث يمكن لارتفاع أسعار الوقود أن يتحول إلى قضية انتخابية داخلية.
وفي الجهة الأخرى، تتحرك روسيا في مسارها الخاص مع واشنطن بشأن حرب أوكرانيا. وبعد لقاء مبعوثي ترامب مع بوتين في موسكو واتصال الرئيسين، بقيت التسوية الأوكرانية بعيدة، بينما تظل الطاقة إحدى أهم أوراق القوة الروسية في مواجهة أوروبا. فالغاز الروسي، ونفط الخليج، ومضيق هرمز، وباب المندب، كلها أصبحت أجزاء من صراع عالمي تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة.
وتتأثر الصين وأوروبا والهند بهذه المعادلة أيضًا، لأن اضطراب باب المندب لا يهدد السعودية أو الولايات المتحدة فقط، بل يرفع كلفة التجارة العالمية ويعيد ترتيب طرق الشحن والطاقة.
وهنا يظهر الخطر الأكبر على اليمن: أن يظل العالم منشغلًا بمن يسيطر على المضيق، بينما يظل اليمني محرومًا من الدولة التي تحمي أرضه وثروته. فاليمن ليس فقيرًا بطبيعته، وإنما استنزفته الحروب والفساد واقتصاد المصالح، وتحول موقعه الاستراتيجي من فرصة للتنمية إلى ورقة للصراع.
إذا كان الشرق الأوسط يعاد تشكيله حتى عام 2030، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من سيرسم الخريطة الجديدة؟
أين سيكون اليمنيون منها؟
هل سيكون اليمن دولة تمتلك موقعها وثروتها وقرارها، وتحول باب المندب من ساحة تهديد إلى بوابة للتجارة والتنمية؟
أم سيظل باب المندب ورقة في أيدي الآخرين، وتظل اليمن أرضًا تُدار أزماتها من الخارج، بينما يدفع أبناؤها ثمن صراع لم يختاروا قواعده؟
من هنا يجب أن يبدأ السلام الحقيق: لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا محاسبة، ولا دولة بلا احتكار قانوني للسلاح، ولا اقتصاد بلا سيادة على الموارد، ولا سيادة إذا بقي اليمن مجرد ورقة في حرب المضائق تستفيد منها دول الإقليم أو تحتكرها جماعات خلفها مافيات العالم.