خذلان بلا توقيع
للأسف يا أصدقائي.. يبدو أننا منذ سنوات نعيش وهم الدولة والحكومة والقيادة.. والجميع مشترك في هذه التمثيلية من الرئيس حتى أصغر موظف في الشرعية.. يرددون اسمها في كل خطبهم وكلماتهم.. ويحفظونها كمن يحفظ آية لا يفهم تفسيرها.. أما بقية أبناء الشعب فلا يجدون هذه الدولة وتعبوا في البحث عنها كـ(راتب وخدمات وقانون وأمان)، وحتى في الطريق فلا يجدون لها أثرًا.. الشيء الوحيد الذي يعرفونه هو الخذلان أكثر من الدولة ورموزها.
هذا الخذلان الممتد في أرواحنا من أكثر من عشر سنوات له طقس ثابت لا يتغير.. في كل مرة يظهر لنا "المنقذ" الجديد.. بخطاب مختلف، ولهجة أكثر حماسًا، ووعد يبدو أصدق من سابقيه.. فنقول في قرارة أنفسنا: هذا هو.. هذا من سينتشلنا من القاع.. من سيعيد لنا حريتنا التي انتهكتها المليشيات.. وننسى بسرعة طفولية غريبة كل جرح قديم تركه من سبقه.. كأننا نمحي عمدًا كل غدر سابق حتى يتسع للخيبة الجديدة..
في كل مرة.. يقولون لنا: "هذي المرة غير"، فترتفع آمالنا إلى أعلى نقطة ممكنة.. ونحلم بساعة الخلاص.. فقد صبرنا كثيرًا.. ونبدأ بتمجيد الزعيم المخلص والذي ما إن تبدأ المعركة.. يذوي ناسيًا ما كان قاله قبل ساعات.. بنفس الطريقة، وبنفس البرود، وكأن شيئًا لم يكن.. لقد أدمن قادتنا الخذلان ونحن أدمنا القهر والإحباط.. قهر ينهش الروح.. قهر يجعلنا نشك بقدرتنا على الأمل والحلم.. وفي الوقت ذاته نعجز عن التوقف عنه.
ولعل أوضح تجليات هذا الإدمان الجماعي تكمن في من يقودوننا من بعيد.. لا أحد ينتصر في معركة مصيرية من خارج الحدود.. فما بالك برئيس وقيادات دولة لم تعش شهرًا كاملًا في أي شبر من أرضنا، لم يعودوا إلى الوطن للبقاء فيه، بل كمسافرين مكرهين.. تصلهم الأخبار كما تصلنا نحن.. عبر الشاشات والتقارير.. لا عبر الغبار والجوع والخوف الذي يعيشه الشعب كل ليلة.. لا يشعرون بأوجاع الناس ولا أحلامهم.. أثق أن هذا "العليمي" -وخلفه سلسلة طويلة من مدمني الاغتراب- ولو عاد إلى الداخل بنفسه ومعه رجالاته.. لكان الأمر مختلفًا.. فحين يقيم الإنسان في أرضه.. يدرك أنه إن لم ينتصر.. فلن يجد أرضًا يحكمها أو يعيش فيها.. عندها فقط.. يصبح الموت في الأرض خيارًا أهون من الغياب عنها.. لا شك أنهم سينتصرون.. لأن من يقاتل وهو مستعد أن يموت في بيته.. غير من يقاتل وله بيت آخر يستأجره في مكان بعيد.
تأمل المشهد بلا مساحيق.. مجموعة من الوجوه المحنطة في فنادق الشتات.. صُنعت على عين طرف لا يعرف حتى اسم قرية من قرانا.. تخوض معارك وهمية على حصص ومصالح ضيقة.. لا يجمعها بنا أي رابط.. يُنفخ فيها الإعلام حتى تصير جبالًا.. ثم تُطفأ بضغطة زر من كفّ من يملك المفاتيح.. وعلى الرغم من أننا نعرف من سلّم خيوط مصيرنا لغيرنا حتى صرنا غرباء ودخلاء في بيت كان لنا.. إلا أننا نحاول أن نثق فيهم مجددًا مع كل هبة حرية.. لكن تتغير الأسماء.. تُستبدل الألقاب.. والنتيجة واحدة دائمًا: إتقان للخذلان، خذلان ممتد وممتد.
أمام كل هذا.. هذه الأيام تمنيت لو كنت قائدًا عسكريًا.. لو كنت مقاتلًا.. كي أشارك بنفسي في النصر والخلاص.. ولا أكتفي بمتابعة الأخبار عن بُعد وأنا أرى وطني يُدار كملف على طاولة غرباء في الخارج.. ويُنهش بأنياب وحش غريب الروح والفكرة في الداخل... كم مرة تحدثنا، نحن أبناء المنافي والشتات، عن حلم واحد بسيط: ماذا لو التقينا يومًا في صنعاء؟.. ماذا لو اجتمع شملنا هناك، بعد كل هذا التشتت الذي فرّقنا في المدن والدول والقارات؟.. والله لقد كنا بدأنا نحلم فعلًا.. كنا نرسم المشهد في رؤوسنا قبل أن يعيدنا الخذلان التالي إلى نقطة الصفر وإلى "مقايل" العالم الافتراضي.
في كل مرة ومع كل حلم بالخلاص، نجد أنّ نمطًا متكررًا يتقنه من يديرون شأننا.. يرفعون سقف الأمل حين يحتاجون شرعية أو تعاطفًا.. ثم يهبطون به حين تنتهي حاجتهم.. كأنهم يعرفون بالضبط متى يمنحوننا جرعة أمل.. ومتى يسحبونها.. ونحن، رغم كل هذا التكرار، نظل نستجيب كالمرة الأولى.. نتحمس للتصريح ذاته الذي غدر بنا نظيره قبل أشهر.. نصدق الوعد الجديد الذي أُخلف عشرات المرات باسم آخر.. وكأننا بلا ذاكرة ولا نتعلم من النكبات الماضية.. أو ربما نحن نعرف النتيجة لكننا نتمسك بالأمل.. وربما نختار أن ننسى.. لأن النسيان أرحم من مواجهة حقيقة أننا نُخدع بذات الطريقة منذ سنوات.
ومع كل ما سبق من الخذلان، إلا أننا مازلنا نحلم بالخلاص حتى لو جاء على يد الشيطان نفسه.. يظهر أحدهم برسائل الأمل.. فنُحبه من فرط حاجتنا لمن ينقذنا.. نعلّق عليه ما تبقى من رجاء.. ونغض الطرف عمدًا عن كل إشارة تحذرنا منه.. فقط لأننا نريد أن نصدق أن هناك من سيأتي ويصلح ما أفسدته السنوات.. لكنه سرعان ما يتنكّر لنا كسابقيه.. ومع ذلك نعود إلى نفس الدائرة التي لا تنتهي من الوعود والانكسار.. نُغيّر الأسماء ونُبقي على الجرح.



