لماذا تم ترحيل ممثل صوماليلاند من اليمن؟ وما علاقة إسر--ائيل؟
بعد 55 يومًا قضاها رهن الاحتجاز في مدينة عدن، عاد إدريس آدم راجي، ممثل إقليم صوماليلاند في اليمن، الأسبوع الماضي إلى هرجيسا، عاصمة الإقليم، بعد ترحيله من اليمن إثر وساطات أمريكية قادت إلى الإفراج عنه.

وكانت السلطات اليمنية قد اعتقلت راجي في 13 يونيو/حزيران الماضي، عقب مداهمة المكتب الذي يعمل فيه بمدينة عدن، قبل يوم واحد من زيارة رئيس صوماليلاند عبد الرحمن عرو إلى إسرائيل.
وعقب عودته إلى هرجيسا، قال راجي، خلال مؤتمر صحفي، إن اعتقاله في عدن جاء على خلفية اعتراف إسرائيل بصوماليلاند، الإقليم الذي أعلن انفصاله عن الصومال مطلع تسعينيات القرن الماضي.
غير أن مصادر أمنية وإعلامية يمنية وصومالية تحدثت إلى «النداء» قدمت روايات أخرى بشأن أسباب اعتقاله وإغلاق المكتب، تتصل بطبيعة الأنشطة التي كان يمارسها في عدن، وعلاقاته بأطراف سياسية محلية، وصولًا إلى اتهامات بتسهيل خروج شخصيات يمنية مطلوبة أمنيًا إلى صوماليلاند.
وبينما لم تصدر السلطات اليمنية توضيحًا رسميًا مفصلًا بشأن القضية، أثارت مداهمة المكتب واحتجاز ممثله ثم ترحيله تساؤلات حول طبيعة الدور الذي كان يؤديه مكتب صوماليلاند في عدن، والغطاء الرسمي الذي كان يتحرك من خلاله، وما إذا كانت أنشطته قد تجاوزت مهمته المعلنة في تسهيل العلاقات التجارية وحركة المسافرين بين ضفتي خليج عدن.
من مكتب تجاري إلى تمثيل شبه دبلوماسي
أعلن إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند) انفصاله عن الصومال في 18 مايو/أيار 1991، عقب انهيار نظام الرئيس الصومالي محمد سياد بري ودخول البلاد في حرب أهلية.
وخلال العقود التالية، سعى الإقليم إلى بناء علاقات خارجية والحصول على اعتراف دولي باستقلاله، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي على خليج عدن، في منطقة تكتسب أهمية متزايدة مع تصاعد التنافس الدولي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ولم تتعامل الحكومات اليمنية المتعاقبة مع مكتب صوماليلاند بوصفه بعثة دبلوماسية لدولة مستقلة، إذ ظل الاعتراف الرسمي اليمني بالحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو، التي تمثلها سفارة في صنعاء وقنصلية في عدن.
ومع ذلك، عملت شخصيات من صوماليلاند لسنوات من خلال مكتب تمثيلي في اليمن، تحت غطاء تسهيل التبادل التجاري وخدمة أبناء الإقليم والمسافرين.
وبعد سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات، على مدينة عدن في عام 2019، توسع نشاط المكتب، وأصبح يُشار إليه في منطقة خورمكسر محليًا باعتباره مقرًا لـ«سفارة جمهورية أرض الصومال»، رغم عدم تمتعه بوضع دبلوماسي رسمي لدى الحكومة اليمنية.
وفي 18 مايو/أيار الماضي، نظم المكتب في عدن احتفالًا بمناسبة ذكرى إعلان استقلال صوماليلاند، حضرته شخصيات وقيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي ومسؤولون في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
رحلات إلى هرجيسا
مصدر أمني يمني قال لـ«النداء» إن مكتب صوماليلاند في عدن كان يضم عددًا من الشبان الصوماليين، بينهم خريجون من جامعات يمنية، وتمكن خلال السنوات الماضية من بناء شبكة علاقات واسعة مع سياسيين وناشطين في عدن ومحافظات جنوبية أخرى.
وبحسب المصدر، كان إدريس آدم راجي في صدارة القائمين على هذه الأنشطة بصفته ممثلًا للمكتب.
ويضيف المصدر أن العاملين في المكتب نشطوا، خلال السنوات الست الماضية، في ترتيب سفر يمنيين، معظمهم من المحافظات الجنوبية، إلى هرجيسا عبر البحر، تحت عناوين مرتبطة بالتجارة والزيارات.
لكن المصدر يقول إن طبيعة بعض الأنشطة التي كانت تُنظم للزوار اليمنيين في صوماليلاند لم تكن واضحة للجهات الحكومية اليمنية، مشيرًا إلى أن مسؤولين محسوبين على المجلس الانتقالي داخل مؤسسات الحكومة كانوا على علم بجزء من تلك التحركات دون أن تتخذ إجراءات لإيقافها.
ولم يتسنَّ لـ«النداء» التحقق بصورة مستقلة من طبيعة تلك الأنشطة أو أعداد اليمنيين الذين سافروا عبر ترتيبات المكتب.
