الأربعاء 9 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • تعز.. إيقاف «التعليم عن بُعد» يضع مستقبل طلاب أمام أسئلة معلّقة

تعز.. إيقاف «التعليم عن بُعد» يضع مستقبل طلاب أمام أسئلة معلّقة

تعز.. إيقاف «التعليم عن بُعد» يضع مستقبل طلاب أمام أسئلة معلّقة

يواجه طلاب التحقوا ببرامج التعليم عن بُعد في عدد من مدارس محافظة تعز حالة من عدم اليقين بشأن نتائجهم ومستقبلهم الدراسي، عقب إيقاف هذا النمط من التعليم وعدم صرف أرقام جلوس وحجب نتائج، في قضية تثير أسئلة حول الوضع القانوني لهذه البرامج، ومسؤولية الجهات التعليمية عن تنظيمها، ومصير الطلاب الذين واصلوا دراستهم من خلالها.

وتشمل القضية، بحسب وثائق ومذكرات متعلقة بالموضوع، مدرسة الشهيدة نعمة أحمد رسام الحكومية في تعز، إلى جانب مدرستي المنار وإسبيل الأهليتين، وهي مدارس خاضت خلال السنوات الأخيرة تجارب في التعليم الإلكتروني والتعليم عن بُعد، مستهدفة، بصورة أساسية، طلابًا حالت ظروف الحرب أو النزوح أو بُعد مناطق سكنهم دون انتظامهم في التعليم الحضوري.
بيان تحذيري من وزارة التربية والتعليم
بيان تحذيري من وزارة التربية والتعليم
وتفيد الوثائق بأن إجراءات وتجارب التعليم عن بُعد في المدارس المعنية بدأت منذ أواخر عام 2023، في ظل مخاطبات مع مكتب التربية والتعليم بمحافظة تعز والسلطة المحلية، واستنادًا إلى لائحة وزارية سابقة صدرت خلال فترة وزير التربية والتعليم السابق طارق العكبري.
وخلال تلك الفترة، استثمرت المدارس في إنشاء منصات إلكترونية وتأهيل كوادر وتطوير آليات لمتابعة الطلاب وإجراء الاختبارات، قبل أن تواجه لاحقًا قرارًا بإيقاف التعليم عن بُعد، في ظل عدم وجود تراخيص رسمية مسبقة لهذا النمط من التعليم.

الطلاب في قلب الخلاف

لا تقتصر تداعيات القرار على المدارس وإداراتها، إذ تمتد بصورة مباشرة إلى الطلاب الذين اعتمدوا التعليم عن بُعد وسيلة لمواصلة دراستهم، وبينهم طلاب يعيشون في مناطق بعيدة يصعب الوصول منها بصورة منتظمة إلى المدارس، وآخرون غادروا اليمن مع أسرهم بسبب الحرب والنزوح ويقيمون في بلدان لا تتوافر فيها مدارس يمنية يمكنهم الالتحاق بها.
وبالنسبة إلى هذه الفئات، لم يكن التعليم الإلكتروني مجرد خيار إضافي إلى جانب الدراسة التقليدية، بل أصبح في حالات عديدة وسيلة لتجنب الانقطاع عن الدراسة.
وثيقة وزارة الشؤون القانونية لرئيس الوزراء
وثيقة وزارة الشؤون القانونية لرئيس الوزراء
وتزداد المشكلة تعقيداً بالنسبة إلى الطلاب الذين أمضوا عاماً دراسياً كاملاً في الدراسة، وأنجزوا المقررات والواجبات والاختبارات، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام احتمال عدم اعتماد نتائجهم.
ويطرح ذلك جانباً حقوقياً في القضية يتعلق بمدى جواز تحميل الطالب تبعات خلل إداري أو تنظيمي في العلاقة بين المدارس والجهات الحكومية، خصوصاً إذا كان قد التحق بالبرنامج وواصل الدراسة دون أن يكون طرفاً في إجراءات الترخيص والاعتماد.

تجارب رقمية سبقت القرار

وتعد مدرسة الشهيدة نعمة أحمد رسام من المدارس الحكومية في تعز التي تبنت استخدام التكنولوجيا في الإدارة والتعليم خلال السنوات الماضية.
وإلى جانب تجربة التعليم عن بُعد والاختبارات الإلكترونية، استخدمت المدرسة نظاماً إلكترونياً لمتابعة حضور الطالبات وانصرافهن وربطه بهواتف أولياء الأمور، كما شاركت طالباتها في مسابقات وفعاليات تعليمية وحققن مراكز متقدمة في عدد منها.
وطورت مدارس المنار، بدورها، منظومة إلكترونية تضم الفصول الافتراضية ومتابعة مواظبة الطلاب ودرجاتهم، إلى جانب مكتبة رقمية وخدمات للاستعلام عن النتائج والواجبات والمواد الدراسية والتواصل بين الطلاب والمعلمين، فيما خاضت مدارس إسبيل تجربة مماثلة في التعليم الإلكتروني.
لكن وجود هذه التجارب والبنية التقنية لا يحسم، بمفرده، مسألة الاعتراف القانوني بالتعليم عن بُعد، وهي النقطة التي تتمسك بها الجهات المعنية عند الحديث عن ضرورة وجود تراخيص وضوابط رسمية.

