الدعوة للسلام خيار إستراتيجي
تُشكّل الدعوة للسلام في اللحظة الراهنة خياراً استراتيجياً وجودياً، وليست مجرد موقف عاطفي أو تسوية سياسية مؤقتة.
لقد كشفت سنوات الصراع المتعاقبة حقيقة مأساوية مفادها أن الاستنزاف المستمر للقدرات اليمنية لم يكن نتيجة عفوية للتباينات الداخلية فحسب، بل كان إستراتيجية مُدارة لإبقاء اليمن في حالة ممتدة من "اللا حرب و اللا سلم"، ويمكن إيجاز ذلك في الأتي:-
أولاً: أبعاد المؤامرة على اليمن
لم تكن جولات الصراع المتعاقبة تهدف إلى حسم سياسي أو إيجاد سلطة إستقرار، بل اتسمت بضبط دقيق لموازين القوى يمنع أياً من الأطراف من تحقيق نصر كامل، وينفي قدرة أي مكون على بسط نفوذه الشامل. ونتيجة لذلك، أصبحت الحرب أداة لتفكيك المقومات الذاتية للدولة، وتعطيل مكامن القوة الاقتصادية والاجتماعية، وتفكيك النسيج الوطني عبر تغذية الهويات الضيقة والتصنيفات الشطرية أو الفئوية.
ثانياً: اقتصاد الحرب واستثمار المعاناة
في الوقت الذي انحدرت فيه الملايين من أبناء الشعب نحو مستويات غير مسبوقة من الفقر والانهيار المعيشي وتدهور الخدمات الأساسية، تشكّلت شبكات مصالح "شبكات عابرة للحدود" تقتات على استمرار الصراع.
لقد غدت الحرب صناعة تُدار لحساب أمراء الحرب المحليين والقوى الإقليمية والدولية التي تسعى لترسيخ نفوذها وتأمين مصالحها الجيوسياسية على حساب سيادة اليمن ووحدة ترابه ومستقبل أبنائه.
ثالثاً: السلام كضرورة تاريخية ومخرج وطني
إن التمسك بخيار السلام اليوم هو إدراك واعٍ لحجم الكارثة الوطنية التي تحققت أهدافها في إضعاف الجميع.
السلام لا يعني الاستسلام، بل يتطلب شجاعة أخلاقية وسياسية تتجسد في:
1-تغليب مصلحة الإنسان:
وضع الحق في الحياة والأمن والعيش الكريم المبني على المساواة في الحقوق والواجبات فوق كل الاعتبارات المذهبية أو الحزبية أو المناطقية.
2-تقديم التنازلات المتبادلة:
الإيمان بأن التنازل المتبادل للشريك في الوطن هو قوة واستثمار في المستقبل، وليس ضعفاً أو هزيمة.
3-استعادة الإرادة الوطنية الحقه:
سحب ملف إدارة المستقبل اليمني من أيدي القوى الخارجية، وإعادة بناء الفضاء الوطني المشترك الذي يتسع لجميع أبنائه دون تمييز أو إقصاء أو تهميش.
لقد بلغت التكلفة الإنسانية والاقتصادية حداً لا يمكن استدامته، ولم يعد أمام القوى الوطنية الشريفة إلا الشروع في بناء مبادرة سلام حقيقية تؤسس لدولة المواطنة المتساوية، والمؤسسات، والازدهار المأمول.