اتهامات بتهريب مطلوبين
في مقابل رواية راجي التي تربط اعتقاله بالعلاقة بين صوماليلاند وإسرائيل، تبرز رواية أخرى تقول إن القضية مرتبطة باتهامات بتسهيل خروج شخصيات يمنية مطلوبة أمنيًا من عدن إلى صوماليلاند.
الناشط الصومالي المقرب من حكومة صوماليلاند أحمد عول يقول إن السلطات اليمنية اتهمت راجي بالتورط في تسهيل وترتيب عمليات نقل مطلوبين من عدن إلى الإقليم.
وبحسب عول، شملت الاتهامات الموجهة إليه تسهيل خروج عضو مجلس القيادة الرئاسي السابق ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس قاسم الزبيدي، الذي تقول السلطات اليمنية إنها تلاحقه على خلفية اتهامات بـ«الخيانة العظمى».
وتتقاطع هذه الرواية مع ما نقلته وكالة الأنباء الصينية «شينخوا» عن مصدر أمني في وزارة الداخلية اليمنية، أفاد بأن اعتقال راجي وترحيله ارتبطا باتهامه بالوقوف خلف عملية تهريب شخصيات يمنية مطلوبة أمنيًا من عدن إلى صوماليلاند.
وتظل هذه الاتهامات في إطار روايات المصادر، في ظل غياب بيان رسمي يمني يوضح بصورة تفصيلية التهم التي استندت إليها عملية الاعتقال والترحيل.
أين تدخل إسرائيل؟
محمد ولي، الباحث الصومالي في كلية «بي بي إس نويشتاد» الألمانية، يضع القضية في سياق سياسي أوسع، معتبرًا أن الإمارات لعبت دورًا في بناء قنوات اتصال بين هرجيسا وتل أبيب.
ويقول ولي لـ«النداء» إن «إقليم أرض الصومال يبحث عن الاعتراف به منذ زمن، ويسعى إلى صناعة علاقات دبلوماسية مع أي دولة»، مضيفًا أن هذا المسار تقاطع مع توجهات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي كان يسعى بدوره إلى تعزيز حضوره الخارجي وتقديم نفسه ممثلًا لمشروع سياسي منفصل في جنوب اليمن.
وبرأي ولي، أوجد هذا التقاطع مساحة للمصالح المشتركة بين الطرفين، خصوصًا في ظل العلاقات التي تربط كليهما بالإمارات.
مداهمة ومصادرة وثائق
الناشط اليمني صبري علوي العفيف يقول إن مداهمة مقر مكتب صوماليلاند في عدن نُفذت بناءً على توجيهات ومتابعة مباشرة من «اللجنة السعودية اليمنية المشتركة الخاصة»، وإن القوة التي داهمت المكتب صادرت أجهزة ومعدات ووثائق رسمية كانت موجودة بداخله.
ولم تعلن السلطات اليمنية حتى الآن تفاصيل ما تمت مصادرته، أو ما إذا كانت الوثائق والأجهزة التي عُثر عليها قد شكلت جزءًا من التحقيقات مع راجي.
أدوار تجاوزت الخدمات القنصلية؟
الخبير اليمني في شؤون القرن الأفريقي نبيل البكيري يقلل من التداعيات الدبلوماسية لإغلاق المكتب، بالنظر إلى أنه لم يكن يمثل بعثة دبلوماسية معترفًا بها رسميًا.
ويقول البكيري لـ«النداء» إن الإمارات حاولت، عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، تحويل المكتب خلال السنوات الماضية إلى ما يشبه مكتب تمثيل قنصلي لصوماليلاند في عدن، «لكن هذا الحلم لم يكتمل».
ويربط البكيري ترحيل إدريس آدم راجي بجملة من الأسباب، من بينها اتهامات تتعلق بدعم وإسناد المجلس الانتقالي خلال الأحداث الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، يشير إلى وجود حاجة فعلية إلى جهات تسهّل حركة السكان بين ضفتي خليج عدن، بالنظر إلى حركة اليمنيين المستمرة نحو بربرة وبوصاصو وهرجيسا وبرعو وبورما وغيرها من المناطق الصومالية، سواء لأسباب تجارية أو عائلية.
لكن الدور الخدمي الذي يمكن أن تؤديه مثل هذه المكاتب، بحسب البكيري، اختلط خلال السنوات الأخيرة بالصراع السياسي والإقليمي، مع تنامي الحضور الإماراتي ثم الإسرائيلي في ملف صوماليلاند.
وهنا، وفق البكيري، بدأت التساؤلات تتجاوز مسألة تسهيل السفر والتجارة إلى طبيعة الأدوار السياسية التي كان يؤديها المكتب في عدن، ومدى انخراطه في الصراع بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي.
وبين رواية راجي التي تربط اعتقاله بإسرائيل، والروايات الأمنية التي تتحدث عن تسهيل خروج مطلوبين ودعم أطراف سياسية محلية، تبقى أسباب احتجازه وترحيله محاطة بجوانب غير معلنة. فبعد 55 يومًا من الاعتقال، انتهت القضية بإبعاده إلى هرجيسا، من دون أن تقدم السلطات اليمنية حتى الآن روايتها الرسمية الكاملة لما حدث داخل مكتب صوماليلاند في عدن، وما الذي دفعها إلى إغلاقه بعد سنوات من العمل تحت أنظارها.