تنظيم أم إيقاف؟

تكشف القضية عن فجوة أوسع تتجاوز المدارس الثلاث، وتتعلق بغياب إطار واضح ومستقر لتنظيم التعليم عن بُعد في اليمن، في وقت دفعت فيه سنوات الحرب والنزوح وتشتت آلاف الأسر إلى البحث عن بدائل للتعليم التقليدي.
وفي حال كانت المشكلة مرتبطة بنقص إجراءات الترخيص أو بمعايير الاختبارات والتحقق من هوية الطلاب وموثوقية النتائج، يبرز تساؤل حول إمكانية معالجة هذه الإشكالات من خلال وضع اشتراطات موحدة ومنح المؤسسات القائمة مهلة لتصحيح أوضاعها، بدل إيقاف التجربة بصورة كاملة.
وثيقة رئيس دائرة التفتيش
وثيقة رئيس دائرة التفتيش
كما تبرز الحاجة إلى تحديد آلية قانونية تحمي الطلاب الذين التحقوا بهذه البرامج بالفعل، بحيث لا تضيع سنوات أو فصول دراسية أكملوها بسبب نزاع تنظيمي بين المدارس والوزارة.
ويمكن أن يشمل أي إطار تنظيمي للتعليم عن بُعد معايير خاصة بالمنصات المستخدمة، وكفاءة المعلمين، وآليات تسجيل الحضور، والتحقق من هوية الطلاب، وضوابط الاختبارات، وحفظ السجلات، واعتماد النتائج والشهادات.

حاجة فرضتها الحرب

اكتسب التعليم عن بُعد أهمية متزايدة عالمياً خلال الأزمات والحروب والكوارث، بوصفه إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها لضمان استمرارية التعليم عندما يتعذر انتظام الطلاب داخل المدارس.
وفي اليمن، تبدو الحاجة إلى بدائل تعليمية أكثر إلحاحاً في ظل استمرار آثار الحرب والنزوح والانقسام وتشتت الأسر داخل البلاد وخارجها، ما يجعل النقاش حول التعليم الإلكتروني مرتبطًا بمشكلة أوسع هي قدرة النظام التعليمي على الوصول إلى الطلاب في الظروف الاستثنائية.
رسالة رسمية من وزير التعليم إلى رئيس الوزراء
رسالة رسمية من وزير التعليم إلى رئيس الوزراء
ولا تعني الحاجة إلى التعليم عن بُعد تجاوز متطلبات الجودة والرقابة والاعتماد، بقدر ما تضع الجهات الرسمية أمام مسؤولية بناء نظام يوازن بين حماية جودة التعليم وعدم إغلاق البدائل أمام الطلاب الذين يتعذر عليهم الوصول إلى المدرسة التقليدية.
ومن بين الخيارات التي تطرحها القضية تشكيل لجنة فنية وتربوية وقانونية لتقييم التجارب القائمة ميدانياً، وفحص المنصات والسجلات وآليات التدريس والاختبارات والتحقق من هوية الطلاب، ثم تحديد معايير وطنية واضحة يمكن على أساسها الترخيص للمؤسسات المستوفية للشروط، ومنح المؤسسات التي لديها نواقص مدداً محددة لتصحيح أوضاعها.

مصير النتائج

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا متعلقاً بمصير الطلاب الذين أكملوا دراستهم بالفعل عبر هذه البرامج، وما إذا كانت الوزارة ستضع معالجة تضمن عدم ضياع عامهم الدراسي، بصرف النظر عن الإجراءات التي ستتخذها لاحقًا لتنظيم التعليم عن بُعد.
فالقضية، في جانبها المباشر، لم تعد خلافاً إدارياً بشأن منصة إلكترونية أو طريقة تدريس فحسب، وإنما ترتبط بحق طلاب في استكمال تعليمهم وعدم تحميلهم تبعات إجراءات لم يكونوا مسؤولين عنها.
كما تضع القضية وزارة التربية والتعليم أمام تحدٍ يتجاوز قرار السماح أو المنع: كيف يمكن تنظيم التعليم عن بُعد وضمان جودته، وفي الوقت نفسه توفير بديل آمن ومعتمد للطلاب الذين جعلت الحرب والنزوح والظروف الجغرافية وصولهم إلى التعليم التقليدي أمرًا بالغ الصعوبة؟